ماتت الفرس واحترق القصر وانتحر الماركيز


«كل شيء بخير سيدتي الماركيزة» أغنية فرنسية نسمعها فنضحك، ولا يأتي الضحك إلا من فرط العبث والمفارقة الساخرة والسرد المتلاحق للأحداث السيئة. صدرت هذه الأغنية سنة 1935 وذاعت بقوة في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، إلى درجة أنها تحولت إلى أمثولة سياسية، وعبارة ترددها الألسنة الناقمة على الأوضاع، وتكتبها الأقلام التي تتخوف من سوء المصير وتحذر من عواقبه. هي أغنية فرنسية خالصة ذات أسلوب باريسي قديم، أداء صوتي يتراوح ما بين الغناء والإلقاء، وهذا يعد سمة تميز الغناء الفرنسي في كثير من الأحيان، ولحن شيق خفيف بثيمات موسيقية متكررة، وكلمات جادة خطيرة ترتدي ثوب التهريج.
ألف الأغنية ولحنها بول مزراحي الذي ولد في إسطنبول عام 1908 وتوفي في باريس عام 1998، والذي أضاف إلى الغناء الفرنسي أثناء وجوده في فرنسا مجموعة كبيرة من الأعمال الغنائية الجميلة، لا يزال بعضها مسموعاً ويحظى بشهرة كبيرة حتى وقتنا هذا. كان بول مزراحي عضواً في فرقة راي فنتورا، لذلك ترتبط أغنية «كل شيء بخير سيدتي الماركيزة» باسم راي فنتورا أيضاً، فهو من نشر الأغنية وقدمها كقائد أوركسترا ومنتج موسيقي كبير، وقد ألفت الأغنية خصيصاً لفرقته، التي كانت تقدم الموسيقى الخفيفة وموسيقى الجاز في فرنسا، وتم إعدادها كاسكتش غنائي أو كفقرة مضحكة وسط البرنامج الموسيقي المعتاد.

الطمأنة وإنكار الكارثة
لكل دوره في الأغنية كما لو كانت مشهداً مسرحياً قصيراً، حيث تعتمد على خمس شخصيات، الماركيزة وأربعة من الخدم الأوفياء. الماركيزة هي الشخصية الرئيسية التي تجري مكالمة عبر الهاتف مع الخدم المسؤولين عن القصر، أثناء غيابها، فهي مسافرة منذ خمسة عشر يوماً، وتسأل الآن عن الأحوال وأخبار القصر. في البداية تتحدث إلى جيمس فيخبرها بأن كل شيء بخير وعلى ما يرام، لكن هناك شيئاً صغيراً للغاية يجب أن يخبرها به، حادثة تافهة أو غلطة بسيطة هي موت فرسها الرمادية، لكن ما عدا ذلك كل شيء بخير. في المقطع الثاني من الأغنية تتحدث الماركيزة مع مارتان سائق عربة الخيول الوفي، وتسأله عن موت فرسها الرمادية، وتطلب منه أن يشرح لها كيف حدث ذلك، فيجيبها مارتان بهدوء ويقول لها إن كل شيء بخير وإن هذا ليس بالأمر المهم، لكنه يجب أن يخبرها بشيء صغير للغاية، وهو أن الفرس ماتت في الحريق الذي دمر الإسطبل بأكمله، لكن ما عدا ذلك كل شيء بخير. بعد ذلك تتحدث الماركيزة مع باسكال رئيس الخدم المثالي في المقطع الثالث من الأغنية، وتطلب منه تفسيراً لاحتراق الإسطبل وكيف حدث ذلك، فيخبرها باسكال بأن هذا لا يعد شيئاً وليس بالأمر الخطير، لكنه يجب أن يخبرها بأمر آخر صغير للغاية، وهو أن الإسطبل احترق لأن القصر نفسه احترق أيضاً. في المقطع الرابع تتحدث الماركيزة مع لوكاس وتطلب منه وهي على وشك الإغماء أن يشرح لها كيف احترق القصر، فيخبرها لوكاس بأن الماركيز عندما علم أنه قد أفلس، وتحت تأثير الصدمة قام بالانتحار، وأثناء سقوطه أمسك بالجاروف الذي أطاح بالشموع، فاشتعل القصر بأكمله وامتدت النيران في جميع أرجائه، ثم أتت الرياح لتنقل النيران إلى الإسطبل، فاحترق هو الآخر وماتت الفرس الرمادية، ثم يقول لها باسكال: لكن ما عدا ذلك سيدتي الماركيزة، كل شيء بخير.

تسرد الأغنية الأحداث بشكل عكسي، فتبدأ من نهاية الأحداث وتنتهي عند بدايتها، أما تسلسلها الطبيعي فهو: أفلس الماركيز فانتحر وأسقط الشموع، فاحترق القصر وامتدت النيران إلى الإسطبل فاحترق وماتت الفرس الرمادية. الأغنية ساخرة وفكاهية لكنها جادة أيضاً ومأساوية في عميقها، فليس أخطر من المصيبة سوى إنكار المصيبة والتهوين مما يترتب عليها من كوارث، عندئذ يتجسد الرعب ويستشري الخوف، فكيف لمن لا يرى المصيبة ولا يستشعر هولها أن يوقف تتابع أهوال تلك المصيبة؟ لماذا نضحك عندما نستمع إلى هذه الأغنية؟ هل نضحك لموت فرس؟ هل نضحك لاحتراق إسطبل؟ هل نضحك لاحتراق قصر؟ هل نضحك لانتحار إنسان؟ لا شيء يضحك هنا البتة. لكننا نضحك، على الرغم من ذلك، ويسبق الضحك أي تفكير أو أي شعور بالأسى والتأسف على تلك الحوادث السيئة. هذا الضحك الذي يأتي في غير موضعه ينبع من المفارقة الكبرى بين المصائب الحاصلة والمواقف المتخذة إزاءها، والضحك هنا هدف فني أراده مبدع الأغنية لإضحاك جمهور السامعين، واقترن الضحك بفكرة عميقة تلامس بشكل أو بآخر حياة الناس وأحوال السياسة. تذهب الأغنية بسامعها نحو السياسة، رغم أنها لا تتناول موضوعاً سياسياً مباشراً، بل إن عنوانها أو جملتها الرئيسية تحولت إلى عبارة ذات دلالة سياسية قوية في زمنها، واستخدمت بشدة في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية في فرنسا، عندما كان يقال إن كل شيء تحت السيطرة وأثناء اتفاق ميونيخ وغير ذلك من الأحداث. اتصلت الأغنية بالواقع من خلال حوار غنائي فكاهي ساخر، وعبرت عن الطمأنينة الزائفة عندما ينهار كل شيء، تلك الطمأنينة التي تكون أكثر ما يثير الهلع ويسبب الخوف، فالخدم المسؤولون عن القصر والمكلفون بحراسته والاعتناء به منفصلون تماماً عن الواقع، وينعدم لديهم الإحساس بالمسؤولية مهما كان هول ما يحدث أمامهم، فالقصر احترق لكن كل شيء بخير.

كاتب مصرية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *