أثارت تصريحات أحد الوجوه المقربة من قمة السلطة في دمشق، حسن الدغيم، عاصفة من الانتقادات بعدما دافع، على شاشة التلفزيون الرسمي، بحماسة عن الاعتماد على الأقارب والمحاسيب، وعقد مقارنات مع دول أخرى تحكم فيها العائلة، ولم يتوان عن القول إنه لو أصبح وزيراً لعيّن اثنين من أخوته كمساعدين له. كانت صراحته في التعبير عن ميوله صادمة حتى للجمهور الموالي للسلطة، في حين كشف حماسه في الدفاع عن هذه الأفكار عن قناعة حقيقية لا يشوبها أي تصنع أو ادعاء.
مع ذلك لا يستطيع المرء إلا أن يستغرب هذه الصراحة التي لم يكن مضطراً لها، فكان بوسعه مجابهة الانتقادات الموجهة للسلطة بخصوص تعيين الأقارب والمحاسيب في مناصب مهمة، بالالتفاف عليها أو انكار كونها نهجاً ثابتاً كما يجدر برجل سلطة من النوع الذي اعتاد عليه الجمهور السوري طوال عقود. فما الذي دفعه إلى هذا الكلام الذي لا بد أنه يعرف كم الاستنكار الذي سيقابل به في الرأي العام؟
في البحث عن جواب على هذا السؤال لا بد من العودة إلى بداية الحملة على المحسوبية في السلطة التي أعقبت سقوط نظام العائلة الأسدية. إحدى المنصات الإعلامية التي عرفت بتأييدها لهذه السلطة نشرت “تسريبات” تتحدث عن قرب إقالة شقيقي رئيس السلطة الانتقالية أحمد الشرع، ماهر وحازم الشرع، من منصبيهما بعد ارتفاع وتيرة النقد لتعيينهما وفقاً لـ”كفاءة” اقتصرت على صلة القربى التي تربطهما بصاحب القرار الأول في دمشق. معروف أن ماهر الشرع يشغل منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية، وهو بمثابة رئيس مجلس الوزراء، في حين يرأس حازم الشرع نائب رئيس المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، أي أنه يمسك بمفاتيح الاقتصاد السوري بعيداً عن أي شفافية بشأن عمل هذا المجلس.
الواقع أن تغييراً ملحوظاً بدأ يظهر في البيئة الموالية عموماً لسلطة دمشق، وكان لا بد أن ينعكس ذلك على وسائل الإعلام
فتح هذا التسريب الباب أمام موجة من الانتقادات شملت كل التعيينات القائمة على علاقات القرابة مع مراكز القوى في السلطة، ووصل الجدل إلى التلفزيون الرسمي الذي استضاف الدغيم للمشاركة في النقاش حول الموضوع. فدافع حتى عن احتمال إقامة نظام ملكي في سوريا “إذا أراد الشعب ذلك!” هذا كلام مفزع من رجل ترأس اللجنة التي عينت أعضاء “الهيئة الناخبة” التي انتخبت ثلثي “مجلس الشعب”. ترى هل سيقرر هذا “الشعب” تحويل النظام السياسي في سوريا من جمهوري كما ينص “الإعلان الدستوري” إلى نظام ملكي وراثي؟ ولم لا؟ بحسب منطوق الدغيم، فقد “أثبتت الديمقراطية فشلها في اثنتين وعشرين دولة عربية” قال وراح يعدد الدول العربية التي تحكم بأنظمة ملكية من غير أدنى اكتراث بتعارض هذا الكلام مع نص الإعلان الدستوري كما مع الخطاب الذي تصدره السلطة منذ استيلائها على الحكم قبل عام وثلاثة أشهر.
ثم انخرط في النقاش ذاته شخص آخر تربطه صلة قربة برأس السلطة، هو الأب حسين الشرع الذي لم يغب عن الأضواء طوال السنة الفائتة، وتنشر إحدى وسائل الإعلام العربية مقالاته بانتظام، فدافع عن وجوب إبعاد نجليه، ماهر وحازم، عن منصبيهما “نظيفي اليد” على حد تعبيره.
غير أن صحافياً سبق وأعلن عن استعداده “للموت دفاعاً عن السلطة” نشر على صفحته على منصة فيسبوك هجوماً مفاجئاً على وسائل إعلام مملوكة لجهة أجنبية، عرفت إلى وقت قريب بتأييدها للسلطة، معتبراً أنها تشكل “خطراً على الأمن القومي” على حد تعبيره! وذلك في سياق اللغط نفسه بشأن شقيقي الرئيس الانتقالي ونهج المحسوبية في التعيينات الإدارية.
الواقع أن تغييراً ملحوظاً بدأ يظهر في البيئة الموالية عموماً لسلطة دمشق، وكان لا بد أن ينعكس ذلك على وسائل الإعلام. أو ربما يمكن قراءة التغير في الاتجاه المعاكس: وسائل الإعلام التي واظبت على تأييد السلطة طوال الفترة السابقة، فكانت تتجاهل مظاهر الاستياء والتذمر الشعبي، غيرت سياستها أخيراً فباتت تمنح مساحات للتعبير عن نبض الشارع، ليبقى السؤال ما الذي دفعها إلى هذا التغيير؟
ثمة تسريبات أخرى تشير إلى خلافات داخل قمة هرم السلطة بين الشرع وحلفائه في هيئة تحرير الشام أو الفصائل الحليفة التي ساهمت في معركة ردع العدوان وبايعته رئيساً في مؤتمر النصر، لا نعرف فحوى هذه الخلافات المحتملة، فيما إذا كان لها أساس سياسي، أي حول الخيارات السياسية، أم أنها تقتصر على التنافس على المناصب. ولن يكون غريباً إذا تداخل السببان، ففي السلطات الكتيمة غالباً ما يتم تغليف المصالح الشخصية بغلاف سياسي أو أيديولوجي. ولا يمكن استبعاد عوامل خارجية أيضاً كضغوط غير معلنة من قبل دول داعمة للسلطة ذات مصالح وتوجهات مختلفة أو متعارضة في بعض الحالات.
مهما كان الأمر، فما يمكن التيقن منه أن ثمة تغييرات سنشهدها قريباً، سواء في وجوه السلطة أو السياسات المتبعة، فالمؤشرات وافرة.
كاتب سوري