منذ عام 2012، شهدت محافظة الحسكة سلسلة من التحولات الميدانية والسياسية التي أبرزت الصراع على النفوذ بين القوى المحلية والإقليمية. في البداية كانت بعض مناطق المحافظة تحت سيطرة فصائل مثل جبهة النصرة، فيما قام النظام السابق لاحقًا بإخلاء مناطق واسعة من الجزيرة السورية لصالح وحدات حماية الشعب YPG التابعة لحزب العمال الكردستاني، والتي تطورت لاحقًا لتصبح قوات سوريا الديمقراطية (قسد). اليوم تمثل الحكومة السورية السلطة الرسمية على الورق، بينما السيطرة الفعلية على الأرض لا تزال بيد قسد، التي تم تسليم محافظة الحسكة لها تحت يافطة ما يُسمى بـ”الاندماج”، وفق مراقبين.
ما يُعرض على الرأي العام على أنه “استعادة الدولة” ليس إلا واجهة إعلامية، إذ تبقى معظم مفاصل الأمن والإدارة والموارد تحت النفوذ الفعلي لقسد، بينما المواطن العربي يدفع ثمن هذا التخادم الطويل بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).
هذا النفوذ الفعلي تجسد في سلسلة من التحولات الميدانية التي بدأت منذ 2012، حيث خضعت محافظة الحسكة لسلسلة معقدة من النزاعات والتحركات العسكرية، والتي سنستعرضها بالتفصيل في الفقرات التالية:
مع بداية النزاع، بقيت جبهة النصرة في رأس العين، علماً أن جميع المعارك بين الجيش الحر ووحدات حماية الشعب YPG في المدينة لم تشارك فيها جبهة النصرة. ووفق قيادي في الجيش الحر طلب عدم ذكر اسمه، فقد قال: “طلبنا من جبهة النصرة مساندتنا في المعارك مع وحدات الحماية الكردية، فقالوا نحن نعتبرهم مسلمين ولا يجوز قتالهم”.
بعد ذلك، توجه الجيش الحر إلى مدينة الهول، ثم قام بتحرير تل حميس. في الوقت نفسه، انسحبت جبهة النصرة من رأس العين، لتسيطر وحدات حماية الشعب الكردية على المدينة بشكل كامل. بعد انسحاب النصرة، توجهت الأخيرة إلى معبر اليعربية، حيث سيطرت على المعبر وحقول النفط المجاورة من خلال معركة صغيرة مع بقايا قوات نظام الأسد.
دخول تنظيم داعش لاحقًا أعاد ترتيب الانسحابات والمعارك الشكلية، فيما انسحبت النصرة إلى إدلب، لتصبح الحسكة محورًا استراتيجيًا لمشروع طويل الأمد.
السياسة العسكرية لقسد منذ تأسيسها أظهرت اتساقًا غريبًا بين الانسحاب والتحرك الميداني، حيث شهدت المحافظة انسحابات مدروسة أمام الجيش السوري من الأشرفية والشيخ مقصود ودير حافر والرقة ودير الزور. الهدف لم يكن فقط حفظ القوى أو تفادي المعارك، بل إعادة ترتيب السيطرة لصالح الحسكة، مركز النفوذ الرئيسي لقسد، وإعطاء الحكومة السورية زخمًا إعلاميًا يوحي بأنها استعادت السيطرة على كامل أراضيها، بينما الواقع يثبت أن الحسكة بقيت خارجة عن سيطرة الدولة الفعلية.
حتى الانتصارات الشكلية في الحسكة تكشف التناقض الأساسي بين ما تعرضه الحكومة على أنه سيطرة فعلية وما هو واقع النفوذ الفعلي لقسد على الأرض. المعارك في هذه المناطق لم تكن حقيقية، بل لتوفير “نجاح إعلامي” للحكومة، بينما الهدف الحقيقي لقسد كان البقاء في الحسكة. السلطة اليوم شكلية بالكامل: مربعات أمنية، مؤسسات رسمية ترفع العلم السوري، وتعيين بعض الأشخاص في مناصب سياسية أو إدارية، لكنها لا تمتلك أي قدرة حقيقية على التحكم في المشهد السياسي أو الأمني أو العسكري.
الفاعل الأساسي على الأرض هو قسد، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، الذي يحدد منطق القرار والسياسة في المحافظة، بينما الدولة السورية تكتفي بالواجهة الرسمية.
اتفاق 10 آذار ومسار الدمج الوطني لقسد كان محاولة معلنة من الحكومة السورية لإدماج قسد ضمن مؤسسات الدولة وإنهاء حالة الانفصال العسكري والإداري. لكنه فشل عمليًا؛ فالهدف الحقيقي كان تبريد الغليان الشعبي تجاه قسد في الجزيرة السورية، وليس حلًا فعليًا للهيمنة الكردية.
نتيجة هذا الفشل، أصبح النقد السوري متركزًا على وجود قسد في حلب فقط، في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، بينما استمر نفوذها وسيطرتها على كامل الجزيرة السورية دون أي مساءلة حقيقية.
اليوم، ومع الإعلان عن ما يُسمى اتفاق 18 كانون الثاني، يتضح أن هذا المسلسل الطويل من التخادم أصبح مكشوفًا للجميع: مؤسسات الدولة الرسمية غطاء شكلي، الأمن والإدارة والموارد تحت السيطرة الفعلية لقسد، وأي مفاوضات أو اتفاقات مستقبلية تُكرّس الهيمنة نفسها.
في ضوء السيطرة الفعلية لقسد على الأرض، كان التسويق الإعلامي الرسمي خطوة لتمويه الواقع أمام الرأي العام المحلي والدولي. يروج الإعلام الرسمي لفكرة أن الحكومة السورية سعت لتجنب حرب واسعة في الحسكة، وأن التنازلات شكلت خطوة دبلوماسية لحماية السكان. لكن إذا كانت الدولة قادرة على فرض سيطرتها بسرعة كما حدث في الرقة ودير الزور، فلماذا لم تفعل ذلك في الحسكة؟ الواقع يكشف أن الهدف ليس حماية السكان، بل إدارة العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، الذي سيخرب أي اتفاق عملي بالكامل.
أي نجاح شكلي لا يعكس سيادة الدولة الحقيقية، بل يكشف هشاشة الموازين في مناطق النفوذ المسلح
حتى الإجراءات المعلنة، مثل نشر قوى الأمن الداخلي في الحسكة والقامشلي، تظل شكلية: لن تدخل المناطق ذات الأغلبية الكردية، ما يعكس أن السيطرة الفعلية على الأرض ستظل بيد قسد، وأن الدولة السورية اكتفت بمظاهر شكلية فقط.
حسب تصريحات إلهام أحمد، الاتفاق يشمل:
وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب القوات إلى قواعدها بعيدًا عن خطوط التماس.
تشكيل ثلاثة ألوية عسكرية في الحسكة وكوباني ضمن هيكل الجيش السوري، لكنها بقيت تحت السيطرة الفعلية لقسد.
استمرار الأمن الداخلي في مناطق انتشار قسد، دون تغيير الطواقم الأساسية.
دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن الدولة دون تغيير كوادرها، بما في ذلك حرس الحدود.
تعيين محافظ كردي من حزب العمال الكردستاني، مثل أبو عمر خانيك، يؤكد الحقيقة الأساسية: السيطرة الفعلية على الحسكة ستظل بيد الحزب القنديلي عبر قسد، بينما الأغلبية العربية تبقى خارج القرار ومعرضة للتهميش والمعاناة.
حتى الدعم الدولي من فرنسا وأمريكا لا يغير الواقع، بل يقدم غطاء شرعيا شكليا لتثبيت النفوذ الفعلي للحزب الكردي.
الحسكة اليوم نموذج حي لكيفية أن تصبح الدولة غطاءً سياسيًا لإعادة إنتاج نفوذ مسلح محلي-إقليمي. الاتفاقات الأخيرة لم تغير المعادلة، بل كرستها: سلطة شكلية، مؤسسات ترفع العلم السوري، بينما الفاعل الأساسي هو حزب العمال الكردستاني عبر قسد.
أي حديث عن استعادة الدولة أو نجاح الحكومة في السيطرة هو تمويه إعلامي لتخفيف الغضب الشعبي وتجنب مواجهة مباشرة مع الحزب القنديلي، في حين تظل السيطرة الحقيقية على الأمن والموارد والقرار السياسي والاقتصادي في الحسكة بيد الحزب.
ويظل الدرس الأهم أن أي نجاح شكلي لا يعكس سيادة الدولة الحقيقية، بل يكشف هشاشة الموازين في مناطق النفوذ المسلح، ويؤكد أن الحسكة لم تعد مجرد محافظة سورية، بل مركز نفوذ دائم لمشروع إقليمي-محلي يسيطر عليه حزب العمال الكردستاني، بغض النظر عن المظاهر الرسمية.
٭ كاتب سوري