الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
في لحظة ما يعيد التاريخ كتابة نفسه. فزيارة بن سلمان إلى البيت الأبيض اختتمت بالهتافات مع إعلان الرئيس ترامب عن بيع أسراب من طائرات إف – 35، ودبابات متطورة وسلسلة منجزات أمنية أخرى للرياض، بما فيها حلف دفاع وتوقع لاتفاق نووي مدني.
ربع الهدايا التي أغدقتها المملكة على الرئيس الأمريكي كان بمثابة إنجاز دراماتيكي. واضح بأن بيع سلاح محطم للتوازن من هذا النوع، قبل التطبيع، يحطم السد الأمريكي لتآكل التفوق النوعي العسكري الإسرائيلي لأول مرة منذ تبني القانون في الموضوع في العام 2008.
امتنعت إدارات أمريكية على مدى سنين، عن اتخاذ خطوات من طرف واحد في سلسلة مسائل جوهرية حرجة لأمن إسرائيل: حفظ حرية عمل الجيش الإسرائيلي، واستخدام الفيتو على خطوات مناهضة لإسرائيل في مجلس الأمن، وامتناع عن التقدم من فوق رأس إسرائيل في الموضوع الفلسطيني، وتنسيق توقعات في موضوع النووي الإيراني (حتى وإن سمعت بعض الاحتكاكات هنا وهناك)، وتعزيز اتفاقات إبراهيم، ومسألة التفوق النوعي وغيرها وغيرها. وها هو، في عهد ترامب، تبدأ الأثقال على إسرائيل تتراكم: محبة للدكتاتوريين أمثال أردوغان وبوتين والأسرة السعودية المالكة؛ وكيمياء مقلقة مع حاكم سوريا من أصول “داعش”؛ ودفع محور دول الإخوان المسلمين (تركيا وقطر) إلى مركز الساحة الشرق أوسطية وتدويل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني.
عملياً، غير قليل من الأبقار المقدسة في العلاقات الإسرائيلية – الأمريكية آخذة بالذبح: المس بالتفوق النوعي، وفرض جمارك دائمة، وإلغاء تأشيرات لقطاع التكنولوجيا العليا، و”وعد بلفور” فلسطيني وغيره.
كلنا مدينون بدين شرف للرئيس ترامب على إعادة المخطوفين إلى البلاد والهجوم على إيران، لكن الأمر لا يتلخص في هذا. فلم تمر بعد سنة على ترسيمه رئيساً وبات ممكناً القول إن الرئيس يقوض الأساسات الحديدية “للعلاقات الخاصة” بين إسرائيل والولايات المتحدة كجزء من فكره لتقويض أنماط السلوك والتفاهمات والاتفاقات بعيدة السنين. وبالفعل، سبق أن كان رؤساء ليسوا من محبي إسرائيل (أوباما، بوش الأب، وكارتر) لكن بؤر الاحتكاك معهم كانت موضعية حتى وإن كانت مبدئية، ولم تؤد قط إلى تحطيم مسلمات أساسية في العلاقات. إن الضرر الذي يوقعه ترامب مزدوج ومضاعف: فليس وحده المعطى الدائم بأن الولايات المتحدة تقف إلى جانب إسرائيل هو الآخذ في الاهتزاز، بل كون الرئيس يعد مؤيداً واضحاً لإسرائيل. بكلمات أخرى: إذا كانت أضرار استراتيجية بعيدة المدى لإسرائيل تتراكم حتى تحت قيادة رئيس صهيوني متحمس، فكيف سيكون الأمر عندما يجلس في البيت الأبيض إياه رئيس ليس عاطفاً متحمساً لإسرائيل (وهو سيناريو معقول في ضوء تغييرات عميقة في الولايات المتحدة). عملياً، ودون قصد، يهيئ ترامب التربة لتحولات جذرية في النظرة الأمريكية إلى إسرائيل في اليوم التالي، ويمنح شرعية للترويج لسياسة أقل راحة لنا في المستقبل. ثمة مقدمة لاذعة على نحو خاص لذلك جاءت الأسبوع الماضي، مع زيارة رئيس بلدية نيويورك المنتخب ممداني الذي ادعى بأن إسرائيل تنفذ إبادة جماعية في غزة. الرئيس ترامب ملأ فاه ماء ولم يعقب، فما بالك أنها المرة الأولى التي يقال فيها هذا القول الخطير وعديم الأساس علناً في الغرفة البيضاوية.
لكن توجيه إصبع اتهام إلى ما وراء البحر ليس نهاية تامة وليس فيه ما ينزع المسؤولية عن أصحاب القرار هنا. الواقع الأكثر ألماً: في ظل الضعف السياسي والقانوني في الداخل (بمناسبة “كتاب العفو” الأمريكي للرئيس هرتسوغ، الذي لا مفعول حقيقياً له)، لن يتجرأ رئيس الوزراء نتنياهو على تحدي ترامب – لا في الغرف المغلقة ولا على موجات الأثير.
يكفي أن نشاهد بكل ذهول بيان التأييد من نتنياهو لقرار مجلس الأمن في موضوع غزة، الذي يتضمن نوعاً من وعد بلفور فلسطيني (“مسار لدولة”) كي نستوعب عمق الشلل الشامل الذي يعاني منه في علاقاته مع الرئيس ترامب. فغياب رد فعل على سلسلة مبادرات إشكالية من البيت الأبيض يشهد أكثر من ألف شاهد على أن غياب التحدي الإسرائيلي لرئيس أمريكي بصفته هذه – هو ترف ليس لنا في حارتنا التي هي الأصعب في العالم قدرة على أن نسمح به لأنفسنا. ينتج عن ذلك بالتالي أن الانتخابات القريبة في إسرائيل ستكون مصيرية وتصميمية. ضمن أمور أخرى، لمستقبل “العلاقات الخاصة” أيضاً.
آفي كالو
يديعوت أحرونوت 26/11/2025