لنحتل لبنان كأن لا دولة هناك.. طوائف متناحرة لا غير


إيال زيسر

المدافع والصواريخ والمُسيرات تضج في الشمال منذ أكثر من شهر، عشرات آلاف الإسرائيليين محشورون في الملاجئ، وإسرائيل لا تعرف وجهتها وكيف ينبغي أن تعالج تهديد حزب الله.

يواصل الجيش الإسرائيلي المناورة على مسافة بضعة كيلومترات عن الحدود، وكأن الحديث لا يدور عن حرب شاملة مطلوب فيها حسم قاطع وسريع، كما ويواصل الامتناع عن الهجوم والمس بأذى حقيقي للبنية التحتية لتنظيم حزب الله – السياسية، الاقتصادية والاجتماعية. كما أنه يمتنع عن ضرب البنى التحتية للدولة اللبنانية التي تغلف التنظيم الإرهابي وتسمح له بمواصلة العمل ضدنا.

ومرة أخرى، تنطلق في مطارحنا أصوات تدعو إلى تخفيف السرعة، وكأننا رفعنا هذه السرعة على الإطلاق منذ بدأت الحرب… وأن نلقي بآمالنا على الدولة اللبنانية – على الرئيس، الحكومة، الجيش وكذا على الجمهور في لبنان – الذين يوصفون عندنا كمعارضين لحزب الله وكأنهم سيكونون هذه المرة (بخلاف الأربعين سنة التي مرت منذ قام التنظيم في لبنان)، مصممين وقادرين أيضاً، إذا ما أعطيت لهم فقط الفرصة، على نزع سلاح حزب الله.

يواصل الجيش الإسرائيلي المناورة على مسافة بضعة كيلومترات عن الحدود، وكأن الحديث لا يدور عن حرب شاملة مطلوب فيها حسم قاطع وسريع

ولكن ينبغي قول الحقيقة المريرة: يصعب على أناس عندنا أن يفهموا ويستوعبوا. لبنان ليس دولة، ولم يكن هكذا أبداً، طوال وجوده. لبنان ليس سوى جملة الطوائف والعائلات الشريفة، كل منها غير ملتزمة إلا بنفسها ومفاهيم مثل السيادة والوطنية، وهي من مصلحة الدولة والعموم بعيدة كل البعد، على أي حال.

لبنان أقيم، ومنذئذ يعيش في إطار سياسي هزيل، كل غايته السماح لعائلاته الشريفة بالحفاظ على مكانتها وتثبيت حكمها لأبناء طائفتها التي جاءت منها. هكذا هم الشرفاء المارونيون، وكلنا نذكر من عهد حرب لبنان الأولى بشير الجميل، الذي يمثل ابنه نديم وابن أخيه سامي، ومقربه أيضاً سمير جعجع، أبناء الطائفة المارونية في مجلس النواب اللبناني. كما أن رئيس الوزراء نواف سلام ابن عائلة سلام السُنية من بيروت، التي شغل بعض من أبنائها في العقود الأخيرة منصب رئيس الوزراء في لبنان، والقائمة طويلة.

إن ضعف المنظومة اللبنانية هو موضوع بنيوي، خصوصاً في دولة الولاء فيها للعائلة وللطائفة يسبق الولاء للدولة. والحقيقة أن اللبنانيين متمسكون بالإطار اللبناني الذي يعتبر مفضلاً عن البديل الذي يعرضه الشرق الأوسط، مثل سوريا التي حكمتها عائلة الأسد ويحكمها اليوم أحمد الشرع، الجهادي في ماضيه.

في كل نقطة زمنية في التاريخ، عندما كانت حاجة للدولة اللبنانية كي تقرر وتعمل، وأساساً تفرض النظام وتنفذ إمرتها وسيادتها على من يتحداها، ذابت الدولة اللبنانية بل انهارت؛ بدءاً بـ م.ت.ف في السبعينيات من القرن الماضي، ومروراً بحزب الله في عهدنا. حزب الله، بدعم وإسناد من إيران، استغل هذا الواقع ليفرض نفسه على الدولة اللبنانية وعلى اللبنانيين. فقد تمكن من تجنيد الطائفة الشيعية التي تشكل نحو ثلث سكان الدولة، وخلق عملياً دولة حزب الله في داخل الدولة، والتي تسيطر على لبنان وتفعل فيه كما تشاء.

الرئيس عون ورئيس الوزراء سلام وقفا ضد حزب الله. لكن وزراء التنظيم ما زالوا يخدمون في حكومتهما. الدولة اللبنانية أمرت بطرد سفير إيران في بيروت، لكنها غير قادرة على تنفيذ القرار، فكيف ستنزع سلاح حزب الله؟ إن الوهم بوجود لبنان آخر، غير ذاك الذي يسيطر عليه حزب الله، تفجر في وجهنا مرات لا تحصى. هكذا في العام 1982 عندما جئنا لتحرير اللبنانيين من عبء م.ت.ف واكتشفنا بأنهم غير مستعدين لقتالهم، وهكذا في عهد حرب لبنان الثانية في العام 2006 وهكذا اليوم أيضاً.

على إسرائيل أن تعمل ضد حزب الله وكأنه لا توجد دولة لبنانية، وأكثر من ذلك؛ أن تعمل ضد الغلاف اللبناني الذي يغلف حزب الله، فتسمح له بذلك بالعمل بل وحتى تساعده. ما لا نفعله نحن، لن يفعله أحد نيابة عنا.

 إسرائيل اليوم 5/4/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *