القاهرة ــ «القدس العربي»: «عناقيد النور» عنوان المعرض الذي أقامه الفنان المصري رضا خليل مؤخراً في غاليري (آرت كورنر) في القاهرة. يستمد خليل عنوان معرضه من أحد أعمال الكاتب خيري شلبي، الذي يهديه الفنان لوحات أو حكايات وشخوص المعرض. كذلك تتنوع العبارات، أو المقطوعات الأدبية النثرية لتتناول عدة مؤلفين أو فنانين، وصولاً إلى بعض الأيقونات الثورية كـ مثل جيفارا، على سبيل المثال، لنجد أكثر العبارات لجبران، ثم أخرى متفرقة لبيكاسو، مكسيم غوركي، والأدب المصري القديم. ومن هذه المقولات التي يستشهد بها الفنان أو يستند إليها، وتصبح محوراً للوحاته يمكن اكتشاف أسلوب عوالمها، من الوقائعي إلى التعبيري، وصولاً إلى حالة التجاوز التي تمتلك منطقها الخاص.
كعادة الفنان تمثل الحارة المصرية وشوارع مصر الإسلامية منبعاً للعديد من لوحاته، سواء من خلال الشخصيات أو الأماكن، من دون الاكتفاء بالنقل الحَرفي، بل تجاوزه وفق وجهة النظر الفنية والجمالية، كلقطات للبيوت والمنازل القديمة والجامع الأثري ومأذنته الشهيرة، هذه المآذن التي تتصدر اللوحة وتنتهي بها على مستوى العمق كخط مستقيم يحكم اللوحة ويسيطر على إيقاعها. وفي لوحة أخرى تمثل حالة المشقة والمواصلة، رغم كل شيء، من خلال مشهد معهود ــ ربما للذاكرة الآن ـ فالحمار يقود عربة كارو ـ من دون صاحب له ـ هو فقط الذي يتولى الأمر، ويبدو الطريق صاعداً مما يزيد من صعوبة الرحلة، إضافة إلى العَجَلة المائلة، التي تزيد الأمر تعقيداً، خاصة مع ما تحمله العربة (قلل فخارية) من الممكن فقدها تماماً عند أي خطأ. فالرحلة الخطرة يمكن تأويلها لعدة حالات أخرى، من دون الاكتفاء الحَرفي للوحة.

ثم لوحة تمثل المقهى الشعبي، أو بمعنى أدق (القهوجي) في جلبابه وعمامته، الذي تتقدمه صينية القهوة وهو يخطو نحو الزبون، ثم لوحة في العمق مُعلقة فوق الجدار لتجسيد حالة إدمان القهوة في المكان، وهي لقطة خيالية انتشرت على صفحات فيسبوك مؤخراً لكل من عادل إمام وعايدة عبد العزيز من فيلم (النمر والأنثى)، حيث لا يستطيع البطل الحياة، من دون فنجان القهوة هذا.
مجموعة من الغربان تتحلق حول حصان هزيل، رجل يرتدي قناعاً وقبعة ساحر، أمامه طاولة وورقات دومينو حمراء وخلفه خريطة العالم، سلة مهملات مُعلقة في عمود إنارة داخلها رجل مبتسم في سخرية، و(حنظلة) ناجي العلي مرسوم على جدار إحدى البنايات، وامرأة عارية يرفع غطاء صدفتها طائر ضخم.. هذه التفاصيل لا تجتمع إلا وفق منطق يتجاوز الوقائع والعوالم إلى أخرى ربما تبدو غير منطقية ولكنها أكثر صدقاً من مظاهر وعلاقات تم التواطؤ على اختلاق قواعدها. هذا العالم المتوتر والمضطرب الذي نعيشه، والذي بدوره يريد تفاصيل وعلاقات أخرى تعبّر عنه، هو ما يمكن أن يكونه من خلال تفاصيل اللوحات سالفة الذكر. فلا تستغرق اللوحة في سريالية مُلغزة، ولكنها تفاصيل عادية في ذاتها، إلا أن الغرابة تبدو في اجتماع هذه التفاصيل في لوحة واحدة، ومن هذه الغرابة يمكن اكتشاف المزيد من التأويلات، كل حسب ما يستشعره المُتلقي. الأمر نفسه الذي يستقيم تماماً عندما يجلس أحد أصحاب الطرق أو حارسي مقامات أولياء الله فوق بساط يبتعد عن الأرض قليلاً، ويكاد يطير به إلى السماء.

ومن منطلق أولياء الله يمزج رضا خليل بين (أخناتون) وصورته التاريخية في الوعي المصري ـ الشعبي أكثر منه وعياً تاريخياً ـ ووجوده الآن وهو يرتدي الزي الأخضر الذي يميّز بعض فرق الصوفية المصرية، إلا أن هذا الملك ـ بالمصادفة ـ يتحول ليصبح في لوحة أخرى أحد مرتادي ومدمني الأفراح الشعبية، يُمسك بهاتفه المحمول ويحاول التقاط صوره له مع راقصتين شعبيتين.. فمن المعابد إلى الأضرحة، وصولاً للحواري هكذا أصبح الحال!
هكذا يفكر الفنان في العالم من حوله، ويحاول تجسيد رؤيته عبر لوحات متباينة، وإن بدت من بعيد، ولكنها تجتمع وفق حالة من المفارقة والسخرية، وقدر كبير من التأسي، وربما يصبح الأمل فقط في ذاكرة انتقادية في الأساس.

