ماكرون يسعى إلى دور أوروبي


باريس – «القدس العربي»: في ظل التصعيد العسكري المتزايد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يسعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إعادة إدخال أوروبا، وفرنسا على وجه الخصوص، في معادلة إدارة الأزمة، وذلك بعدما بدت مرة أخرى خارج دائرة القرار إثر تجاهل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التشاور مع حلفائه الأوروبيين بشأن الضربات العسكرية التي استهدفت إيران.
تحاول باريس في هذا السياق تحقيق توازن دقيق بين اعتبارات عدة؛ إذ تسعى، من جهة، إلى تجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق في الشرق الأوسط، ومن جهة أخرى تريد حماية مصالحها الاستراتيجية وشركائها في منطقة تشكل مركزاً أساسياً لإمدادات الطاقة العالمية وممراً حيوياً للتجارة الدولية، وسط رغبة واضحة في التأكيد على استقلالية القرار الأوروبي في مواجهة ما يراه العديد من القادة الأوروبيين نهجاً أحادياً من جانب واشنطن.
في خطابه المطول، الذي ألقاه الثلاثاء الماضي 3 آذار/مارس الجاري، حاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تبني موقف متوازن تجاه التصعيد الحالي؛ حيث حمّل إيران «المسؤولية الأولى» عن التوترات في المنطقة، مشيراً إلى تطويرها برنامجاً نووياً مثيراً للقلق وقدرات صاروخية متقدمة، إضافة إلى دعمها وتمويلها جماعات مسلحة في بعض دول الجوار. كما انتقد السلطات الإيرانية بسبب ما وصفه بالقمع العنيف للاحتجاجات داخل البلاد. لكنه شدد، في المقابل، على عدم الشرعية الدولية للضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران، داعياً إلى وقفها سريعاً والعودة إلى المسار الدبلوماسي لتجنب توسع دائرة الحرب، وهو موقف يشاطره معظم القادة في أوروبا.

تعزيزات عسكرية

بالتوازي مع هذا الموقف السياسي، أعلن الرئيس الفرنسي سلسلة إجراءات لتعزيز الوجود العسكري لبلاده في المنطقة، في خطوة تهدف إلى حماية مصالح باريس وحلفائها الأوروبيين دون الانخراط المباشر في العمليات القتالية. وتشمل هذه الإجراءات إرسال وسائل إضافية للدفاع الجوي إلى قبرص، ونشر الفرقاطة الفرنسية «لانغدوك» في محيط الجزيرة لتعزيز الإجراءات الأمنية بعد استهداف قاعدة بريطانية هناك، إضافة إلى توجيه حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» نحو شرق البحر المتوسط.
ترافق حاملة الطائرات مجموعة بحرية تعد من أبرز القدرات التي يمكن لفرنسا نشرها خارج أراضيها، تضم ثلاث فرقاطات صاروخية وغواصة نووية هجومية وسفناً مرافقة، إضافة إلى نحو أربعين مقاتلة من طراز «رافال»، وذلك من أجل إظهار قدرة فرنسا على حماية مصالحها وشركائها في المنطقة، خصوصاً الدول الخليجية التي تربطها مع باريس اتفاقيات تعاون دفاعي مثل قطر والكويت والإمارات العربية المتحدة، والتي تعرضت لتهديدات مباشرة من إيران رداً على الضربات التي نُفذت بقرار أحادي الجانب من واشنطن وتل أبيب.
محللون فرنسيون يرون أن التحرك العسكري الفرنسي هذا يحمل، من حيث التوقيت والسياق والحجم، رسالة سياسية بقدر ما يحمل بعداً دفاعياً.
فباريس تريد أن تظهر أنها لاعب حاضر في المشهد الإقليمي، حتى وإن ظل القرار العسكري الفعلي بيد الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي هذا السياق يشير الإعلامي والمحلل السياسي الدكتور كلش (مقيم في باريس) إلى أن إعلان باريس أنها لم تكن على علم مسبق بالعملية العسكرية قد يُفهم على أنه نوع من العتاب السياسي لواشنطن، كما قد يعكس رغبة باريس في النأي بنفسها عن عملية تراها، ومعها عدد من الدول الأوروبية، خارج إطار القانون الدولي.
مع ذلك، يوضح كلش لـ»القدس العربي» أن التحرك الدفاعي الفرنسي لا يمكن أن يتم من دون قدر من التنسيق مع الولايات المتحدة، التي تبقى إلى جانب إسرائيل الطرف الأكثر تأثيراً في مسار المواجهة مع إيران. وبناء على ذلك، يظل الدور الفرنسي محدوداً في مواجهة بهذا الحجم، لاسيما أن باريس تواصل التأكيد على تمسكها بالحلول الدبلوماسية لتسوية النزاعات، في وقت تتجه فيه الأزمة نحو تصعيد عسكري متزايد.
ورغم تأكيد قصر الإليزيه (الرئاسة الفرنسية) أن الهدف من هذه التحركات ليس الانخراط في الحرب، فقد أثارت الخطوات الفرنسية نقاشاً سياسياً داخل فرنسا؛ حيث حذرت رئيسة كتلة حزب «فرنسا الأبية» في الجمعية الوطنية من أن باريس يجب ألا «تضع إصبعاً في حرب غير شرعية». في المقابل، شدد نواب من الأغلبية الرئاسية على أن التحرك الفرنسي يندرج في إطار الالتزامات الدفاعية لفرنسا وإظهار موثوقيتها تجاه شركائها في المنطقة.

مبادرة لحماية الممرات البحرية

في موازاة التحركات العسكرية، طرح الرئيس الفرنسي مبادرة لتشكيل تحالف دولي يهدف إلى حماية الممرات البحرية الحيوية في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وعلى رأسها مضيق هرمز، إضافة إلى قناة السويس والبحر الأحمر. وتعد هذه الممرات شرايين أساسية للاقتصاد العالمي، إذ تمر عبرها كميات ضخمة من النفط والغاز والسلع التي تعتمد عليها اقتصادات أوروبا وآسيا وأفريقيا.
يرى الدكتور في العلوم السياسية والمحلل السياسي المختص بالشؤون الأوروبية حسان التليلي (مقيم في باريس)، في حديث مع «القدس العربي»، أن هذه المبادرة قد تفتح المجال أمام دول الاتحاد الأوروبي للعب دور أكثر فاعلية في إدارة الأزمة، كون حماية تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز تمثل مصلحة مشتركة للعديد من القوى الدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين والدول الأوروبية.
كما أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي. وقد تسمح المبادرة الفرنسية ، على الأقل، بتخفيف الحرج السياسي الذي تشعر به باريس وعدد من العواصم الأوروبية إزاء اندفاع واشنطن نحو مواجهة قد تكون لها عواقب خطيرة على استقرار الخليج والشرق الأوسط وعلى مسارات التنمية في المنطقة لعقود قادمة، وفق الدكتور حسان التليلي.
تبقى قدرة باريس وبروكسل (الاتحاد الأوروبي) على التأثير في مسار الحرب محدودة في ظل هيمنة القرار العسكري والسياسي للولايات المتحدة وإسرائيل على مجريات المواجهة مع إيران وحلفائها، بمن فيهم «حزب الله» في لبنان.
وقد كثف إيمانويل ماكرون جهوده الدبلوماسية لاحتواء تداعيات الحرب في المنطقة، ولا سيما في لبنان حيث يتصاعد التوتر بين إسرائيل و»حزب الله». فقد انتقد هجمات «حزب الله» على إسرائيل، مؤكداً أنها تعرض لبنان لمخاطر كبيرة، لكنه في الوقت نفسه حذر تل أبيب من تنفيذ عملية برية داخل الأراضي اللبنانية، مشدداً على أن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى تصعيد خطير وتشكل خطأً استراتيجياً.
في هذا الإطار، أجرى الرئيس الفرنسي سلسلة اتصالات مع عدد من القادة المعنيين بالأزمة. فقد تحدث هاتفياً مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمناقشة التطورات العسكرية في المواجهة مع إيران، كما أجرى مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دعاه خلالها إلى الحفاظ على وحدة الأراضي اللبنانية والامتناع عن شن عملية برية داخل لبنان. كذلك تواصل مع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، مؤكداً ضرورة احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *