مخيم برج الشمالي في صور… الفلسطينيون صامدون هنا (فيديو)


برج الشمالي – «القدس العربي»: في قلب الجنوب اللبناني، حيث تتمازج رائحة البحر بعبق التاريخ، وتنتصب أشجار النخيل حارسةً لذاكرة لا تموت، تبرز مخيمات صور، «البص» و»الرشيدية» و»البرج الشمالي»، اليوم شواهد حية على فصل جديد من فصول الصمود.
في ظل التصعيد العسكري والعدوان المستمر، لم تعد هذه المخيمات مجرد جغرافيا قسرية للاجئين، بل تحولت إلى قلاع من الإرادة الصلبة التي ترفض الانكسار أمام آلة الموت، لتثبت أن «اللجوء» الذي أريد له أن يكون انكساراً، صار مع الزمن مدرسةً في الثبات وصناعة الكرامة.

هيبة التاريخ ورفض «الاقتلاع»

بينما تهتز الأرض تحت وطأة القصف، يصر أهالي مخيمات صور في جنوب لبنان على البقاء فوق تراب المخيم، رغم الإنذار الذي وجهه جيش الاحتلال الإسرائيلي قبل نحو أسبوعين إلى سكان مدينة صور والمخيمات والأحياء المحيطة بها وطالبهم فيه بالانتقال شمالًا.
وإصرار الفلسطينيين على البقاء في مخيمات صور، ليس نابعاً من غياب خيارات النزوح فحسب، بل هو قرار وجداني واعٍ برفض «النكبة المتكررة».
فبالنسبة إلى اللاجئ الفلسطيني، يعني النزوح اليوم اقتلاعاً ثانياً وثالثاً، وهو ما يرفضه الوجدان الجماعي الذي وعى دروس عام 1948. والبقاء في تلك البقعة الجغرافية الصلبة هو، بحد ذاته، فعل مقاومة يربك حسابات التهجير ويؤكد أن الجذور أقوى من عواصف الحرب.
يقول الأهالي عما يمنحهم هذه القوة هو «الذاكرة الحية».
وفي جولة داخل أزقة مخيم برج الشمالي، الذي يعدّ تحو 22 ألف نسمة، تسمع شهادات تختصر عقوداً من الصراع.
يقول الحاج أبو أدهم الصغير، أحد الوجوه الوطنية في المخيم، لـ»القدس العربي»: «نحن باقون هنا، والصمود بفضل الله وسواعد المقاتلين في جنوب لبنان. البقاء في المخيم ليس مجرد سكن، بل هو تأكيد على أننا في محطة العودة الأساسية إلى فلسطين. ما نقله لنا أجدادنا عن نكبة 48 صار جزءاً من دمنا، ومنه نستمد قوتنا».
وهذه الذاكرة ليست مجرد حنين، بل هي جغرافيا محفورة في الصدور. ويضيف إليه الحاج أبو وسيم جمعة، أحد كبار المخيم، مؤكداً تجذر الهوية: «هذا الانتماء زرعه الأجداد فينا. في المخيم، الهوية واضحة؛ هنا أهل شفاعمرو، وهناك أهل الكساير، ولوبية، والناعمة، وصفورية. الأسماء لم تُمحَ أبداً. قالوا لأجدادنا: اخرجوا أسبوعاً وتعودون، وها قد مضى 77 عاماً، والمخيم اليوم هو محطتنا للعودة إلى ديارنا، وليس للتهجير مرة ثانية».
ويضيف أبو وسيم لـ»القدس العربي» أن «الأجيال السابقة زرعت فيهم هذا الانتماء، ورسخته في الذاكرة والوجدان، حتى صار جزءاً أصيلاً من تكوينهم الوطني والإنساني. فهذه الهوية، بالنسبة إليه، ليست مجرد شعور عابر، بل امتداد حي لذاكرة جماعية متوارثة، حفظت الأرض والناس والحكاية».

صاحب الجغرافيا

ويرى أن قسوة الظروف وصعوبة الأوضاع، مهما اشتدت، لا يمكن أن تغير الحقيقة الأساسية، وهي أن «صاحب الأرض وصاحب الجغرافيا يبقى صاحبها مهما طال الزمن ومهما بلغت قوة العدو. ومن هذا اليقين يستمد الفلسطينيون قدرتهم على الثبات، لأن علاقتهم بأرضهم ليست علاقة ظرفية، بل علاقة تاريخ وحق وانتماء لا يزول».
وفي حديثه عن المخيم، يوضح الحاج أبو وسيم أن الهوية الفلسطينية ما زالت واضحة في تفاصيل الحياة اليومية، إذ تعرف العائلات بأسماء قراها وبلداتها الأصلية، «فيقال: هؤلاء أهل شفاعمرو، وهؤلاء أهل الكساير، وهؤلاء أهل لوبيا، وهؤلاء أهل الناعمة، وهؤلاء أهل الزوق، وهؤلاء أهل صفورية».
ويدل ذلك، في نظره، على أن المخيم حافظ على هذه الهوية، وصان الذاكرة من الضياع، رغم مرور العقود.
ويستعيد الحاج أبو وسيم ما قيل للفلسطينيين عند التهجير، حين طُلب منهم الخروج لأسبوع واحد فقط إلى حين «تحرير الأرض»، لكن الأسبوع امتد إلى سبعة وسبعين عاماً. ومن هنا يخلص إلى أن المخيم، بالنسبة إلى الفلسطينيين، لم يعد مجرد مكان لجوء مؤقت، بل صار محطة للعودة إلى أرض فلسطين، لا محطة لتهجير جديد أو اقتلاع جديد.

جيلٌ يرفض النسيان

ولا يقتصر هذا الصمود على الكبار الذين عاصروا البدايات، بل يمتد ليشمل جيل الشباب والأطفال الذين ولدوا في أزقة المخيم الضيقة.
هؤلاء الفتية الذين يحفظون تضاريس قراهم الأصلية في الجليل والمثلث كما يحفظون أسماء شوارع المخيم، يشكلون اليوم خط الدفاع المعنوي الأول. إنهم الجيل الذي أثبت أن الرهان على «نسيان الصغار» قد سقط تماماً؛ فهم اليوم يحملون الراية بوعي وطني أعمق، محوّلين الحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية إلى وقود للمطالبة بحق العودة المقدس، الذي لا يقبل القسمة أو التنازل.

صرخات استغاثة

ورغم هذا الصمود المعنوي، يصطدم الواقع الميداني بظروف معيشية بالغة القسوة. ففي مخيم «البرج الشمالي»، تطلق اللجان الشعبية نداءات استغاثة عاجلة إلى وكالة «الأونروا» والمنظمات الدولية.
فالمخيم يعاني من تدهور صحي وإنساني متسارع، مع شح في المواد الغذائية والطبية، وغياب «الأونروا»، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية قبل فوات الأوان.
وزاد من قتامة المشهد ارتقاء عدد من الشهداء من أبناء المخيمات، منهم الشاب ربيع حليحل، الذي استهدفه الاحتلال في «البرج الشمالي» وهو في طريقه إلى عمله، والشاب هادي عبدالرحمن، لترتفع حصيلة الشهداء الفلسطينيين في لبنان إلى 28 شهيداً منذ بدء العدوان الحالي، مما يؤكد أن المخيم في قلب المعركة وبنك الأهداف.

لتكافل الاجتماعي والمرأة

وسط هذا الضيق، يتجلى التكافل الاجتماعي كخبزٍ وملحٍ في زمن الحصار.
تُفتح البيوت للنازحين، ويُقسم الرغيف بين الجارين. وهنا تبرز المرأة الفلسطينية مدبّرةً لأزمة «البقاء»؛ فهي التي تحول القليل من الزيت والزعتر إلى مأدبة كرامة، وهي التي تزرع الطمأنينة في قلوب الأطفال رغم هدير الطائرات، وتربط جوع اليوم ببيارات الليمون في الجليل عبر حكاياتها التي لا تنتهي عن الأرض والشجر.
ولا تعيش مخيمات صور اليوم حالة «انتظار»، بل حالة «تحدٍّ» يومية ضد المحو الممنهج.
بُني المخيم يوماً من خيام وطين، لكن النكبات المتتالية صهرته ليصبح اليوم من صخر وعزة. إن ما يسطره أهالي تلك المخيمات هو رسالة مدوية إلى العالم أجمع: أن اللاجئ لم يعد ضحية سلبية تنتظر المعونة الدولية، بل هو إنسان يصنع، بقرار بقائه، ملامح فجر جديد، مؤكداً أن العودة ليست مجرد حلم في قصائد الشعراء، بل هي حتمية تاريخية وضرورة إنسانية تُصان اليوم بالدم والعرق والثبات الأسطوري.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *