القاهرة ــ «القدس العربي»: تفاصيل صغيرة تبدو للوهلة الأولى أنها لا تهم أحد إلا أصحابها.. أعقاب سجائر، قرط ذهبي، حيوانات خزفية، حقيبة جلدية، توكة شعر، فستان حضر لقاء غراميا، وآخر شاهد على نهاية حياة صاحبته، وهكذا تفاصيل من قصاصات جرائد وإعلانات لمشروب غازي، أحذية، أوراق رسمية كرخصة قيادة وبطاقة هوية، أخبار عن حوادث وانقلابات وأزمات سياسية. عصر كامل يسترجعه ويبتنيه الروائي التركي أورهان باموك، من خلال روايته «متحف البراءة»، التي صدرت عام 2008، وهي أول ما كتبه بعد فوزه بجائزة نوبل عام 2006، ليؤسس بالفعل متحفه ويتجسد حقيقة عام 2012، ولتتحول الرواية إلى عمل درامي في (9) حلقات هذا العام 2026. المسلسل أداء.. صلاح الدين باشالي (كمال)، أيلول ليز كانديمير (فوسون)، أويا أونوستاسي (سيبال). سيناريو إرتان كورتولان، وإخراج زينب غوناي.
فمن خلال قصة حب بين رجل أرستقراطي وفتاة من أسرة فقيرة يرسم باموك حياة مدينته إسطنبول، منذ منتصف القرن الفائت وحتى الألفية الجديدة، حتى لو بدأت الأحداث في عام 1975 وانتهت عام 1984 إلا أن التكوين الاجتماعي والنفسي للشخصيات يعكس فترة أكبر بكثير من فترة معاناة بطل الحكاية التي لا تقتصر على (9) سنوات، بل تمتد حتى بعد موته من خلال متحف يحكي ويحتفظ بزمن انقضى، يؤمه الزوار ويسترجعون حكاية لن تنتهي.
كمال وفوسون وباموك
تبدأ الحكاية بـ(كمال) وهو في سن الشيخوخة، يقطن دوراً علوياً في مبنى يتكون من أربعة طوابق، وأمامه يجلس أورهان باموك نفسه يستمع إلى حكايته ويعده بتدوينها بعد اقتناعه بجدارتها، وبين الاثنين تتجسد (فوسون) حبيبة كمال، وسبب ألمه الذي لا ينتهي. كمال الذي جمع منذ وقعت عيناه على فوسون مصادفة كل ما يتصل بها، وكل ما لمسته يدها، حتى لو اضطره الأمر إلى سرقة وإخفاء هذه الأشياء، فقط ليُشيّد حالة خيالية تتجسد واقعاً لعالم يُذكّره بها، يستطيع العيش من خلاله.
من ناحية أخرى يبدو حضور فوسون طاغياً من خلال هذه التذكارات، وهي التي تعيد صياغة حياة البطل أو العاشق خائب الرجاء، الذي وقع أسير هذا الحب رغماً عنه، كحادث عَرَضي غير متوقع. فوسون التي تنتهي حياتها أيضاً عَرَضاً في لحظة غضب هي الوجه الآخر الذي استطاع باموك صياغته في رواية تجعل من مدينته وتفاصيلها ذكرى لا تنتهي ــ ذكريات مدينة إسطنبول ـ حتى لو كانت لم تعد في الواقع.
العادي والحقيقي

وبعيداً عن حياة المتاحف المعهودة، التي تضم أعمالاً لمشاهير الفن، أو مقتنيات متفردة من وجهة نظر أصحابها، يتحوّل متحف باموك إلى ذكريات الناس العادية، تفاصيل حيوات كانت، تصادفها في شارع أو زقاق، جديرة بأن تهم الغالبية من الناس، ذكريات قد تبدو منسية في دولاب قديم، أو غرفة جدة من الجدات بعد رحيلها، لتكمن قيمتها في ذكرى أصحابها. من هنا كانت قيمة هذه الأشياء رغم بساطتها.
ومن تفاصيل الأشخاص تتضح الصورة أكثر لتفاصيل وحياة المدينة التي تحتويهم، ليست مدينة الصفوة وموجة التغريب التي تعاني منها تركيا حتى الآن، رغم ماضيها العريق، بل مدينة الحواري والأروقة المعتمة والأحياء الفقيرة، وما بين عالم المدينة الحداثي والتراثي تُنسج قصة الحب بين الشاب الأرستقراطي ـ وريث أسرة صناعية ثرية وخطيب لفتاة تلقت تعليمها في فرنسا ـ والفتاة الفقيرة التي تعمل بائعة في أحد محال بيع الملابس النسائية المستوردة، لتتخطى وتتجاوز الحكاية الفكرة التقليدية بين شاب ثري وفتاة فقيرة إلى الوجه الحقيقي للمدينة، والتي في ظاهرها الحداثي ـ وهو ما يرفضه بطل الحكاية ومؤلفها ـ ويعيش بين ذكريات التاريخي منها، أو شخصيتها الحقيقية إن صح التعبير.
التأريخ الذاتي
وحتى تتخلق مساحة يمتزج معها الخيال بالحقيقة، كشكل آخر من أشكال التأريخ الفني، يستحضر باموك عدة أحداث تتباين أحداثها في حياة الأتراك، سواء اجتماعية أو سياسية، كبدايات وجود التلفزيون وإحلاله مكان الراديو، وكذلك عالم السينما التركية وقتها، أبطالها وموضوعاتها، وأول مشروب غازي بالفواكه دخل البلاد، وصولاً إلى أحداث تخص السلطة الحاكمة نفسها، كالفساد المالي والانقلابات العسكرية، وفرض حظر التجوال، بل وتورط البطل (كمال) في هذا الحظر، حيث كان عائداً من منزل أسرة حبيبته (فوسون) وتم إيقافه ومعه (مقشرة بصل) نجح في اختلاسها من بيت معشوقته، وبسؤاله عنها، والتي تعد آلة حادة في عُرف الجنود، يصمت كمال ولا يتحدث بكلمة، فكيف يكشف السر؟ ولا يكتفي باستجداء سائقه بأن الرجل ليس في حالة صحية جيدة، بل يعود مرّة أخرى إلى الجنود ويستجديهم رد تذكاره إليه حتى يرحل! هكذا تتم صياغة تفاصيل التاريخ الذاتي وتاريخ الدولة الرسمي. ليبدو التساؤل.. أيهما أبقى وأهم؟ ليجيب «متحف البراءة» على هذا السؤال بكل سهولة ويقين.
متحف البراءة
اشترى باموك بناية في حي قديم بُنيت عام 1897، وهي نفسها البناية التي اشتراها كمال ـ المنزل نفسه الذي كانت تعيش به فوسون قبل رحيلها ـ وحوّله إلى متحف، وأصبح يقيم هو حتى رحيله في دوره الأخير، الذي توجد على جدرانه مخطوطات باموك نفسه عن كتابة حياة كمال وفوسون، وليجمع كل تذكارات بطلة روايته، وتفاصيل مدينته التي جمعها في أعوام كثيرة من الأسواق والأصدقاء، وكل ما يراه مناسباً كتوثيق زمن انتهى. وليضم المنزل 83 قسماً مختلفاً من المعروضات، وهو الرقم نفسه الذي تحمله فصول رواية «متحف البراءة»، يقول باموك.. «يجب أن تحمي المتاحف ليس فقط الأعمال الفنية، ولكن أيضاً الذكريات وروح الحياة اليومية. على الرغم من أن كمال وفوسون هما نتاج خيالي، إلا أن الألم والشوق والمعاني التي يشعران بها حقيقية بالنسبة لنا جميعاً». فالعلاقات العاطفية تبدو متعلقة في أساسها بأشياء مَن نحب.
حياة سعيدة
ويبدو أن التداخل بين الرواية والواقع، وقد تجسدت فعلياً في متحف يحمل الاسم نفسه، ويُشرف عليه باموك بنفسه إلى التساؤل حول مدى التشابه بينه وبين بطل روايته، فيقول.. «عائلة كمال وأصدقاؤه يشبهون عائلتي وأصدقائي، والأمكنة التي يعيش فيها ويذهب إليها، هي الأمكنة التي عشت فيها وذهبت إليها. وفيما بعد، كمال وأنا نُبذنا من طبقتنا ومحيطنا، بمعنى أننا سقطنا خارج طبقتنا. هو بسبب عشقه لفوسون، وأنا بسبب حبي للأدب ووضعي السياسي. وكلانا ليس نادماً». ليؤكد كمال وجهة النظر هذه، قائلاً في الرواية.. «ليعرف الجميع أنني عشت حياة سعيدة».