معرض «إرث جماعة بغداد» نموذجا


حتى لو كان المعرض الفني شخصيا فلا بد أن يكون هناك منسق له. لا معرض من غير منسق. تلك بدعة غزت حياتنا التشكيلية بحيث صار المنسق يقوم بكل الأدوار، فهو المنظم والمشرف والناقد والمنظر، وهو أخيرا المفوه الذي يتحدث نيابة عن الفنان. وإذا كان الغرب هو مصدر تلك البدعة فإن ما يجري في العالم العربي لا يمت بصلة إلى الاختراع الغربي. المنسق الفني هناك ليس بديلا عن الناقد. إنه يقوم بوظيفة مختلفة تماما، فهو أشبه بمدير أعمال. نجح عدد من الفنانين العرب في تكريس وجودهم في الغرب، من خلال اللجوء إلى خدمات المنسقين الذين قاموا بتقديمهم إلى القاعات والمتاحف وإلحاقهم بالبينالات والمعارض الدورية، مقابل مبالغ مجزية. مهمة ليست يسيرة كما يظنها البعض. على سبيل المثال ما كان في إمكان فنانين من مختلف أنحاء العالم أن يشقوا طريقهم إلى متحف الفن الحديث في نيويورك (موما) لولا الخدمات التي قدمها المنسقون الذين هم محل ثقة ذلك المتحف، الذي يمكن أن يفتح أمام الفنان أبواب الصالات والمتاحف الفنية العالمية.
وظيفة المنسق ليست وصفة جاهزة غير أنها تكون ملتبسة بعض الأحيان. صحيح أن المنسق يقدم مشورته على مستوى ما هو مقبول في السوق الفنية، غير أنه لا يهب الفنان خيالا. المنسق شخص يتمتع بقدرة على إدارة علاقاته العامة التي تمتد من مديري القاعات والمتاحف وصولا إلى المقتنين مرورا بالصحافيين ونقاد الفن. كل هذا يهبه العناصر التي تؤهله لكي يكون نافعا في خدماته. أما المنسق بصيغته العربية فإنه شخص لا يقوم بتلك الخدمات، بل ليس لديه ما يؤهله لكي يؤدي ذلك الدور الذي يحتاج إلى قدرة فائقة على التأثير في اتجاهين، باعتباره وسيطا موثوقا به بين الفنان والعالم الخارجي. وبهذا المعنى فإن المنسق ليس هو من يقيم المعرض فحسب، بل هو أيضا مَن يضمن للفنان الاستمرارية والبقاء لا من خلال الترويج لأعماله من أجل الاقتناء فقط، بل أيضا من أجل توسيع الطرق أمامه للذهاب إلى أماكن، كان من الصعب عليه ارتيادها منفردا. قد لا يكون المنسق الفني مؤثرا مثلما هو الناقد، ولكن عمله قد يؤدي إلى الانتشار الذي يحلم به أي فنان.

المنسقون يفكرون في أرباحهم

يخترع منسقو المعارض العالمية أحيانا أسبابا واهية لإقامة معارض تحتاج إليها المتاحف، من أجل الحصول على الأموال، ذلك لا يحدث إلا من خلال إغراء الزوار بعلاقات تبدو كما لو أنها اكتشفت للتو. من ذلك ما قام به متحف أوغست رودان في باريس حين أقام قبل سنوات معرضا استعاديا للعلاقة بين بيكاسو ورودان، ومن ذلك أيضا سلسلة المعارض التي أقامها مركز باربيكان للفنون في لندن عن علاقة فنانات معاصرات بفن النحات السويسري ابرتو جياكومتي. تلك معارض تقوم على مقاربات ملفقة غير أنها جلبت الكثير من الأموال. ذلك ما يعني أن المنسقين نجحوا في مهمتهم. لكن الأضرار كانت كبيرة.
المشكلة تكمن في تغييب النقد الفني لحساب الظاهرة الإعلامية المدعومة بالأرباح المالية، التي حققتها المؤسسات. من الطبيعي ن يُهزم النقد أمام المال ولكن إلى حين. ذلك ما لم تعد تفكر فيه تظاهرات العرض الفني في العالم العربي. فالمنسق الفني الذي ينتهي دوره عند إقامة المعرض الفني بعد اختيار محتوياته صار بمثابة عراب للثقافة الفنية بأكملها، ماضيها وحاضرها ومستقبلها. وهو ما يعني أن هناك مَن يهب لذلك المنسق حق الوصاية على التاريخ. وهي وصاية لن تستقر إلا من خلال استدراج التاريخ الفني إلى مواقع هي ليست جزءا منه. ذلك ما حدث بالضبط في معرض «إرث جماعة بغداد» الذي يُقام في جامعة نيويورك/ أبو ظبي لمنسقته ندى شبوط. سعت المنسقة في ذلك المعرض إلى إقامة حوار ما بين واقع الفن التشكيلي العراقي اليوم، والجماعة الفنية التي أسسها جواد سليم في بداية خمسينيات القرن العشرين في بغداد. ولكن حقيقة مسعى المنسقة تكمن في أنها لم تتوقف عند ذلك الهدف. لقد سعت إلى إنتاج معان تتعارض مع الحكاية الموثقة لتدس في التاريخ أسماء لفنانين لا علاقة لهم بالظاهرة، التي باتت جزءا من الماضي. هل يحق للمنسق القيام بذلك؟ ذلك سؤال جوهري يلقي ظلالا كئيبة على تلك الوظيفة الحساسة التي ينبغي أن تتميز بقدر عال من الشفافية بما يضمن مصداقيتها.

فوضى غموض الأهداف

قبل أعوام زرت معرضا أقيم في متحف الفن الحديث في استوكهولم، كان موضوعه العلاقة بين ثلاثة رسامين ينتمون إلى عصور وأساليب فنية مختلفة هم البريطاني وليام تيرنر (1775 ـ 1851) والفرنسي كلود مونيه (1840 ــ 1926) والأمريكي سي تومبلي (1928 ــ 2011). خرجت من ذلك المعرض بقراءة جديدة لتاريخ الفن مزودة بتلك الكشوفات الفذة، التي تقدم بها منسقو المعرض. فإذا ما كان مونيه قد التقي تيرنر وهو في آواخر حياته فإن سي تومبلي ولد بعد وفاة مونيه بسنتين. ذلك لم يمنع المنسقين من اكتشاف مواقع الصلة بين الرسامين الثلاثة.
لا سبيل للمقارنة بين ذلك المعرض والمعرض العراقي، على الرغم من أنهما يستمدان إلهامهما من التاريخ الفني. في المعرض الأوروبي بُعث التاريخ من جديد من خلال قراءة ثاقبة وعميقة، أما في المعرض العراقي فقد امتطت المنسقة التاريخ كما لو أنه حصان منهك، لتصل به إلى مناطق لا تمت إليه بصلة. بغض النظر عن نوايا المنسقة التي قد تكون حسنة، فإن المعرض يلقي بمشاهده في هاوية من الفوضى التي تجعله غير قادر على الفهم. ما الغرض من ذلك المعرض؟ أين هو إرث جماعة بغداد الآن؟ هل الرسامون المشاركون هم ورثة حقيقيون حقا؟ ما هي ملامح الاتصال بذلك الإرث؟ لا يجيب المعرض بهيئته الحالية على أي سؤال بقدر ما يضيف سؤالا يتعلق بالأهداف الخفية التي أقيم من أجلها. وما دامت هناك أهداف خفية فإن شخصا مثلي أمضى أكثر من أربعين سنة في الكتابة عن الفن لا بد أن يأسره الغموض ليمضي إلى تفكيكه.

الماضي باعتباره واجهة

نسفت منسقة المعرض حقيقة أن جماعة بغداد للفن الحديث، كانت قد تحولت إلى ظاهرة تاريخية منذ ستينيات القرن الماضي أي قبل أكثر من ستين سنة. لذلك فلو أنها حاولت البحث عن أثر تلك الجماعة في أعمال الفنانين الذين ظهروا في الستين سنة الماضية وأخطأت لكان خطؤها مقبولا، ولكنها لم تفعل ذلك. ما فعلته أنها استعارت أعمالا لمؤسس الجماعة جواد سليم من متحف الفن العربي في الدوحة، لتكون واجهة لمعرضها الذي ضم أعمالا لرسامين انتقتهم لأسباب لم تفصح عنها، وكأنها تقول «هؤلاء وحدهم يمثلون روح الحداثة الفنية في العراق، وهم الورثة الحقيقيون لجواد وجماعته»، تلك خطيئة لا يمكن قبولها أو السكوت عنها. ذلك لأنها لا تخون التاريخ فحسب، بل لأنها أيضا تؤسس لطريقة يغلب عليها الغموض المشوش في النظر في الحاضر الفني. لست هنا معنيا بإحصاء الثغرات، أو تتبع عواقبها بقدر عنايتي بما يمكن أن تجره تلك التصرفات من نتائج خطيرة على مستقبل الفن الحديث في العراق، الذي يستند وفق تلك النظرة غير المنصفة إلى ماض، اختلطت الأوراق فيه.
لا أبالغ إذا ما قلت إنني فوجئت بالدور السلبي الذي لعبته السيدة شبوط وقد تبنت طريقة مغلوطة في قراءة التاريخ، حين ألحقت الماضي بالحاضر، من خلال استعماله واجهة لتمرير أجندة يُراد من خلالها تثبيت أسماء في التاريخ الفني، وحذف أسماء أخرى، بعضها يعود إلى فنانين كان لهم دورهم في تكريس مفهوم الحداثة الفنية.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *