“لوموند” تتحدث عن “قصر نظر استراتيجي أمريكي”


باريس- “القدس العربي”:

تحت عنوان: “قصر النظر الاستراتيجي الأمريكي”، قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن البيت الأبيض يبدو أنه لم يتوقع الضربات الإيرانية ضد دول المنطقة ولا إغلاق مضيق هرمز.

وأضافت الصحيفة أن جيك سوليفان كان ما يزال مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي جو بايدن في نهاية سبتمبر 2023 عندما أدلى بتصريحات أصبحت شهيرة، قال فيها: “إن منطقة الشرق الأوسط أكثر هدوءا اليوم مما كانت عليه منذ عقدين”. لكن هذا “الهدوء” كان هشا. فبعد ثمانية أيام فقط، في 7 أكتوبر 2023، شنت حركة حماس هجوما واسع النطاق وغير مسبوق في قسوته ضد إسرائيل، ما أدى إلى تحولات تاريخية في الشرق الأوسط تعد الحرب في إيران اليوم أحدث فصولها.

وتابعت “لوموند” أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعد، خلال جولته في الخليج في مايو عام 2025، بـ”مستقبل يعرف فيه الشرق الأوسط بالتجارة لا بالفوضى”. وبعد أشهر قليلة، أشارت استراتيجية الأمن القومي إلى تراجع أهمية المنطقة ضمن أولويات الولايات المتحدة بفضل اكتفائها الذاتي من الطاقة، معتبرة أن “السبب التاريخي الذي دفع الولايات المتحدة للتركيز على الشرق الأوسط سيتلاشى”. وفي 17 ديسمبر، وخلال خطاب رسمي، هنا ترامب نفسه قائلا إنه “جلب السلام إلى الشرق الأوسط للمرة الأولى منذ ثلاثة آلاف عام”.

في 17 ديسمبر، وخلال خطاب رسمي، هنا ترامب نفسه قائلا إنه “جلب السلام إلى الشرق الأوسط للمرة الأولى منذ ثلاثة آلاف عام”

غير أن التفاؤل الذي عبر عنه سوليفان قبل ثلاثة أعوام يبدو اليوم، في ضوء المغامرة العسكرية التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير، مجرد خطأ بسيط مقارنة بما يجري.

ورأت الصحيفة أن الرئيس الأمريكي دفع الشرق الأوسط إلى هاوية غير معروفة العمق، ما ألحق ضررا بمصداقية بلاده. ولا يعرف متى أو كيف ستنتهي الحرب ضد إيران. وقد يؤدي استنزاف وسائل الاضطراب لدى النظام الإيراني إلى تغيير قراءة الأحداث. لكن في المقابل فإن اللجوء إلى “الإرهاب” يمثل أيضا تصعيدا محتملا إذا قررت طهران ذلك. وأقصى درجات الوهم لدى واشنطن تتمثل في الاعتقاد بأن دونالد ترامب يمكنه إنهاء الأعمال القتالية بمفرده، بمجرد رسالة على منصة “تروث سوشيال”.

ومن منظور عسكري بحت، تشير “لوموند” إلى أن الصورة تبدو واضحة: انتصار لا جدال فيه للولايات المتحدة وإسرائيل. فقد دمرت إلى حد كبير القوات الجوية والبحرية الإيرانية وبرنامجها الصاروخي وراداراتها وأنظمة دفاعها الجوي. كما تم القضاء على العديد من البنى التحتية لأجهزة القمع في البلاد، فيما بدت “ضربة الرأس” التي استهدفت قيادة النظام مثيرة للإعجاب منذ الساعات الأولى.

تباين في وجهات النظر

لكن “لوموند” طرحت سؤالا أساسيا: كيف يمكن الانتصار في حرب؟ والإجابة تكمن في الأهداف المحددة لها. غير أن هذه الأهداف، بحسب الصحيفة، ظلت تتغير باستمرار من الجانب الأمريكي.

فقد جرى الحديث كثيرا عن البرنامج النووي الإيراني، الذي قيل إنه دمر بعد ضربات يونيو عام 2025. ثم ركز المسؤولون الأمريكيون على القدرات الصاروخية الإيرانية، حتى وإن تم تضخيم حجم تهديدها. كما كرر دونالد ترامب الإشارة إلى احتمال تغيير النظام في إيران. وتوضح الصحيفة أن فكرته باستنساخ النموذج الفنزويلي بعد خطف الرئيس نيكولاس مادورو في 3 يناير تظهر جهلا بالسياق الإيراني.

ورأت “لوموند” أن هذا العرض المرتبك للأهداف يمنح الرئيس الأمريكي مرونة للإعلان عن نهاية الحرب في أي وقت، لكنه في الوقت نفسه يجعل أي إعلان للنصر موضع شك. والصورة التي تقدمها الولايات المتحدة تبدو، بحسب التحليل، صورة إدارة تميل إلى الحرب لكنها تفتقر إلى المهنية.

وأضافت أن المشكلة الأساسية ليست خطر الانزلاق إلى “حرب بلا نهاية”، وهو أمر يبدو مبالغا فيه بعد أسبوعين فقط من القصف. فقد يكون صمود النظام الإيراني حاليا أشبه بـ”بطة مقطوعة الرأس” يستمر جسدها في الحركة بشكل تلقائي.

كما أن المشكلة ليست، أو ليست فقط، مسألة القانون الدولي، إذ أصبح مجرد التذكير به أشبه بزيارة إلى متحف. أما الخطأ الأكبر، بحسب الصحيفة، فهو الغرور الإمبراطوري لدونالد ترامب على حساب القوة الأمريكية، تحت تأثير الحجج الإسرائيلية.

الخطأ الأكبر، بحسب الصحيفة، هو الغرور الإمبراطوري لدونالد ترامب على حساب القوة الأمريكية، تحت تأثير الحجج الإسرائيلية.

وتشير الصحيفة إلى أنه بقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي جعلت الولايات المتحدة اغتيال قائد أجنبي أمرا عاديا. وتتساءل: إذا اغتال الجيش الروسي يوما ما الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أو إذا قصفت الصين مراكز السلطة في تايوان، فما الحجج التي ستستخدمها الولايات المتحدة لإدانة هذه الأفعال؟

وترى الصحيفة أن الحرب في إيران تقلص أيضا قدرات واشنطن العسكرية على الانتشار. فكم من الذخائر والأنظمة المتطورة يجري استنزافها؟ فقد كلفت الأيام الستة الأولى من الحرب 11.3 مليار دولار، بحسب تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية. كما أصيب رادار لنظام الدفاع الجوي “ثاد”، وهو نظام تملك الولايات المتحدة عددا محدودا منه، بضربة في الأردن. ونتيجة لذلك تابعت كوريا الجنوبية بقلق سحب بعض أنظمة الدفاع الجوي من أراضيها.

وتخلص الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تشعران بالرضا لإضعاف إيران بشكل كبير، لكنهما في الوقت نفسه خلقتا ظروفا قد تدفعها إلى مزيد من التشدد مستقبلا. فقد كان علي خامنئي قد نظم الانحرافات المتتالية والمقلقة في البرنامج النووي الإيراني بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المعروف باسم “جي سي بي أو إيه”. وقد يقرر نجله مجتبى خامنئي، الذي خلفه، المضي خطوة أبعد.

وتتساءل الصحيفة: أليست الأسلحة النووية هي أداة الردع الحاسمة في هذا العالم، كما يظهر من الإفلات من العقاب الذي يتمتع به النظام الكوري الشمالي؟

وترى الصحيفة أيضا أن النظام الإيراني تعززت لديه القناعة بأن سلاحه الأفضل هو تعطيل الدوائر الاقتصادية والطاقة العالمية. فإغلاق مضيق هرمز يفتح بابا واسعا من عدم اليقين ويعيد عنصر الردع لصالحه. كما يغذي هذا الأمر تباينا في الرؤى بين إسرائيل والولايات المتحدة. فالدولتان، رغم انخراطهما في الحرب بانسجام، لا تملكان بالضرورة الأولويات نفسها.

وتوضح الصحيفة أن إسرائيل تفكر بمنطق وجودي، في حين أن إدارة ترامب لم تتوقع الكثير من التطورات: لا الضربات الإيرانية ضد دول المنطقة، ولا إغلاق مضيق هرمز، ولا ترتيب الخلافة داخل النظام الإيراني، ولا استحالة تغيير النظام عبر القصف الجوي فقط، ولا ضعف رغبة السكان في إسقاط النظام الديني المسلح بينما تتساقط القنابل على المدن.

استياء في المنطقة

ومضت “لوموند” أن دونالد ترامب، رغم تباهيه بالنجاحات العسكرية، يبحث عن نهاية إيجابية للحرب وعن “غنيمة” سياسية يمكن عرضها لإعلان انتهاء الحرب، خاصة أنه يعلم أنها ليست شعبية لدى الأمريكيين.

كما أن هذه الحرب تعزز اتجاها تاريخيا آخر في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل. فإسرائيل، التي كانت يوما موضوع إجماع بين الجمهوريين والديمقراطيين، أصبحت اليوم سببا للجدل والانقسام وعداء متزايد.

ويعود ذلك، بحسب الصحيفة، إلى وضعها الخاص الذي يتجلى في المساعدات العسكرية الأمريكية الضخمة وغير المشروطة، وإلى جرائم الحرب في قطاع غزة، وإلى الطريقة التي بدا فيها أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يضع عبارات جاهزة في أفواه المسؤولين الأمريكيين.

وفي هذا السياق قال ستيف بانون، أحد أبرز رموز حركة “اجعلوا أمريكا عظيمة مجددا” في برنامجه “وار روم”: “كان أحد حلفائنا الرئيسيين الشعب الإيراني الذي يكره الجمهورية الإسلامية ويريد إسقاطها. أما الآن فقد نجحت حكومة نتنياهو في تعبئتهم ضمن حركة قومية فارسية”.

كما رأت “لوموند” أن هذا الكلام قد يكون مبالغا فيه من جانب المستشار السابق لدونالد ترامب، المعروف بانتقاده المتواصل لما يسميه “الحروب الإسرائيلية” التي تدعمها الولايات المتحدة. وربما يدرك نتنياهو هذه المشكلة لكنه يعتبرها ثانوية في الوقت الراهن.

لكن هذا ليس الثمن الوحيد الذي قد تدفعه إسرائيل. فمحاولتها إعادة تشكيل الشرق الأوسط بشكل أحادي منذ هجوم 7 أكتوبر عبر القوة العسكرية أثارت استياء متزايدا في المنطقة.

وأشارت الصحيفة إلى أن تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان تطرح نفسها منافسا لإسرائيل بهدف كبح طموحاتها. كما يبدو أن واشنطن مترددة في استخدام الورقة الكردية ضد النظام الإيراني حتى لا تثير غضب الرئيس التركي. وهو ما يثبت أن المصالح الأمريكية والإسرائيلية ليست متطابقة بالضرورة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *