متى تكتشف طهران أنها ترتكب خطأ استراتيجياً بإغلاقها مضيق هرمز؟


عندما أغلقت إيران مضيق هرمز في شباط 2026، اتخذت الخطوة التي خشيها العالم عقوداً. هذه خطوة نجحت على المدى القصير. توقف تدفق 20 مليون برميل من النفط يوميًا. اختفى خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال من السوق. وتوقف ثلث تجارة الأسمدة الدولية -اليوريا والأمونيا والكبريت- في الخليج. كما توقف ثلث إنتاج الهيليوم العالمي، الذي يُهدد إغلاقه صناعة الرقائق الإلكترونية وصناعة الذكاء الاصطناعي، في قطر. وتجاوزت أسعار النفط 115 دولارًا للبرميل. وصفت وكالة الطاقة الدولية ذلك بأنه “أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية”.

وانعكس النجاح الإيراني أيضًا على الصعيدين الدبلوماسي والعسكري. فقد فشلت الولايات المتحدة في محاولتها تشكيل تحالف لتحرير المضيق. في المحاولة الأولى، استهدفت إيران حلفاءها في أوروبا وحلف شمال الأطلسي، وفي المحاولة الثانية، استهدفت دولًا آسيوية رئيسية، هم الضحايا الرئيسيون للحصار. حتى إن دولًا مثل اليابان وكوريا الجنوبية وفرنسا، توجهت مباشرةً إلى طهران لضمان مرور السفن بأمان. هذه لحظة انتصار استراتيجي لا يُستهان بها.

لكن رغم النجاح الفوري، فإن التحرك الإيراني العنيف في مضيق هرمز أطلق سلسلة من العمليات التي ستُضعف قيمة النفوذ الذي تستخدمه طهران حاليًا، وقد تندم على ذلك.

مضيق هرمز ليس كمضيق ملقا في آسيا، أو قناة السويس، أو قناة بنما. في هذه الممرات الثلاثة، التي تُعدّ حيوية لنقل البضائع عالميًا، لا بد من المرور عبر مسار محدد – من ضفة إلى أخرى – لنقل البضائع؛ من آسيا إلى أوروبا، ومن المحيط الهادئ إلى المحيط الأطلسي، لا بديل عن هذه الممرات. أما مضيق هرمز فمختلف تمامًا؛ لا يتم عبور المضيق، بل يتم الدخول إليه لاستخراج شيء ما – نفط، غاز، منتجات بتروكيماوية – ثم يتم إخراجها. هذا الفرق جوهري، بل حاسم. فإذا أمكن الحصول على الموارد دون عبور المضيق، فسيفقد قيمته. بعبارة أخرى، يمكن بناء بديل اقتصادي وطاقي يجعله فائضا تمامًا عن الحاجة.

يُظهر التاريخ أن اللحظة التي يستغل فيها المحتكر احتكاره بعنف هي اللحظة التي يبدأ فيها بالزوال. في نيسان 2025، وبعد عقود من احتكار إنتاج المعادن النادرة، قررت الصين فرض قيود صارمة على الصادرات. والطائرات المقاتلة، والسيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، ومعالجات الذكاء الاصطناعي، وغيرها الكثير، وجميعها تعتمد على إمداد منتظم بهذا المورد الفريد، وأحيانًا تصل نسبة الاعتماد على الصين إلى 90 في المئة. استوعب العالم الرسالة، وتحرك. تم رفع سلسلة من اللوائح البيئية التي كانت تمنع معالجة المعادن النادرة، وأطلقت الولايات المتحدة -بالتعاون مع أستراليا واليابان والسعودية ودول أخرى- عملية تصنيع ربما تُقلل احتكار الصين الاستراتيجي في هذا المجال. ربما يشهد قطاع التعدين نموًا ملحوظًا خلال خمس سنوات، والإنتاج والتصنيع خلال عقد من الزمن.

ارتكبت إيران الخطأ نفسه تمامًا: إذ كشفت عن “رافعة هرمز”، التي تُعدّ أقل بكثير من معدل الاعتماد العالمي مقارنةً بـ”رافعة الصين” في مجال المعادن النادرة، ويمكن تفكيكها بسرعة وفعالية أكبر إذا ما أصرت دول العالم على صياغة بديل.

وقد بدأت بالفعل ثلاث عمليات ربما تُنهي “رافعة هرمز” تمامًا:

 أولاها السيطرة على نقص الغاز الطبيعي. قبل عقد من الزمن، كانت الولايات المتحدة دولة تعتمد على الطاقة، سواء في مجال الغاز الطبيعي أو النفط. أما اليوم، فهي أكبر منتج لهذين الموردين في العالم، ومعدل إنتاجهما وتصديرهما في ازدياد مستمر. بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، حلّ الغاز الأمريكي محل الغاز الروسي، مما زاد من اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة، ووفر مصدر دخل هائل للصناعة الأمريكية. من المتوقع أن تقوم الولايات المتحدة بشيء مماثل فيما يتعلق بالغاز القطري لعملائها الرئيسيين في شرق آسيا – كوريا واليابان وتايوان، إلخ. وقد أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية تاكايتشي بالفعل عن سلسلة من الإجراءات الحكومية لتقليل الاعتماد على الغاز من هرمز، بما في ذلك الاستثمار في تطوير الغاز في الولايات المتحدة.

العملية الثانية هي خط أنابيب نفط ضخم سينقل النفط إلى وجهات متعددة خارج الخليج. ففي غضون أيام من اندلاع الحرب، شغّلت السعودية خط أنابيبها الممتد من الشرق إلى الغرب، ناقلاً نحو سبعة ملايين برميل يومياً. كما يضخ خط أنابيب إماراتي نحو مليوني برميل يومياً عبر ميناء الفجيرة خارج مضيق هرمز. ويغطي هذان الخطان معاً نحو 50 في المئة من طاقة نقل النفط عبر مضيق هرمز. إضافةً إلى ذلك، بدأت تظهر الآن سلسلة من المشاريع التي كانت متوقفة لسنوات، والتي تهدف إلى مضاعفة طاقة خطوط الأنابيب البديلة إلى مضيق هرمز، ويعود ذلك في معظمه إلى انخفاض احتمالية فرض حصار عنيف ومستمر على المضيق.

أما العملية الثالثة فهي النهضة في مجال الطاقة النووية المدنية: فإذا كان قادة الغرب وشرق آسيا، حتى قبل بضعة أشهر، يفضلون الحديث عن الطاقة الذرية بحذر سياسي، فقد تحوّل الخطاب الآن إلى مسألة وجودية ذات طابع استراتيجي ملحّ. وفي أوروبا، يُمثّل عام 2026 نهاية حقبة التردد. فقد أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في قمة باريس قبل أسابيع، أن الطاقة النووية هي الضمانة الوحيدة للاستقلال الطاقي.

والحقيقة واضحة: لقد حقق التحرك الإيراني في مضيق هرمز نجاحًا كبيرًا على المدى القصير، لكنه سيثبت على المدى المتوسط ​​والطويل، ما دامت الاتجاهات الثلاثة المذكورة هنا مستمرة، أنه خطأ استراتيجي فادح.

 يوناتان أديري

يديعوت أحرونوت 13/4/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *