الناصرة- “القدس العربي”:
يرى مستشار الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق، الجنرال في الاحتياط غيورا آيلاند، في حديث للإذاعة العبرية اليوم الجمعة، أن فتح جبهة مع حزب الله تزامنا مع حرب صعبة ضد إيران، خطأ إستراتيجي، وأن الزعم أن حزب الله أوقع نفسه بالفخ غير صحيح، بل ربما يكون العكس هو الصحيح.
ومتطابقا مع عدد متزايد من المراقبين الإسرائيليين النقديين، يعلّل ذلك بالقول: “كان علينا الصبر واختيار التوقيت الصحيح. الحزام الأمني الجديد في جنوب لبنان بعد هدم القرى وإخلاء السكان هو درس صحيح تعلمناه من الحرب في غزة. لكنه لن يحل مشكلة صواريخ حزب الله حتى لو هدمت قرى الجنوب، كون الصواريخ تطلق من شمال الليطاني”.
وفي حديثه، قال آيلاند إن إسرائيل سارعت إلى استغلال الفرصة لفتح جبهة إضافية في الشمال، فور أن أبدى حزب الله نيته بالرد. ومضى في انتقاداته قائلا: “في اليوم الذي تم فيه اغتيال خامنئي وبعد يوم أو يومين من الهدوء، نفّذ حزب الله إطلاقًا رمزيًا، في إشارة إلى أنه مضطر للرد كنوع من رفع العتب، وينتظر ردّنا. لكن إسرائيل اندفعت لاستغلال هذه الفرصة كما لو أنها عثرت على غنيمة”.
وأشار إلى أنه تساءل في حينه أمام مسؤول عسكري إسرائيلي رفيع، عمّا إذا كان من الصواب فتح جبهة إضافية في لبنان بالتوازي مع المواجهة مع إيران، فكان الرد: “لدينا فرصة لاستكمال ما لم ننجح بتحقيقه في لبنان قبل عام ونصف”.
غير أن آيلاند شدّد على أن هذا التوجه يثير تساؤلات استراتيجية عميقة: “لا يمكن خوض حرب طموحة بهذا الحجم ضد إيران من دون معرفة مدتها، وفي الوقت ذاته فتح جبهة أخرى. انظروا إلى ما يحدث في بلدات الشمال، نحن نشهد معاناة حقيقية لدى السكان”.
ومع ذلك، يعتبر آيلاند أن هذه السياسة (الحزام الأمني في منطقة يتم تهجير سكانها) صحيحة رغم كلفتها العالية وتعقيداتها. وأضاف أن الدرس المركزي المستخلص من الحرب في غزة هو عدم جدوى السيطرة على مناطق تضم “سكانا معادين”: “لا فائدة من الاحتفاظ بأرض توجد فيها بيئة معادية”. ولفت إلى أن إنشاء حزام أمني قد يحد من إطلاق القذائف نحو البلدات الإسرائيلية ويقلّص قدرات “قوة رضوان” وتهديداتها لمستوطنات الشمال. مع ذلك، وبعكس الرواية الإسرائيلية الرسمية، شدّد آيلاند على أن هذه الخطوات لا تعالج التهديد الرئيسي وهو الصواريخ التي تُطلق من شمال الليطاني، مؤكدًا أن مخزون الصواريخ لدى حزب الله يبدو شبه غير محدود، وأن إسرائيل تجد نفسها تستثمر أكثر في لبنان من دون تغيير حقيقي في الواقع.
مقابل إيران
وفي مجمل الصورة، يوضح آيلاند أن أمريكا وإسرائيل دخلتا الحرب دون احتساب قدرات إيران الحقيقية، ولم تأخذا في الحسبان قيامها بإغلاق مضيق هرمز.
وقال: “أخشى أن توقف أمريكا الحرب فيما تستمر إيران بإطلاق صاروخين يوميا علينا وتشوش حياتنا”. ويتساءل آيلاند: “ألا يتمّدد الجيش أكثر من اللزوم؟ أخشى أن تنهار إسرائيل على نفسها وليس الجيش فحسب، بسبب تمددها في عدة جبهات”.
ويتساءل عن سبب عدم انتظار إسرائيل لتقييم تداعيات الهجمات على إيران قبل توسيع نطاق المواجهة، مضيفًا: “كنا نأمل أن تفضي الحرب مع إيران إلى نتيجة إيجابية تجعل من الصعب على حزب الله التحرك. الاعتقاد بأن كل شيء يجب تحقيقه بالقوة العسكرية، من دون انتظار تطورات، هو أمر مكلف جدًا”.
كما انتقد آيلاند العبء المتزايد على الجيش نتيجة العمل في عدة ساحات بالتوازي، مشيرًا إلى أن هناك حدًا لقدرة أي جيش على الانتشار والعمل في أكثر من جبهة في آن واحد. كما أبدى شكوكًا بشأن جدوى البقاء العسكري في الساحة السورية: “لسنا متأكدين من وجود ضرورة حقيقية للبقاء هناك، لكننا نتمسك بما استطعنا السيطرة عليه”.
واختتم آيلاند تصريحاته بتحذير واضح: “لست متأكدًا أننا لم نرتكب خطأً استراتيجيًا. نحن نكتشف الآن مدى صعوبة هذا المسار وطوله وكلفته الباهظة”.
وتعكس تصريحات آيلاند حول جبهتي إيران ولبنان تغيّر المزاج العام في إسرائيل في ظل التراجع عن الأهداف المعلنة الأولى للحرب (من إسقاط النظام وتدمير المشروعين النووي والصاروخي) وفي ظل اتساع الفجوة بين الخطابات العالية المتعجرفة، وبين الوقائع على الأرض في ضوء استمرار النزيف وعدم وجود أفق لنهايته، وهذا ما يعبر عنه عدد من المراقبين الإسرائيليين اليوم الجمعة، علاوة على برامج الترفيه الساخرة التي تسخر من تصريحات نتنياهو وكاتس حول تدمير إيران وحزب الله.