انتقلت لارا فابنيار إلى الولايات المتحدة عام 1994 مع زوجها ووالدتها بعد تخرجها من جامعة موسكو الحكومية للتربية بتخصص اللغة والأدب الروسيين. وقالت: «كان زوجي مبرمجا، وسرعان ما وجد وظيفة. أما أنا، فكنت أجلس في المنزل: حاملا أولا، ثم أما. كان الأمر صعبا للغاية، وشعرت بالوحدة الشديدة، وللتخفيف من الاكتئاب، كنت أقرأ باللغة الإنكليزية وأشاهد الأفلام. لم أتعلم الكلام؛ لم يكن لديّ من أتواصل معه. ربما لهذا السبب ما زلت أجد صعوبة في التحدث بها، رغم أنني أتقنها».
لفابنيار شعر داكن متموج ووجه بشوش يحمل مسحة من القلق. تتحدث بهدوء، وتنتقي كلماتها بعناية. قالت إن التدريس كان وظيفتها الأولى: «ساعدت في تعليم اللغة الإنكليزية لكبار السن الروس، الذين هم بحاجة لاجتياز امتحان الجنسية. كنت بذاتي أتقن الأساسيات فقط، لكنه كان كافيا لهم. وبالطبع، لم أكسب سوى بضعة قروش». وسرعان ما اقترحت إحدى صديقات فابنيار عليها الدراسة في جامعة مدينة نيويورك برسوم شبه مجانية للحصول على درجة الدكتوراه في النقد الأدبي، كي تتمكن من التدريس فعليا. التحقت لارا بالجامعة واكتشفت أن بعض أساتذتها هناك كتاب مشهورون: أندريه أسيمان مؤلف رواية «نادني باسمك»، ولويس ميناند، الذي عمل في مجلة «نيويوركر». قررت فابنيار أن تطلعهم على القصص التي بدأت بكتابتها آنذاك. «في ذلك الوقت، لم أكن أفهم طبيعة مجلة «نيويوركر». كنت أعلم، بالطبع، أنها تحظى بالاحترام، لكنني لم أتخيل ما يعنيه النشر فيها لكاتبة شابة». عندما نشرت إحدى قصص لارا في مجلة «نيويوركر» ، أصبح لديها وكيل أدبي على الفور، ثم وقعت عقدا مع دار نشر. وفي عام 2003، نشرت مجموعة قصصها القصيرة «يهود في بيتي»، وبعد ثلاث سنوات، نشرت روايتها «مذكرات ملهمة». لم تكمل لارا دراستها. قالت: «اجتزت جميع امتحانات الدكتوراه، وهي كثيرة، لكن كان لا يزال عليّ كتابة أطروحة. لم يحدث ذلك، لأنني كنت مشغولة بالفعل مع كتبي. في النهاية، منحوني شهادة متوسطة بين الماجستير والدكتوراه، تسمى ماجستير الفلسفة».
أُطفئت الأنوار في قاعة الدراسة في جامعة نيويورك، وصدحت أصوات برودواي من خارج النوافذ. على شاشة تغطي جدارا كاملا تقريبا، عرضت فابنيار على طلابها مقطعا من مسلسل «المرآة السوداء». شرحت أساسيات سرد القصص مع التشديد على التقنيات، التي استخدمها المسلسل قائلة: «إذا أردت أن يصدق المشاهد فكرة غريبة، فقدمها تدريجيا، مع أكبر قدر ممكن من التفاصيل المحددة والواقعية». استفادت فابنيار من كتب ومسلسلات شهيرة، لتدير نقاشا حول التأثير الذي يمكن تحقيقه من خلال تغيير العناصر البنائية للقصة. في نهاية الدرس، تحدثت عن المشروع النهائي للطلاب فقالت: من المفترض أن يستخدم كل طالب مواقع التواصل الاجتماعي لإثارة ردود فعل حقيقية. تبادل الطلاب أفكارهم: أحدهم سيروي قصة من خلال سلسلة منشورات على تويتر، وآخر من خلال قصة على إنستغرام. تدرّس فابنيار الكتابة لطلاب المرحلة الجامعية الأولى في جامعة كولومبيا. وفي أكتوبر/تشرين الأول ازداد جدول أعمالها ازدحاما مع نشر روايتها السادسة «اقسمني على صفر»، وبدأت بالإعلان عنها. وقالت إن روايتها الجديدة لا تشبه أعمالها السابقة على الإطلاق. ففي السابق، كانت تبتكر شخصيات وقصصا، مستلهمة بعض التفاصيل من حياتها الشخصية. أما «اقسمني على صفر» فهي سيرة ذاتية بالكامل تقريبا. تتناول في الرواية مرض والدتها ووفاتها، وطلاقها من زوجها، وعلاقاتها العاطفية مع أستاذ جامعي ورجل أعمال ثري. وقالت: «في جميع كتبي السابقة، كانت ابنتي تحاول استخلاص التفاصيل من حياتي. أما هذه المرة، فقد كان عليها البحث عما ابتكرته بنفسي».
وقالت إنه على الرغم من شهرتها ككاتبة، إلا أنها لا تستطيع العيش برفاهية من عائداتها الأدبية وحدها، ولذا بدأت مؤخرا بكتابة سيناريو تجريبي لأحد مواقع البث الأمريكية الكبرى. وأوضحت قائلة: «هذا ليس مجرد مصدر للنقود، بل هو أيضا حلم يتحقق. لم أكن أخطط لأن أصبح كاتبة في طفولتي، لكنني أرغب بشدة أن أعمل في مجال السينما».
سفيتلانا ساتشكوفا Svitlana Satchkova كاتبة وإعلامية روسية تقيم في الولايات المتحدة .