متابعة/المدى
دخلت أسواق النفط والغاز حالة من الاضطراب الحاد، بعد مرور شهر على اندلاع الحرب على إيران، في ظل تصاعد المخاوف من طول أمد النزاع وغياب أي أفق واضح لحلّه، ما انعكس مباشرة على حركة الإمدادات العالمية ومستويات الأسعار.
وشهدت مناطق في الخليج استهدافات طالت مواقع استراتيجية، من بينها ميناء صلالة في سلطنة عُمان، حيث تأثرت إحدى الرافعات نتيجة ضربتين بطائرات مسيّرة، إلى جانب استهداف منطقة خليفة الاقتصادية في الإمارات، وتضرر نظام الرادار في المطار الدولي بالكويت بعد استهدافه بمسيّرات، فضلاً عن استهداف موانئ الشويخ ومبارك الكبير سابقاً.
وفي تطور ميداني آخر، دخلت جماعة “أنصار الله” على خط المواجهة عبر استهداف إسرائيل بصاروخ باليستي، ما اعتُبر تطوراً يوسع نطاق التوتر ليشمل مضيق باب المندب، إلى جانب مضيق هرمز الذي شهد حركة محدودة، حيث مرّ عبره نحو 116 سفينة منذ بداية آذار/مارس الجاري، بينها ناقلات نفط وسفن إيرانية، وفق بيانات “بلومبيرغ” و”رويترز”.
أما داخل إيران، فقد طالت الضربات منشآت نووية ومواقع لإنتاج الفولاذ في فيروز آباد وخوزستان وأصفهان، إضافة إلى منشآت للطاقة، ما يزيد من تعقيد المشهد ويؤثر على استقرار الإمدادات في الأسواق العالمية.
وعلى صعيد الأسعار، أغلقت عقود خام برنت عند مستوى 114 دولاراً للبرميل، مسجلة ارتفاعاً بأكثر من 55% منذ بداية الحرب، مقارنة بـ72 دولاراً قبل اندلاعها، فيما تقلصت الإمدادات المفقودة من النفط إلى نحو 15 مليون برميل يومياً من أصل 20 مليوناً قبل النزاع.
وفي قطاع الغاز، أشار الباحث في شأن الطاقة بشار الحلبي إلى أن الأسعار قفزت من 30 يورو لكل ميغاواط/ساعة قبل الحرب إلى نحو 70 يورو حالياً، بالتزامن مع توقف قطر عن تصدير الغاز المسال، الذي يمثل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي، بعد إعلانها حالة “القوة القاهرة”.
وفي المقابل، نقلت وكالة “بلومبيرغ” عن مصدر مطلع أن خط أنابيب النفط السعودي شرق–غرب يعمل بكامل طاقته البالغة سبعة ملايين برميل يومياً، في ظل سعي المملكة إلى تأمين بدائل للتصدير خارج نطاق مضيق هرمز.
وبحسب البيانات، بلغت صادرات النفط الخام من ميناء ينبع المطل على البحر الأحمر نحو خمسة ملايين برميل يومياً، إضافة إلى ما بين 700 ألف و900 ألف برميل يومياً من المنتجات النفطية، في وقت أكد فيه الرئيس التنفيذي لشركة “أرامكو” أمين الناصر أن الخط سيصل إلى طاقته القصوى خلال أيام، مع تحول مسارات العملاء نحو البحر الأحمر.
ويعد خط الأنابيب شرق–غرب مشروعاً استراتيجياً بطول يقارب 1200 كيلومتر، يربط حقول المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، ويهدف إلى تأمين منفذ تصدير بديل وتعزيز أمن الطاقة، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بمضيق هرمز.
وأدت الحرب الجارية إلى خروج نحو 11 مليون برميل نفط يومياً من الإمدادات العالمية، في حين وصفت وكالة الطاقة الدولية الأزمة بأنها “أسوأ من صدمتي النفط في سبعينيات القرن الماضي مجتمعتين”، في إشارة إلى حجم التأثير على الأسواق العالمية.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه الخليج تحولات اقتصادية وبنيوية، مع تنامي القطاعات غير النفطية ومشاريع التكامل الاقتصادي، ما يطرح تساؤلات حول قدرة المنطقة على تحويل الأزمة إلى فرصة استراتيجية.
وفي هذا السياق، أشار المحلل السياسي اللبناني موفق حرب، في حديث تابعته (المدى)، إلى أن مستقبل المنطقة مرهون بمآلات الوضع في إيران، حيث يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسية، أولها بقاء النظام مع إعادة تموضع وتوجه نحو خفض التصعيد، وهو السيناريو الأكثر قابلية للإدارة بالنسبة لدول الخليج.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل ببقاء النظام مع تشدد أكبر وعسكرة للمشهد، ما يعني استمرار المواجهات غير المباشرة عبر هجمات سيبرانية وضغوط بحرية، ورفع مستوى الإنفاق الدفاعي في دول الخليج.
ويتمثل السيناريو الثالث في اهتزاز داخلي في إيران دون انهيار كامل، ما قد يخلق حالة من عدم الاستقرار والقرارات غير الواضحة، ويستدعي تعزيز التنسيق الأمني وتوسيع قنوات الوساطة الإقليمية والدولية.
فيما يُعد السيناريو الرابع، وهو تفكك النظام، الأخطر على الإطلاق، إذ قد يحوّل إيران إلى ساحة فوضى مفتوحة، ويجعل من مضيق هرمز منطقة اضطراب دائم، ما يرفع من مستوى المخاطر أمام حركة الملاحة والطاقة، ويعقد حسابات الاستقرار في المنطقة بأكملها.