« مجنون يوليه «… رواية عن الحياة الأخرى لمريض الشيزوفرينيا


التناول الروائي لمرضى الشيزوفرينيا، يحتاج لدراسة نفسية مُتعمقة عن أعراض المرض وأسبابه ونتائجه، وهناك حالات تم تناولها بالفعل في إطار من الدراسة والتدقيق، ولأن الدخول إلى هذه المنطقة الخاصة والمُثيرة يُعد من عناصر الجذب القوية فقد تعددت النماذج وظهرت كتابات جديدة وإبداعات أدبية مُختلفة لها رونقها ومذاقها الخاص.
«مجنون يوليه» رواية من هذا النوع للكاتب الصحافي يسري أبو القاسم، فعنوانها يوحي بإسقاط سياسي سلبي على ثورة يوليو/تموز والضُباط الأحرار، لكن المتن والتفاصيل لا علاقة لهما البتة بالسياسة ودهاليزها على حد قول صاحب الرؤية والرواية، وإنما تدور الأحداث بتكوينها المُركب شديد الخصوصية حول البطل المُصاب بازدواج في الشخصية، ويُعاني من اضطرابات نفسية تؤدي إلى إحساسه بوجود عوالم وشخصيات موازية يتصورها ويتعامل معها ويرتبط بها، وهو ما اصطُلح على تسميته بالتهيؤات التي قلبت حياته رأساً على عقب.
اختار الكاتب أن يكون بطله من الطبقة الأرستقراطية المُرفهة، ذلك أن التدليل الزائد عن الحد يخلق شخصية ضعيفة، تكون عُرضه للهزات النفسية، حيث لا مناعة حياتية ولا خبرات مُكتسبة من شأنها حماية ذلك الكيان الهش المُسمى بحازم، وهو الشاب المصاب، رغم مستواه الاجتماعي المُتميز وثقافته الرفيعة.
يدخل الكاتب عبر حكاية تراجيدية محبوكة إلى حياة البطل، فيعرض جزءاً من سيرته كمقدمه للإثارة والتشويق، حيث الأم التي ظلت طوال حياتها تُعاني من مرض موسمي يشبه الزهايمر أو الزوهان، ينتابها مع بداية شهر يوليو من كل عام، فتظل حبيسة الجدران الأربعة، لا تكلم أحد ولا أحداً يُكلمها، إلى أن تنقضي الأيام الصعبة من شهر يوليو فتعود بعدها إلى طبيعتها وسيرتها الأولى، إنسانة عادية وأما طيبة، ترعى ابنها حازم وتُشفق عليه من المجهول الذي ينتظره، إذ تعتقد أن المرض وراثي واحتمالات الإصابة به داخل محيط الأسرة آتيه لا محالة.
وحازم هو المُرشح للمرض بحكم التشابه الجيني بينه وبينها، وهنا يُشير الكاتب إلى الأزمة المُحكمة والمُعضلة الأساسية في حياة الأم والابن، وبالفعل تموت الأم ويرث حازم المرض بكل دقائقه وأعراضه الموسمية، فشهر يوليو يُمثل وبالاً عليه، لذا تظل عيناه طوال الشهر مُعلقة بنتيجة الحائط، يترقب بداية الشهر وانتصافه ونهايته، فانقضاءه وبداية شهر جديد تعني ميلادا جديدا له أيضاً. وعما يحدث خلال الشهر المشؤوم للبطل المسكين، يأخذ أبو القاسم في سرد الحكاية بخيالاتها، كأنها حقيقة واقعية لا ريب فيها، علماً بأن ما يتصوره البطل لا يعدو كونه أوهاما نسجها من خياله المريض، وبنى عليها النتائج والافتراضات، وعاش فيها أسوأ مراحل حياته، فلا مريم زوجته تخونه مع أعز أصدقائه ولا تتلصص عليه.
وربما كان زواجه منها وهماً هو الآخر، فمع نوبات الشك الحادة والتقوقع داخل الذات المُعتلة، لا توجد مُسلمات، ولا هناك يقين لأي شيء في حياة الشاب الثري الوسيم، بمن في ذلك مازن الصديق ومريم الزوجة، ومن يراه صديقاً خائناً وانتهازياً كسعفان المحامي المُرتزق، رث الثياب الذي يأكل على كل الموائد ويبيع أعز ما لديه بالفلوس، فهو عديم المبدأ والشرف، سيئ الخُلق لا يعرف دواه إلا سيده وولي نعمته حازم ابن الأكابر الذي ينهره ويسخر منه ويمقته.
لقد أوعز بقية الأبطال بشكل مُتعمد إلى الرجل بالمرض، فآمن وسلّم بأنه مريض، لكن إلى مدى تصل خطورة مرضه؟ هذا ما لم يعرفه سوى طبيبه الخاص، الذي يشككه في نفسه ويوهمه بأنه في يوم من الأيام ارتكب جريمة قتل، بل جريمتين وهو فاقد الوعي مُغيب.
إنها حكاية غريبة، فهو لم يقتل ولم يشعر يوماً بأنه غير طبيعي، لا بد أن للطبيب ولزوجته وصديقة الخائن والمحامي الانتهازي المُتحلل من كل قيمة مآرب أخرى، يسعون إليها بإيهامه بالجنون، وهم يعلمون تماماً أنه أعقل منهم جميعاً.
حتى حبيبته المزعومة التي سافرت بعد أن تخلى عنها، يراها ضرباً من خيال، أو لعلها الحقيقة الوحيدة في حياته، لكن كيف وهو لم يُقابلها ولم يرها؟
تلك هي تفاصيل الوساوس التي تدور برأس حازم بطل الرواية، التي جعل كاتبها يسري أبو القاسم شهر يوليو بداية للنكبة، في محاولة منه للإيعاز بأن يوليو دون شهور السنة هو الفأل السيئ، كأنه يُسقط بإرادته، أو بعقله الباطن رأيه السياسي على أحداث يوليو، التي وقعت في عام 1952، وقامت على أثرها الحركة المُباركة كما وصفها طه حسين، والتي سُرعان ما تحولت إلى ثورة مُعترف بها وبإنجازاتها، فرغم انقسام الشعب المصري إزاءها، فما زالت هي مركز التحول الاجتماعي والفكري والسياسي والثقافي منذ قيامها وحتى اللحظة.
لم يشأ الكاتب أن يُصرح بهذا التأويل، بل إنه يُنكر تماماً أي صلة بين مضمون الرواية، وثورة يوليو، ويُشدد دائماً على أن المرض الموسمي الشائع والمُرتبطة أعراضه بشهر يوليو هو ما حتم عليه اختيار العنوان، فالجنون الذي أصاب البطل جاء مُرتبطاً بهذا التوقيت، ومن ثم حبس نفسه داخل غرفته واحتجب عن الناس طوال محنته لحين انتهاء الفترة الصعبة من مرضه الذي يصل إلى ذروته في التوقيت نفسه من كل عام.
تنتهي أحداث الرواية مع نزع البطل لأوراق شهر يوليو من نتيجة الحائط كل يوم ورقة ورقة، في ترقب دقيق لسريان الوقت وثقله على مدى ثلاثين يوماً، هي زمن الرواية الغامضة المُثيرة، وعمر المرض المُخيف ولحظات الجزع والخوف.

كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *