«لماذا الحرب؟» بين فرويد وأينشتاين: في معنى الإنسان الأسفل


في المراسلات المنشورة بعنوان «لماذا الحرب؟» بين أينشتاين وفرويد عام 1932، يذهب سيغموند فرويد (1856–1939) إلى أن المبدأ العام لتسوية صراع المصالح بين البشر هو «العنف»، ويؤسس ذلك على أن هذا المبدأ يُعدُّ أصلاً ثابتاً في مملكة الحيوان، التي لا يمكن للبشر أن يستثنوا أنفسهم منها، ويأتي هذا الجواب منبثقاً من نموذج «مملكة الحيوان»، الذي أسّس عليه فرويد نسقاً متكاملاً من الإجابات عن سؤالٍ أساسي طرحه عليه ألبرت أينشتاين (1879–1955): هل ثمة طريقةٌ تنقذ البشرية من خطر الحرب؟ وفي هذا المقام، تكمن أهمية هذا السؤال ونموذج «مملكة الحيوان» في كونهما شكّلا المحور الرئيسي الذي بنى عليه فرويد إجاباته عن هذا السؤال، بالإضافة إلى الأسئلة الفرعية الأخرى الواردة في المراسلات بينهما.

تسوية الإنسان بالحيوان
ومن هنا يمكن القول، إننا إذا اقتفينا مع فرويد أثر رؤيته إلى منتهاها، فإننا سنكون أمام حُكمٍ لا يرمي إلى تسوية الصراع بين البشر، بقدر ما يرمي إلى «تسوية الإنسان بالحيوان»، وفي تتبع سيرة هذه التسوية، يستحيل البشر إلى حيوانات ضارية ترى بعضُها بعضاً غذاءً وغنيمةً ، في علاقة مطّردة تُغذّي مقدّماتها نتائجَها والعكس، وحينها يتسيد العنف – خطابًا وممارسةً- بوصفه الوسيلة الوحيدة للسيطرة، بل يمتدّ ذلك أيضا إلى أن يصبح فيها الإنسان عملةً واحدة ظاهرها إنسانيٌّ وباطنها الافتراسُ؛ تُصيِّره نواةٌ عميقة في الفعل كائناً مُسيَّراً بالغريزة، وعلى هذا التقدير، تحضر الحرب بوصفها ظروفاً كاشفة لأبشع صورة لهذا الإنسان/الحيوان.

ظهور الإنسان الأسفل
وفي السياق ذاته، يحضر سؤال أساسي: هل هذا النوع من الشخصيات موجود في الحياة أم لا؟ فيمكن القول إن الواقع لا يكاد يخلو من هذا الكائن فى نسخته المنحطة، الذي نطلق عليه «الإنسان الأسفل»؛ ذلك الذي لم يرتقِ بإنسانيته، بل انحدر بها إلى دركٍ أدنى من الحيوان، يتزيّا بزيّ إنسان وتتدفق أفعاله من غريزة مفترسة لها عقل مفكِّر، وخطاب مؤسسي يحميها. ومن شواهد ذلك ما تكشّف في «ملفات إبستين» كنماذج مثالية متطرفة موجودة وفاعلة في الحياة – عزّ على الخيال أن يخلق مثلها- حيث تجسدت أفعال تلك الشخصيات في واقع يفوق في تصوّره ما ذهب إليه فرويد من أن أصل تسوية الصراع في مملكة الإنسان، هو آلية تسويته في مملكة الحيوان نفسها، وفي هذا التجاوز ذاته تكمن المفارقة؛ إذ نجد أنفسنا أمام نوع جديد من الكائنات متطرف في شذوذه وانحطاطه، له شريعته الذاتية التي تعادي الفطرة الإنسانية وتفوق الحيوانات في سلوكها، لتقوم على بنية مترابطة تجمع بين الغريزة المفترسة والعقل المفكِّر والسلطة المؤسسية، فهذا النموذج يؤسِّس للانحطاط فلسفةً وممارسةً، وأشدُّ تجلياته خطورةً حين يكون جذراً لكياناتٍ بأسرها؛ كالدول التي تقوم على «سرديةٍ ذاتيةٍ للحق المصطنع»، وتتبنى العنفَ وسيلةً لسلب حقوق الآخرين، والسطوِ على تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم؛ فهي كياناتٌ تسعى إلى الحرب لذات الحرب، بل تَعُدّ الإبادةَ وإذلالَ الآخرين – في بنية رؤيتها الكامنة للعالم- ذروةَ اللذةِ ومنتهى الاستعلاء.

التطبيع الذهني والتطويع العنيف
وعلى هذا التقدير، تصنع هذه النماذج مجال جاذبيتها الذاتية الذي يستقطب كل مفترس كامن في الآخرين يتحيّن فرصة الظهور؛ فما إن تجذبه تلك النماذج إلى مدارها حتى يتكشّف وينقلب باطنه الخفيُّ إلى ظاهرٍ جليٍّ يتماهي مع أشباهه، وعندئذٍ تُفرِّخ نماذجَ مثلها ويستنسخ آخرون تجاربها، فتتسع دائرتها وتتشابك بعُقَد من المصالح والتواطؤ والسرية، تجعلها عصية على التفكيك، ومن ثَمَّ تصنع هذه المنظومة خطابها وسلطتها الذاتية، وتجيش وسائلها لفرضه على الجميع عبر آليتين متوازيتين: أولاهما «التطبيع الذهني» الذي يُعيد رسم حدود المقبول والمرفوض تدريجيا، حتى يصبح الشاذ طبيعياً والشر مألوفا، وثانيتهما «التطويع العنيف» حين يفشل الأول في إخضاع من يقاوم؛ فتعمل التغذية المرتدة بين الفكر والممارسة في اطِّراد لا ينقطع، في مسار يحوّل «الإنسان الأسفل» من ظاهرة فردية شاذة إلى نظام بنيوى قادر على إعادة إنتاج نفسه في كيانات أكبر، وتحصين وجوده بجعل العالم على صورته.

العنف المفكِّر
ومن هنا يتجلّى سؤال أشد وطأة من سابقه: ماذا لو أصبحت هذه النماذج من الشخصيات في مواقع صناعة القرار أو اتخاذه بالنيابة عن تجمعات بشرية كبرى كالدول، وأصبحت تحت يدها ترسانة العنف المؤسسي الحديث بكل أشكاله؟ فالأرجح أننا سنكون أمام نموذج للعالم لا يحاكي مملكة الحيوان فحسب، بل يتجاوزها؛ فهو إن كان يقوم على مبادئها، كما ذهب فرويد؛ فإنه يتفوق عليها في تسوية صراعه مع كل خطاب مضاد لخطابه وممارساته، لسبب بسيط: هو أن هذه النوع الجديد للإنسان الأسفل يمتلك أدوات «للعنف المفكِّر» عزّ أن تمتلكها الحيوانات يوما، ومن ثم، فإن تسوية الصراع تصبح في صورة لم تعهدها مملكة الحيوان قط، فضلا عن أن تكون البشرية قد شهدت مثيلا لها فى تاريخها الطويل.

الصدع الوجودي
وفي مستوى آخر من النظر، نغدو أمام أزمة وجودية عميقة لكل إنسان يبحث عن المعنى، أو يحاول أن يضفي على الحياة قيمة، لاسيما مع اتساع مدار هذه النماذج وجرفها جمعا غفيرا من البشر إلى مجال جاذبيتها؛ حيث يصبح الخير والشر المعيارين في محل الشك أو اللاجدوى، وهما خياران إذا اجتمعا أو انفردا لا يفضيان إلا إلى العبث واليأس، حيث يرتطم الإنسان بأسئلة وجودية عميقة تمس جدوى الحياة برمتها! فما عساه يكون موقفُ الباحث عن المعنى أو الحياة؟
وهو سؤال تراوغه الإجابات ولا ترسى عنده؛ إذ يبلغ هذا الصدع ذروته، حين تمسك تلك الشخصيات بزمام خطاب مؤسسي يُغذّي العنف ويشرعن التمييز، ويقنن تصنيف البشر كأداة للاستباحة، فتُؤسِّس شرَّها وخيرَها الذاتي النابع من شراسة غرائزها، وتستبيح كل من لا يتماهى مع رؤيتها وممارساتها؛ فإما الدخول وإما الخروج الأبدي من الوجود، ولا غرو أن يتزيّا ذلك الخطابُ بظاهر المبادئ الإنسانية للتخفي خلفها، لكنها ستظل في جوهر رؤيته الذاتية وسيلةً للتخدير والسيطرة والإخضاع، ومن ثَمَّ الانكشاف في صورتها الحقيقية «الإنسان الأسفل» المتحكم بالمصائر، وهي المفارقة التي تُحدث الصدع الوجودي للآخر الباحث عن الحياة والمعنى وتسنزفه بالأسئلة.

ضد الحرب
وفي مقابل تلك الدائرة المظلمة، ربما يكمن الحل في دائرة مقابلة تسير في اتجاه معاكس تماماً؛ دائرة تنهل من القواسم المشتركة بين البشر، ومن الحكمة التي استخلصتها الإنسانية من مرارات الحروب المتراكمة، فصاغتها في مبادئ جامعة لحماية الجميع، ترتكز على الإنسان بمعاييره الأخلاقية، فالإنسان لا يكون إنساناً إلا بحرية اختياره أن يكون كذلك؛ والمصير إلى الحرب ليس قدرا محتوما من وجهة نظر إنسان يسعى للحياة، إذ ثمة خيارات أخرى لتسوية الصراع وتعزيز الحياة، لكن العنف يظل الحل الوحيد عند إنسان فائق الحيوانية في سلوكه لا يرى العنفَ إلا الوسيلةَ الوحيدة لتسوية الصراع بين البشر.
وجملة القول إن صفة الإنسانية التي ستظل تميّز الإنسان وتُرسّم حدوده مع الحيوان تقع في المنطقة الواقعة بين الدافع ورد الفعل، أو بعبارة أخرى بين المثير للاستجابة؛ ففي تلك المساحة يكمن المعنى الحقيقي للإنسان، بين أن يصير حيواناً مسيراً بغريزته، وأن يرتقي إنساناً يتسامي فوقها، وهي منطقة لا تستمد أصلها من قوانين مملكة الحيوان – كما ذهب فرويد – بل منبعها روح متعالية ربما تكون غير مفهومة تماماً، ومفتوحة على البحث إلى ما لا نهاية، لكنها من جنس آخر غير الحيوان. ومن هذه المنطقة ذاتها، نبع سؤال أينشتاين الجوهري الذي طرحه على فرويد: هل ثمة طريقة تنقذ البشرية من خطر الحرب؟

كاتب من مصر



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *