لا جدوى من الحرية حين تُمنح لإنسانٍ لا يعرف كيف يستخدمها



مروان ياسين الدليمي

لا شيء يُغري السينما مثل العودة إلى المسرح. فالمسرح يمنحها عظام الفكرة، والسينما تُكسِر تلك العظام لتعيد تشكيلها بلحم الضوء والظل. هذا بالضبط ما فعلته المخرجة نيا داكوستا في الفيلم الأمريكي «هيدا»، إنتاج 2025 حين أعادت إخراج النص الإبسنِي القديم من ركام القرن التاسع عشر، لتقدّمه في زمنٍ آخر لا يخصّ أحداً سوى الحاضر، حيث لا تزال الأسئلة نفسها تُطرَح عن الحرية، والهوية، والقدرة على ترويض الذات داخل أقفاصٍ أنيقة. وابتداءً من اللقطة الأولى، ندرك أن الفيلم لا يريد أن يُجسّد نص المسرحية التي كتبها عام 1891 النرويجي هنريك أبسن (1828- 1906)، بل أن يتحدّث معها كندٍّ من زمن آخر. فهنا، لا يعود الاقتباس فعلاً أدبياً، بل تجربة في المقاومة: مقاومة التاريخ، ومقاومة التفسير، ومقاومة الركون إلى ما استقر في الذاكرة الثقافية. وهنا يبدأ الفيلم في الانقسام: بين ما يحتفظ بجذور إبسن، وما يجرّب الانفلات منها دون أن يقطع الحبل السريّ تماماً.
«هيدا»، في المسرحية كما في الفيلم، ليست امرأة بقدر ما هي مرآة متصدعة للعصر. لكن داكوستا تمنحها لوناً جديداً، جسداً آخر، زمنًا مختلفاً. هذا التحويل من النرويجي البارد إلى الإنكليزي المتوتّر في خمسينات القرن العشرين ليس مجرد تحديثٍ زمني، بل اختبار لمدى مرونة المأساة الإنسانية حين تُنقل من سياقها الطبقي إلى سياقٍ عرقي وجندري جديد.
الاقتباس هنا ليس مجرد نقل، بل فعل تأويل جمالي. فالمخرجة تُعامِل النص الأصلي كما لو كان ذاكرة يمكن تفكيكها وإعادة ترتيبها، لا كمقدّسٍ يتطلّب الإخلاص الكامل. ولهذا، فإن «هيدا» الجديدة ليست إعادة تمثيلٍ لمأساة امرأة عالقة بين المجتمع والرغبة، بل قراءة في المعنى المستمر للانحباس البشري ذاته: انحباس الفرد داخل طموحه، وانحباس الجمال داخل امتلاكه، وانحباس الحرية داخل صورتها المتخيلة.

المرأة التي تعيد اختراع جدرانها

هيدا، في قراءة داكوستا، ليست الزوجة التي ضاقت ببيتٍ صغير كما في مسرح إبسن، بل امرأة ضلّت طريقها في بيتٍ أكبر مما تحتمل. القصر الذي تعيش فيه يبدو مترفًا إلى حدّ الاختناق، كلّ جدارٍ فيه يذكّرها بأنّها لم تعد قادرة على الهرب، وأنّ السجن يمكن أن يكون فخمًا، مضاءً بثرياتٍ كريستالية، لكنه يظل سجنًا مهما تغيّرت الزخارف. تلك الفكرة الجوهرية التي كانت نواة المسرحية تتحوّل هنا إلى استعارة مرئية: حبس الذات في الفخّ الذهبي، وضياع الإرادة تحت ضوء الرفاهية.
تتعامل المخرجة مع هيدا بوصفها مشروعًا فلسفيًا أكثر منها شخصية درامية. فهي لا تسأل: لماذا فعلت ما فعلت؟ بل: من تكون وهي تفعل؟ كأنّها تسحب الشخصية من فضاء الحبكة لتضعها في فضاء الفكرة. ومن هنا يكتسب الفيلم لغته الخاصة: لغة القلق. كلّ مشهد لهيدا يبدو كأنه مسحٌ نفسيّ أكثر منه سلوك سردي. في نظرتها إلى المرآة، في طريقتها في لمس الستائر، في لحظات صمتها الطويلة حين يواصل الآخرون الكلام، هناك ما يشبه حوارًا داخليًا بين المرأة وصورتها، بين الإنسان ودوره الاجتماعي، بين الكينونة وما يتطلّبه الآخرون منها لتكون.
من أبرز قراءات الفيلم أنّه لم يقدّم هيدا بوصفها ضحية بنيةٍ ذكورية فقط، بل بوصفها ضحية وعيها ذاته. هذا الانحراف عن الرؤية النسوية التقليدية لا يلغي بعدها التحرّري، لكنه يضيف إليه بعدًا أكثر عمقًا: التمرّد الذي يفقد مبرّره حين لا يجد من يوجّهه سوى الفراغ. هيدا لا تثور على زوجها أو على مجتمعها بقدر ما تثور على ذاتها التي تعجز عن الشعور. هي تعرف أنّ ما يقتلها ليس القيد، بل الملل. ولهذا فإنّ لحظة حملها للمسدّس لا تُقرأ بوصفها انتحارًا بل استعادةً لحقّها الأخير في الفعل. إنّها اللحظة التي يتحوّل فيها السلاح إلى أداة جمالية، والدم إلى توقيعٍ نهائيّ على سيرة حياةٍ لم تجد معنى في أيّ شيء سوى نهايتها.

البنية الزمنية والمكانية

من اللقطة الأولى، يُعلن الفيلم أنه لا يريد السير في طريق إبسن المستقيم. فالزمن لا يتقدّم فيه كما يتقدّم في المسرح، بل يلتفّ على نفسه مثل حبل يُشدّ شيئًا فشيئًا حول عنق الشخصية. يبدأ الفيلم من حيث ينتهي عادة كل شيء: استجوابٌ بوليسيّ في غرفة معتمة، امرأة تواجه صدى رصاصة لم نرها بعد. بهذا الاختيار، لا تضعنا المخرجة في قلب الحدث فحسب، بل في قلب المأزق الزمني ذاته. فكل ما سيأتي لاحقًا ليس إلا ارتدادًا لتلك اللحظة الأولى، محاولة لاستعادة ما حدث، أو بالأحرى، ما لم يكن ممكنًا منعه.
في المسرح، الزمن كان خطيًا، مقيدًا بجغرافيا بيتٍ واحدٍ وليلٍ واحد. أما في الفيلم، فالزمن يتشظى، والمكان يتوسع حتى يغدو مرآة لهيدا، لا جدرانًا تحاصرها. تنتقل الكاميرا بين القصر وحديقته، بين البحيرة التي تبتلع انعكاس السماء والمتاهة التي تبتلع خطوات البشر. كل مشهد هنا ليس موقعًا، بل حالة ذهنية. المتاهة ليست مجرد خلفية أنيقة، بل استعارة عن وعيٍ لا يجد طريقه، والبحيرة ليست ديكورًا، بل مرآة للخطر الكامن في الداخل، أما القصر، بطلائه الفاخر وأبوابه الثقيلة، فيبدو كجسد امرأة جميلة تخفي تحت جلدها الخوف والعجز والرغبة في الهرب.
لكن هذا الانفتاح البصري، رغم جماله الآسر، يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: هل يمكن للاتساع أن يُقنع بما كان يوجعه ضيّق المكان؟ المسرح منحنا انغلاقًا ضروريًا لفهم اختناق هيدا، بينما الفيلم يفتح الأبواب على مصاريعها، فيفقد أحيانًا ذلك الإحساس بالضغط النفسي الذي جعل النص الأصلي كغرفة بلا هواء. إنّ الحركة الدائمة للكاميرا تمنح الإغراء البصري، لكنها تنتزع التركيز عن جوهر الشخصية: امرأة تلتهمها رغبتها في السيطرة حتى على مصيرها الخاص.
التغييرات لا تتوقف عند الصورة. فإيلرت لوفبورغ، الذي كان في المسرحية رمزًا للرجل المفكر والمنافس الغامض، يتحوّل في الفيلم إلى إيلين لوفبورغ – امرأة، ومجازٌ جديد للرغبة والغيرة والتوق المكبوت. هذا التحوير لا يُحدث تغييرًا شكليًا فحسب، بل يُعيد رسم شبكة العلاقات من الداخل: لم تعد هيدا تواجه رجلاً يمثل خطرًا فكريًا، بل امرأة تُجسّد مرآة رغباتها غير المعلنة. هنا يصبح السؤال عن السلطة أكثر التباسًا: هل تكره هيدا خصمها أم تحسدها؟ هل تدمرها بدافع الغيرة أم بدافع الخوف من ذاتٍ أخرى تطلّ من داخلها؟
إذن الفيلم لا يقتبس النص، بل يعيد بناءه كما لو أنه يريد محاكمته في حاضر آخر. نحن في خمسينات بريطانيا لا في أوروبا القرن التاسع عشر، في زمنٍ تتبدّل فيه لغة السلطة والجنس والطبقة. هذا النقل الزمني لا يبدو مجرد تحديثٍ إنتاجي، بل موقف فكري من النص نفسه، محاولة لإخراج هيدا من قيدها التاريخي وإدخالها في قيدٍ جديد: قيد المعاصرة. لكنها معاصرة مشروطة، متوترة، مشغولة أكثر بسطح الصورة من عمق العاطفة.
هكذا، يصبح الفيلم كمن يزرع زهرةً في مِرآة: يراه جميلا ومضيئا، لكنه يظل بلا تربة. إنّ التحوّل من المسرح إلى السينما هنا ليس انتقالًا في اللغة، بل في الفلسفة. والنتيجة، عملٌ متألق بصريًا، لكنه مبلّل دومًا بشعور خفيّ بأنّ هيدا، مهما تغيّر شكل عالمها، لا تزال تلهث داخل قفصها الأول – قفص العقل.

الجمال والرمز

تحوّل المكان إلى استعارة كبرى عن السجن الناعم. القصر، بخطوطه الهندسية الدقيقة وأبوابه الثقيلة، يبدو مصممًا ليحتضن كل شيء إلا الحرية. لا يخرج أحد من هنا إلا عبر الخيال أو الموت. حتى الأثاث يبدو مُرتّبًا بعناية متطرفة، كأن النظام الجمالي جزء من القمع نفسه. وهنا يتقاطع البصري مع النفسي: الجمال يصبح شكلاً من أشكال التعذيب، والتنظيم يصبح وسيلة لتكريس الفوضى الداخلية. في منتصف الفيلم، تبرز المتاهة بوصفها المشهد الأكثر امتلاءً بالرمز. المتاهة الخارجية، تلك التي تتجول فيها الشخصيات في حفلٍ ليليّ ليست سوى انعكاسٍ للمتاهة الداخلية في عقل هيدا. المسارات الملتفّة، الشجيرات المتشابهة، الانعكاسات على سطح الماء، كلها تحاكي بنية التفكير الدائري لديها: كل فكرة تقود إلى فكرة أخرى، بدون مخرج. وعندما تتوه في هذا الفضاء، تبدو كأنها تتوه في دماغها الخاص، في شبكة من الأفكار المتصارعة التي لا تنتهي إلا إلى نقطة البداية.
الرمز الأشدّ قوة في الفيلم هو السلاح، تلك القطعة المعدنية الصغيرة التي ترافق هيدا منذ المشهد الأول. في المسرحية كان السلاح دلالة على التهديد والسيطرة، أما هنا فهو يتحول إلى علامة وجودية: امتدادٌ لجسدٍ يريد أن يتحكم في مصيره، ولو عبر الفناء. السلاح ليس أداة عنف، بل تمثال صغير لإرادة مكسورة. حين تمسكه، لا تمسك الحديد بل وهم القوة، وعندما تطلقه، لا تقتل أحدًا سواها.
في النهاية الفيلم يذكّرنا بأن الفن لا يُعطي الأجوبة، بل يُحيلنا إلى المرايا، تلك التي لا تعكس وجوهنا فحسب، بل تكشف ما نحاول ألا نراه في أعماقنا.
حين يُغلق الفيلم آخر لقطاته على وجه هيدا، يتبدّى لنا أن كل ما سبق لم يكن سوى محاولة بصرية لتجسيد سؤالٍ قديم بملامح جديدة: ما الذي تفعله الحرية حين تُمنح لإنسانٍ لا يعرف كيف يستخدمها؟ إبسن كتب عن امرأة أسيرة المجتمع، أما الفيلم فيكتب عن امرأة أسيرة ذاتها. وبين هاتين الصورتين تمتدّ المسافة التي تفصل بين القرن التاسع عشر وعصرنا الحالي، بين القيد الخارجي والعبء الداخلي، بين السجن الذي نصنعه وبين السجن الذي نصبحه. وحين تصل القصة إلى نهايتها، لا نشعر بالموت كخاتمة درامية، بل كتعبير منطقي عن استنزاف المعنى. في هذا المعنى، يصبح الفيلم شهادة على انتقال الفن من التراجيديا إلى التأمل، من الفعل إلى الإدراك.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *