لا تكن يعقوباً صهيونياً


بعد الحرب الخرقاء من أمريكا وإسرائيل على إيران، ومن إيران على دول الخليج، خرجت بعض الحشرات السامة من جحورها، وأعتذر عن الألفاظ الكليشيهية القاسية، لا يوجد أنسب منها للظرف والوصف، خرجت بأشكالها القبيحة وأجنحتها السامة وطنينها المقرف لتشكك المبدئيين في موقفهم، ولتزعزع الشرفاء في مناهضتهم، التي يفترض أنها طبيعية فطرية إنسانية، لآخر شكل من أشكال الاحتلال العسكري التوسعي الإجرامي في القرن العشرين، هذا النوع من العنف الهمجي الذي أنهته منظومات القوانين الدولية والحقوق الإنسانية وأعراف احترام الحدود والمواثيق. خرجت هذه الحشرات من جحورها لتضرب القضية الفلسطينية، وكأنها قادرة على تحمل المزيد من الضرب، ولتزرع الشكوك بين الخليجيين والفلسطينيين إيهاماً بتشفي الفلسطينيين في دول الخليجيين وبتحول الموقف الشعبي الخليجي لمساندة إسرائيل. خرجت الحشرات تطن طناً، وكل ما تحتاجه هو بخّة مطهرة ليزولوا ومعهم سمومهم وطنينهم القبيح.
أوضح هذه الحشرات هي الحشرات الصهيونية، تلك التي خرجت تنتحل شخصيات غزاوية لتعبر عن فرحها بضرب دول الخليج، وخصوصاً الكويت، ليتجاوب معها السذج والجهلة والانفعاليون، هؤلاء الذين لا يملكون عقلاً ولا منطقاً ولكن عاطفة خرقاء تسوقهم حيث تشاء. سرعان ما تلاشت هذه الفيديوهات القميئة بكراهيتها وسخافة فحواها والتي ضربتها تسجيلات فاضلة من داخل غزة ومن تحت القصف، فيديوهات تدعو بالنجاة والأمان لدول الخليج، والكويت تحديداً، وتعتذر عن أي إساءة ولو كانت مزورة في محاولة لتوحيد الموقف وشد الصف. موقف كبير جداً من بشر منهكين تماماً تحت ظروف إبادية قهرية يرزحون أسفلها لثلاث سنوات وتزيد.
بعدها، بدأت الصهيونية تستخدم أضعف وأجهل العقول البشرية ومن داخل مجتمعاتها لتضرب القضية وكل صور الحراك من أجلها، ليخرج علينا الصغار، سناً وأخلاقاً، السذج سلوكاً، ليعلنوا ندمهم على المقاطعة ويلوحوا بأقذر البضائع في وجوه الناس تصارعاً مع حراكها وإصراراً على إنهائها، وهم لا يدرون أنهم ينهون احترام الناس لهم، ينهون فاعلية غريزتهم الإنسانية، ينهون قدرة عقولهم البشرية على الفهم والتحليل وعلى تفعيل الذكاء العاطفي والوصل الإنساني. تشاهد هذه الشابة وهي تلوح بمشروب دموي أمام كاميرتها فتنقلب معدتك فعلياً وأنت تشهد ليس مقتل حراك المقاطعة، فهذا حراك سيحميه دوماً الشرفاء المتمسكون بالمبدأ والإنسانية الغريزية في أرواحهم، وكذلك تحميه -مفارقة- الشعوب الغربية المجبولة على احترام الحقوق والثبات على المواقف المبدئية، ولكن مقتل العقل والمنطق والحس الإنساني والذكاء العاطفي عند شباب وشابات سيملكون زمام الحياة ذات يوم، وبلا شك سيذهبون بها وبنا، لو استمروا في مسارهم، إلى الجحيم.
أنا مقاطعة، لا لست كذلك، أنا مستغنية، أنا عفيفة النفس عن كل منتج مغمس بدماء الأبرياء في أي مكان في العالم. وكلما علمت بمنتج يدخل ضمن نطاق المقاطعة من أجل فلسطين أو من أجل السودان أو بسبب عمالة أطفال أو من أجل قضية بيئية، على سبيل المثال لا الحصر، أقطعه وأقاطعه وأسوق فكرة دنسه وإلى آخر يوم في حياتي. أنا مقاطعة لأنني إنسانة لديها على أقل تقدير قدْر أدنى من المنطق، قدْر يقودها لئلا تربط فيديو منفصل عن الموقف الفلسطيني أو مزور بالأساليب المخابراتية الصهيونية المعتادة بالقضية الإنسانية الأولى في العالم، والتي لن يحيدني عنها موقف خطأ ولو أتى من أصحابها، وهؤلاء أقل القلة، حس يقودها لئلا تقبل بإبادة الأطفال المهجرين في خيامهم والرمي عليهم بالرصاص بين جثث أهاليهم الميتين واقتناصهم وهم يتراكضون ليحصلوا على كيس طحين، فقط لأن فيديو معزولاً، وفي الغالب مدسوس، خرج يفرح بضرب دولة من دول الخليج. الهدف من هذا الفيديو هو ضرب القضية الفلسطينية، هو حرق جسور الترابط بين المساندين لها والرازحين تحت نيرانها، هو قتل الغريزة الإنسانية والذكاء العاطفي الذين يفترض أن يقود الخيارات والتوجهات في طريقها الصحيح. إن هذا الضرب والحرق والقتل لكل ما هو ذكي وإنساني وطبيعي في نفوسنا لا يستهدف القضية الفلسطينية فقط، ولكنه يستهدفنا نحن كذلك بذواتنا، بأجسادنا وأرواحنا، هو يستهدف إنهاء منطقية عقولنا استعداداً لإبادتنا الجسدية القادمة في حال استسلمنا لهذه الخطة الوضيعة. سنؤكل لو رضينا بأكل الثور الأبيض.
أتفهم بالتأكيد أن هناك منتجات يصعب جداً مقاطعتها، وأن الخيارات أحياناً تكون قليلة أو منعدمة أو أن الاحتياج يكون مُلِحّاً يفوق القدرة على المقاطعة، هذه ظروف نمر بها كلنا، ولا أحد منا يستطيع الادعاء أنه قادر على قطع كل منتج ملوث. لكن يبقى أن الاضطرار لا يعني التبرير للنفس ولا التسويق لمنتج ملوث، أنت مضطر، لربما غيرك قادر على الاستغناء، فلا تكن أنت والزمن ومجرمو العالم على مجموعة أطفال أبرياء يسكنون الخيام. كما ويبقى أن حراك المقاطعة هذا يجب أن يستمر في اتجاه واحد فقط لا غير، هو اتجاه الاستغناء، مقاطعة أبدية، إيجاد بدائل وتنظيف البيوت والأجساد والمحيط من كل منتج تشوبه شائبة دم، على قدر المستطاع. أن تكون هناك عودة عن حراك المقاطعة، وأن يكون هناك تباه بهذه العودة الرخيصة، وأن يستخدم النكوص عن الموقف المبدئي كأسلوب معاقبة لعدد من الأشخاص بطريقة تضرب قضية كاملة وحراكاً كاملاً، هذا هو الجهل والتراجع العقلي والنفسي والانحدار الأخلاقي والمبدئي، تلك هي بداية النهاية لجنس بأكمله لا يستطيع أن يفرق بين أشخاص مخربين وقضية مبدئية، لا يتفهم أن الدفاع عن حياة أفراده وبالأخص عن صغاره، هو دفاع عن بقائه كجنس بأكمله.
لو لم تكن المقاطعة مؤثرة وموجعة وضارة بالكيان الطفيلي المزروع في جنبينا، لما سعت القوى الصهيونية ومريدوها وعبيدها لأن يحاربوها، لأن يصوروها حراكاً غير مؤثر، لأن يحاولوا عزلها عن المبادئ التي تقوم عليها. هناك أيضاً سلاح خفي لمحاربة المقاطعة، يتجلى في جملة «ياه، بعدكم على المقاطعة؟»، جملة يتجلى فيها إما جهل وسذاجة أو خبث أحمق يحاول أن يصور الحراك قديماً منتهياً. المقاطعة مؤثرة بشكل أبعد من كل تصوراتنا، وهي ليست مؤثرة مادياً فقط ولكن كذلك معنوياً، مبدئياً، أخلاقياً بل وسمعاتياً، حراك يعري الكيان ويضرب سمعته بما يستحق. لا تكونوا كيعقوب، هذا الذي حين واجهته السيدة الفلسطينية، في الفيديو الشهير، بسرقة منزلها قال لها «إن لم أسرقه أنا سيسرقه غيري». نحن لسنا يعقوب، لسنا إمعات، لذا نحن قاطع. لا، نحن نستغني.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *