مزاجُ الخيال في «خيال الما» للمغربي أحمد لمسيح


يشكل الزجال المغربي أحمد المسيح في المشهد الشعري المغربي الراهن، حالة ثقافية خاصة، بالنظر إلى اللغة التي يكتب بها، وأفقا شعريا زجليا مغايرا ومختلفا تماما عما درجت عليه العادة الزجلية بمنطقها الشفاهي عند الكثير من الزجالين المغاربة، أفقا/ وعيا شعريا أسسه وآمن به منذ دواوينه الأولى التي استهلها بديوان «رياح التي ستأتي» (1976)، ثم ديوان «شكون اطرز لما « (1994) إلى آخر ديوان له بعنوان « بين وبين» (2020)، علما أنه أنتج أكثر من عشرين ديوانا في شعر الزجل وحده.
لقد راهن هذا الشاعر منذ البداية، حيث كان الزجل المغربي يعيش في ظل مناخ تقليداني بكل المقاييس، تسيطر فيه شعرية الملحون بشكل واضح على معظم النتاج الشعري الزجلي، على قلته، إذ إن القصيدة الزجلية وقتها لم يكن معترف بها داخل مملكة الشعر، قلت راهن هذا الشاعر على الحداثة بوصفها شرطا أساسيا من اشتراطات الاختلاف والمغايرة والتطوير، وإثبات الذات ككينونة شعرية أصيلة بالمعنى الهيدغيري للعبارة. لهذا وذاك أعتبره، كما يعتبره الكثير من الشعراء والنقاد، الأب الروحي للزجل المغربي الحديث، وأصل ما يحدث الآن من هزات أمبريقية في طوبوغرافية الكتابة الزجلية حتى لا أقول القصيدة الزجلية. لأن ما يكتبه وبعض الزجالين، وهم قلة، يتجاوز مفهوم القصيدة بكثير.
إن المتأمل لتجربة أحمد لمسيح الزجلية/الشعرية، سيلفيها تجربة تؤسس للحظة شعرية حديثة عبر تشخيص أزمة الذات المتشققة في علاقتها بالكينونة الأصيلة، أي بوصفها مسؤولية وقلقا وسؤالا مستمرا، تجربة تُطوّح بالنص المكتوب نحو فضاء «ميتا شفاهي» قائم على الإيحاء والصمت والنفس الكوني؛ متجاوزا بذلك الذات الفردية إلى إنشاد العالم.
وقد وقع اختياري على ديوان «خيال الما» في هذه المساحة النقدية، لسبب بسيط يتمثل في نظري المتواضع، في كون أن هذا العمل يشكل واسطة العقد/ المنجز الشعري لهذا الشاعر الأبنوسي. فالديوان نشر في شهر أبريل/نيسان سنة 2005 نداكوم – الرباط. أي أنه يقع وسط هذا المنجز من حيث الترتيب الزمني. كما وجبت الإشارة إلى أنني سأتبنى مقاربة تنطلق من التصور الباشلاري للخيال، إذ يعتبره ملكة للخلق والابتكار وتغيير الصور، أقصد تغيير صور العالم من الكائن إلى الممكن، من خلال إعادة ترتيب الأشياء، وتسميتها من جديد وفق علاقات وتراكيب جديدة تظل نسبية إلى حين، ما دام الخيال الذي يصنعها هو من مزاج الماء كما يظهر في العتبة الرئيسية للعمل (العنوان).
فما هي دلالات الماء في هذا النسيج الشعري؟ ما علاقة الخيال بالماء كذاكرة تظهر وتختفي داخل مصفاة ذات شاعرة قلقة ومتشظية جدا؟ وما هي أهم أسئلة هذا القلق الشعري فنيا؟
يشكل ديوان «خيال الما» للشاعر والزجال المغربي أحمد لمسيح، حالة شعرية خاصة داخل مسار الزجل المغربي الحديث، ليس فقط بسبب لغته الدارجة المشحونة بالصور والانزياحات، بل أيضا لما يفتحه من أفق تأويلي وفلسفي يجعل القصيدة فضاء للتأمل الوجودي والصوفي. فمنذ العنوان، يضعنا الشاعر أمام عنصر «الماء» بوصفه مركزا رمزيا تتحرك داخله الذات واللغة والعالم.. فـ«خيال الما» ليس صورة ثابتة، بل انعكاس هشّ ومراوغ، يشفّ عن المعنى بقدر ما يحجبه، ولذلك يبدو الديوان كله محاولة للقبض على ما يتفلّت باستمرار.
لقد اعتبر غاستون باشلار في كتابه «الماء والأحلام» أن الماء عنصر كوسمولوجي أصيل، يحمل ذاكرة الوجود الإنساني وأحلامه العميقة، لأنه مادة للتأمل والانصهار والتحول. إن «في الخيال المادي للماء ألفة شديدة الاختلاف عن تلك التي توحي بها أعماق النار» (الماء والأحلام- ترجمة نجيب إبراهيم). وهذا التصور الباشلاري يحضر بقوة داخل عالم أحمد لمسيح، حيث يتحول الماء إلى مرآة للذات وإلى كائن حيّ يختزن القلق والرغبة والانكسار. يقول الشاعر:
«خانو الما ف المراية»
وهي عبارة قصيرة لكنها كثيفة الدلالة، لأن خيانة الماء في المرآة تعني خيانة الصورة لصفائها، وخيانة العالم لانسجامه الأول. فالمرآة هنا لا تعكس الحقيقة، بل تشوّهها، تماما كما تتشظى الذات داخل واقع مضطرب. كما يستثمر الشاعر الماء بوصفه فضاء للتيه والكشف في الآن نفسه، إذ يقول في نص «خيال الما:
قلت لها أنا صدرك لما تضيقي
الكون، لما يمنعوك من الخروج،
نلوَّن السْما قبل ما تفِيقي
نمْشَط سْوالف الموج،
بالشُّوف نخيّط حريقي
كلامك لسْحابتي دْروج
إن الموج في هذا المقطع، ليس مجرد صورة طبيعية، بل امتداد للذات الحالمة، لذلك يغدو الفعل الشعري نفسه محاولة لـ«تمشيط» الفوضى الداخلية للعالم وترتيبها من جديد. وهذا ما يجعل الجملة الشعرية عند أحمد لمسيح قريبة جدا مما يسميه بول ريكور بـ«الاستعارة الحية»، أي الصورة التي لا تزيّن اللغة فقط، بل تعيد تشكيل رؤيتنا للوجود انطلاقا من فائض المعنى الذي تخلقه.
كما يحضر البعد الصوفي بشكل واضح داخل الديوان، خصوصا عبر خطاب «الشيخ»، الذي يتكرر بوصفه رمزا للمعرفة الباطنية والهداية الروحية. يقول الشاعر:
يا شيخي دفّيتيني بالصمت
ورْعيْـتني بالسهوة
وادفنتيني ف الأمان،
وهانا ف قبري
مالي تالي ولا والي
غير انت ف كل لحْيان،
ما عند الميت ما يـقول قدام غسّالو
غير يخلّي العين الثالثة
تنوب على اللسان،
راني حَزْت ما كفاني من شهد الروح
حلّيت به مرارة هذا الزمان،
عسل به نداوي القلب المجروح
وشمعتو، بها، مْحيت ليل لَحْـزان
إن الذات هنا لا تطلب المعرفة العقلية، بل تطلب «الدفء الروحي»، لذلك يصبح الصمت أعمق من الكلام، وهو ما ينسجم مع التجربة الصوفية التي ترى أن الحقيقة الكبرى لا تُقال بل تُذاق. وأنه كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة على حد تعبير الصوفي محمد بن عبد الجبار النفري «المواقف والمخاطبات». فالمعرفة بالرؤيا، بالصمت، وبالدفء الروحي هي السبيل لاكتشاف سلسبيل الروح وصفاء الوجود. والمتأمل للغة بوصفها دالا رئيسيا في الديوان وفي معظم ما كتبه هذا الشاعر، سيجدها لغة مختلفة تماما عن وضعها وهي تؤدي وظيفتها التواصلية في اليومي المغربي ما دام وجودها يرتبط بالعامة، وأغلب الظن أنها غير صالحة للشعر. لقد ارتقت اللغة ها هنا من مستواها الأدنى إلى مستوى أعلى، مستقوية بالخيال الخلاق، لتتخذ طابعا رؤيويا يستحكم في تموجات هذه العوالم، بحيث تتحول الكلمات إلى كائنات حيّة تعاني وتتألم كما الإنسان. يقول الشاعر:
الشوفة عكْلتْـني
وخبْلت كلامي،
الورقة كفن
والقلم حامي
إنها صورة تجعل الكتابة نفسها فعل احتضار، وكأن الكلمات تولد من الألم. والألم هنا ليس سوى ألم الانفصال عن أصل مزيف يتسيّد الواقع على جميع المستويات. كما يقول أيضا: حار الحرف فين يحط
ما لقى غير بلاصتو
ويلا ما رضى وسْخط
يركل جارو ويكْعَـط
الحرف سوَّل خوه
شكون لاقانا؟
جاوب: اللي قرا الهم
قبل ما لقانا
هنا تتحول الحروف إلى ذوات قلقة تبحث عمّن يفهم وجعها، وكأن الشاعر يربط بين فعل الكتابة وفعل المعاناة. وهذا ما يجعل تجربة أحمد لمسيح قريبة من التصور الحديث للشعر باعتباره كشفا للجرح الوجودي، لا مجرد زخرفة لغوية.
والأكيد أنه بمكنة القارئ أن يلاحظ بسرعة، أن صور « الريح، والعجاج، والظل، والضباب» تتكرر بشكل لافت على امتداد صفحات هذا الديوان، بما يعكس حالة التشظي والتيه التي تعيشها الذات الشاعرة. ولن أجد خيرا من هذا المقطع الشعري الذي يعكس بجلاء حالة الاغتراب هذه التي يعيشها الشاعر. يقول:
يا شيخي يا مول الثوب النوراني
مْسح عرقي
نقّي دواخلي،
اعصرني، را الزمان زامت
طويري نوى يهجر
والطير ما يدّي عشّو معاه
قدّامي: خيالي شامت،
بين كلام الريح وظلّو
وبين بحور الظل وبرق الشوف هامت
تفرقو لبيادق
ونا بلا يدين
ما جا من الواد جواب
والدنيا ورقة قدّام لقلام غامت،
ما تَّكتب حرف
ما تَّمحى حرف
والدواية مسدودة-  ما دخلها قلم، ما نامت.
فالذات هنا معلقة بين عناصر متحركة ومراوغة، لا تستقر على يقين وكأن الريح تحتها، على حد قول المتنبي. ولذلك يبدو العالم في القصيدة فضاء هشّا، يتحرك بين الحلم والانهيار، بين الخيال والماء. وهذا ما يفسر كثافة صور الغرق والضياع والاختناق:
«يا شيخي شوف من حال الغارق»
إن الغرق هنا ليس ماديا، بل غرق روحي ووجودي، يعكس أزمة الإنسان المعاصر داخل عالم فقد انسجامه ومعناه.
ومن الجوانب اللافتة أيضا في هذا الديوان، حضور البعد الميتا شعري، حيث تتحول القصيدة إلى تأمل في الكتابة ذاتها. يقول:
راني مرهون في الورقة
والحروف حرّاسي
فالذات تصبح سجينة اللغة، لكنها في الوقت نفسه لا تملك خلاصا خارجها، ولذلك يبدو الشعر عند أحمد لمسيح قدرا وجوديا، لا مجرد اختيار جمالي.
والحق إن الشاعر أحمد لمسيح قد نجح بشكل لافت في تحويل الدارجة المغربية إلى لغة شعرية عالية الكثافة، تتجاوز وظيفتها التواصلية اليومية لتصبح لغة للرؤيا والرمز. فالكلمات الشعبية البسيطة تنفتح على أبعاد فلسفية وصوفية عميقة، مانحة الزجل المغربي إبدالات فنية جديدة وأفقا حداثيا جديدا. ولعل هذا ما يجعل تجربة أحمد لمسيح، في نظري، امتدادا (تواصلا وتفاصلا) لما كان يقع في بنية القصيدة العربية الحديثة من تشققات واختراقات وتحولات، حيث تتداخل اللغة بالحلم، والرمز بالفكر، واليومي بالميتافيزيقي.
وإذن، يمكن القول، إن «خيال الما» ليس مجرد ديوان زجلي، بل نص شعري مفتوح، بالمعنى الذي أعطاه أمبرتو إيكو لمفهوم العمل المفتوحl ouvre ouverte/، لأنه نص مرتهن بالتأويل والتأويل المضاعف.. نص يحتفي بالماء بوصفه أصلا كونيا للوجود، وبالعشق بوصفه تجربة كشف، وباللغة بوصفها محاولة مستمرة لترميم هشاشة الإنسان. لكل هذا وذاك أقول إن الشاعر الأبنوسي أحمد لمسيح، استطاع فعلا أن يجعل من الزجل المغربي فضاء للتفكير الشعري والفلسفي، وأن يرفع الدارجة المحلية إلى مستوى التعبير الجمالي العميق، حيث تصبح الكتابة مرآة لقلق الذات بأسئلتها الوجودية الكبرى، لينطبق عليه، بذلك وبجدارة واستحقاق، ما قاله الشاعر الألماني هلدرلن: «ما يدوم يؤسسه الشعراء».

شاعر وناقد من المغرب



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *