دائمًا وأبدًا كان للعلم والتقدُّم العلمي مكانة خاصَّة يلفُّها الإجلال والتقدير؛ فالعالم بأسره يعتبرالعلماء والعلوم السَّاحر الصَّادق صاحب الإنجازات التي لا يمكن أن يقهرها إنس أو جان؛ لأن العلوم ما هي إلَّا تراكمات من المعرفة ثابتة الأساس والبنيان. ولهذا السبب، فإن جميع الفلاسفة كانوا يشجِّعون على التقدُّم في العلوم، ويمهِّدون الطريق لخلق عقليَّات علمية فذَّة تقدِّم علومًا تنفع البشرية وتعمل على تطويرها. ولا استغراب في ذلك، فدرجة الدكتوراة اسمها الكَّامل هو «دكتوراه في الفلسفة»؛ فالعلماء قديمًا كانوا متعددي المواهب والخبرات، وإن اختاروا مجالًا للتخصص فيه.
فعلى سبيل المثال، الأديب والفيلسوف الفرنسي «فولتير» Voltaire (1694 – 1778)، كان أديبًا وكذلك عالم في البيولوجيا والفيزياء وله مؤلَّفات ذات قيمة في تلك المجالات، بالإضافة إلى كونه فيلسوفًا وناشطًا اجتماعيًا. وكذلك هو الحال بالنسبة للعلماء الفلاسفة العرب من أمثال “ابن سينا” (980-1037)، و”ابن رشد” (1126-1198)، و”الخوارزمي” (781-847)، و”عمر الخيَّام” (1048-1131)، الذين كانوا حجَّة في العلوم، وكانت العلوم والإنجازات العلمية التي اكتشفوها وطوَّروها هي الأساس الحقيقي الذي بنيت عليه الحضارة الغربية، ويدين لهم الغرب بالفضل حتى الآن، وإن اشتهر كلّ منهم بتخصص، لم يكن إلَّا فرعًا من معارفهم.
ومن الفلاسفة الذين مهَّدوا للثورة الصناعية الأولى بأفكار تشجِّع على العلوم والاكتشافات – الفيلسوف الإنجليزي «فرانسيس بيكون» Francis Beacon (1561-1626)، الذي كان من أشّد المناصرين للمناهج العلمية التجريبية في وقت كان للسحرة ورجال الدِّين سطوة كبرى على عقول الشعوب الغربية. وكي يفتح للعَّامة أبوابًا للفهم والخروج من ظلمة الجهل، كان يؤكِّد أن الملاحظة والتجريب والاستدلال الاستقرائي لفهم الطبيعة هم الأساس للتقدُّم والتطوُّر. وكان يؤمن دومًا بأن المعرفة أداة للقوة والمنفعة، ولهذا اشتهر بقوله: «المعرفة في حد ذاتها قوة». ولا يزال العالم يردد مقولته الشهيرة «الدهشة هي بذرة المعرفة».
وبالنسبة له، الإنسان هو القادر على تفسير الطبيعة بوصفه المستفيد منها والشخص الذي يتعامل معها تعاملًا مباشرًا من زوايا متعددة. لكنه بالرغم من ذلك محدود في فعله وفهمه عندما يرتضي بمكانته كمجرَّد ملاحظ لنظام الطبيعة؛ لأن فهمه و قدرته لن يمتدان إلى أبعد من ذلك. والسبيل للخروج من ذلك المأزق هو الملاحظة والتجربة لجمع المعلومات، والاستقراء والاستنتاج لتطويرها، وعدم الاستكفاء بذلك؛ لأنها أدوات فكرية جيدة فحسب. ومن ثمَّ، يجب استغلال هذه الأدوات في تطوير العلوم والابتكارات استنادًا على التجربة والاستنتاج. أي أنه يشجِّع على الخروج من منطقة الرَّاحة إلى طور الفهم العميق من أجل الوصول إلى قفزات متراكمة في العلوم والابتكارات. ومن أشهر أقواله في ذلك: «ليتخذ كل دارس للطبيعة هذه القاعدة: أن كل ما يسترعي انتباه العقل ويثير رضاه الشديد، ينبغي التشكيك فيه». والتشكيك هنا يقصد به الخروج من منطقة الفهم المعرفي السطحي للظواهر ومحاولة الوصول إلى مسببات حدوث الظواهر.
ولقد سار العلماء منذ بداية عصر النهضة وصولًا إلى يومنا هذا على هذا النهج، ووصل بهم الحال إلى محاولة فهم وتحليل أبسط الظواهر الطبيعية؛ لكونها الأساس لحدوث ظواهر أخرى أشد تعقيدًا. ولقد دفعهم هذا الاتِّجاه إلى محاولة تفسير الجسم البشري بوصفه كيانًا شديد التعقيد. وكلّ قفزة علمية كانت تقودهم لاستحداث المزيد من الابتكارات التي لن تساعدهم فقط في فهم الكيان البشري، بل أيضًا محاكاته ومحاولة السيطرة عليه.
والغريب أن الخيال كان البوَّابة لحدوث المستحيل والتي انبلجت من خلالها أكثر التجارب والاختراعات العلمية ذكاءًا ودهاءًا، وكأنما الدهشة التي كان يؤكد عليها الفيلسوف «فرانسيس بيكون» هي الأساس. وعلى سبيل المثال، لقد استطاع الروائي والشَّاعر الفرنسي الذي تخصص في الخيال العلمي «جول فيرن» Jule Verne (1828-1905) أن يستشرف اختراعات المستقبل في رواياته، التي لم تكن تعطه المكانة التي يستحقَّها آنذاك، بل واعتبره الكثيرون مخرِّفًا، بالرغم من أنه كان يدأب أن تكون جميع أعماله مصبوغة بصبغة علمية خالصة، وكان يدمج الحسابات الفيزيائية والهندسية، بل ويصرّ عليها في كل عمل من أعماله، وكأنه كان يجري بنفسه جميع تلك التجارب والاختراعات. وبالنظر إلى ما كتبه في إحدى الروايات، لاحظ العلماء والمختصين أنه استطاع أن يحسب العديد من المسافات الفلكية بدقة متناهية تقارب ما توصَّل له العلم الحديث بعد أكثر من مائة عام.
والجنون الذي وُصف به «جول فيرن» سالفًا، لا يضاهي أبدًا الجنون الذي أصاب العلماء عندما أرادوا التحكُّم في مصير الكيان البشري بأكمله. ويعد الذكاء الاصطناعي الذي أصبح ثورة علمية هزَّت العالم بأسره منذ أقلّ من خمس سنوات، لا يضاهي أبدًا ما تخفيه المعامل التي لا تفصح أبدًا عمَّا في جعبتها إلَّا بعد ما يزيد على قرن من الزمان. وأكبر دليل على ذلك هو أنَّ العالم كان يتحدَّث عن اختراع الروبوت، أو كما كان يُطلق عليه الإنسان الآلي منذ حقبة الستينيات، بل وتم اكتشاف أن ألمانيا النَّازية قد قامت باختراعه بالفعل آنذاك. أضف إلى هذا، قد ينمو إلى علم البعض من خلال تسريبات مجهولة المصدر وجود بعض الاختراعات، ولكن سرعان ما يطويها النسيان، وكأن الأمر لم يكن.
وفي سبعينيات القرن الماضي، كان مشروع «إم كيه أولترا» MK Ultra المخابراتي الذي تم إماطة اللثام عنه بمثابة صدمة للبشرية من هول ما تم الكشف عنه من اختراعات. فشريحة الدماغ الرقمية كانت بالفعل في حيِّز التجريب، وغيرها من المشروعات التي يعدّ الحديث عنها حاليًا ثورة علمية إذا تم تنفيذها. وأحد تلك المشروعات هو «السايبورج» أو الإنسان النصف آلي، وهو بالفعل في طور التجريب، ولكن ليس بالشكل الذي يتم وصفه في روايات وأفلام الخيال العلمي.
ولكي تعي البشرية هول ما تمرّ به من مستحدثات واختراعات متسارعة، يجب التوقُّف قليلًا ومحاولة تذكُّر ما كان يحدث بالعالم قبل اختراع الانترنت، وكيف كانت الحياة من قبله، بالرغم من أنه لم يمض زمنًا طويلًا. وقياسًا على ذلك، يجب أن نعي أن الصين منذ أيَّام قليلة فجَّرت في العالم مفاجأة مذهلة، حيث أنها أعلنت أنها استطاعت أن تتحكَّم في نحلة بعد أن استطاع العلماء تطوير جهاز وزنه تقريبًا أربع وسبعين ميللي غرام، وهذا الجهاز بوزن تقريبًا ذرة ملح، وهذا بالإضافة إلى زرع أجهزة استشعار غاية في الدِّقة في جسد النحلة نفسها. وحين تم إعلان التجربة قيل أن الغرض منها هو مراقبة الأماكن التي يصعب على البشر الوصول إليها، سواء أكانت أماكن بعيدة أو مجهولة أو حتى خطرة، وهذا من أجل الوصول لها من خلال أسراب نحل موجهَّة، مما يمكِّن العلماء من إجراء المزيد من التجارب، ولو كانت حتى بواسطة النحل. والأكثر من هذا، أنه تم الإعلان أن العلماء يخططون لزرع ميكروفونات وكاميرات داخل أجساد النحل.
المذهل أن أوراق مشروع «إم كيه أولترا» كانت تحتوي على تجارب على الكلاب للتحكُّم في عقولها، وبالفعل ظهرت شريحة الدماغ، والتي تجد مناصرين لها حاليًا وقريبًا لسوف تصبح صيحة التجميل الجديدة. ولهذا، ما يحدث بالنحل دون أدنى شك لسوف يكون المصير الذي لسوف تواجهه البشرية في المستقبل القريب؛ ذلك لأنه لطالما تم كشف النقاب عن تجربة يكون ذلك بمثابة جرس تنبيه أن التنفيذ الموسَّع قادم لا محالة.
المستقبل ينبئ بالكثير، وإذا أردت معرفة ما سوف يحلّ بالبشرية إقرأ روايات الخيال العلمي. مستقبل الإنسان غير معلوم حاليًا، لكن المعلوم منه فقط هو أن البشرية لسوف يعاد هندستها ومحو أي أسرار لأي فرد كان؛ وهذا لأن كل شيء سيكون مكشوفا لدى القلَّة القليلة التي تتحكَّم في مصير البشر مستقبلًا.