تحتفظ المجتمعات دائماً بصور ساخرة عن نفسها وعن غيرها، وتتحول هذه الصور مع الزمن إلى جزء من الذاكرة الثقافية للشعوب. فلكل شعب نكاته التي تعكس مزاجه الاجتماعي، أو طريقته في النظر إلى العالم. فالإنكليز يوصفون بالبرود، والاسكتلنديون بالبخل، والطليان بالشجاعة. وفي العالم العربي أيضاً، تبادلت المدن والبلدان النكات، أحياناً بروح خفيفة، وأحياناً كجزء من تنافس اجتماعي وثقافي قديم.
وفي سوريا، برزت مدينة حمص بوصفها الحالة الأكثر لفتاً في هذا السياق. فاسم المدينة يكاد يقترن مباشرة بالنكتة، حتى باتت حمص تُعرف في المخيلة الشعبية مدينة للضحك والدعابة. ومع مرور الزمن، لم يقتصر الأمر على النكتة فقط، بل ظهرت رواية أخرى أكثر غرابة، وهي ربط الحماصنة بالجنون، حتى أصبح «الجنون» جزءاً من الصورة الشعبية للمدينة.
كثيراً ما ارتبط هذا الجنون بيوم الأربعاء، حتى إن السوريين، عندما يريدون الإشارة إلى أن أحدهم يتصرف بطريقة غير مألوفة، من دون اتهامه بالجنون مباشرة، يقولون له مازحين: «اليوم ليس الأربعاء»، في إشارة إلى «يوم الحماصنة». لكن لماذا رُبط الجنون والفكاهة بالحماصنة؟ هل للموضوع جذور تاريخية حقيقية؟ أم أننا أمام حكايات شعبية تراكمت مع الزمن، حتى تحولت إلى جزء من المخيلة العامة؟ وهل يمكن أن تولد مدينة ما ضاحكة، وأخرى حزينة، وثالثة شريرة؟ أم أن الأمر لا يتجاوز المزاج الشعبي والأساطير التي تكبر مع مرور الوقت؟ وربما، حتى لو كانت هذه الروايات مجرد أساطير، فإن كل أسطورة تحمل جزءاً من الحقيقة. والحقيقة في حالة حمص أن أهلها عُرفوا بالطيبة، وبالكلمة اللطيفة، وبروح الدعابة. وهذه الصفات، بحد ذاتها، قد تكون السبب في انتشار النكات عن المدينة.
حمص المدينة والتاريخ
تُعد حمص واحدة من أقدم المدن السورية، وقد لعبت دوراً مهماً في تاريخ المنطقة عبر قرون طويلة، ومع ذلك، لم تُعرف المدينة في المخيلة الشعبية بتاريخها السياسي، أو العسكري بقدر ما عُرفت بنكاتها وحكاياتها الطريفة. وتنبع هذه النكات عادة من روح المرح والدعابة التي يتسم بها سكانها، لكنهم أيضاً، في الوقت نفسه، أصبحوا هدفاً للنكات. هناك من حاول تفسير ذلك من خلال أحداث تاريخية معينة. ومن بين هذه الأحداث، تبرز قصة الجغرافي الشهير ياقوت الحموي، الذي زار حمص في بدايات القرن الثالث عشر، فقد وجد ياقوت، خلال زيارته، أن بعض أهل المدينة يميلون إلى الإمام علي أكثر من معاوية. وكان ياقوت الحموي، كما يبدو من كتاباته، معارضاً للتشيع، ولذلك لم يرق له موقف أهل المدينة. كتب ياقوت في كتابه الشهير «معجم البلدان» وصفاً لحمص قال فيه:
«ومن عجيب ما تأملته في أمر حمص فساد هوائها وتربتها اللذين يفسدان العقل حتى يضرب بحماقتهم المثل». كان هذا الوصف قاسياً، وربما نابعاً من موقف سياسي أو مذهبي. وهنا نرى كيف ربط ياقوت بين الجنون وعدم موافقة الرأي. فكأن كل من لا يوافقه هو شخص مجنون. ولعلنا حتى يومنا هذا، كثيراً ما نصف الرأي المخالف بالجنون، وصاحبه بالمجنون. لكن هل كان ياقوت الحموي السبب الوحيد في ربط حمص بالجنون؟ ربما لا.
تيمورلنك.. الجنون كحيلة للنجاة
بعد زيارة ياقوت الحموي لحمص بقرنين تقريباً، كانت المدينة على موعد مع حكاية أخرى، أكثر غرابة. ففي أواخر القرن الرابع عشر، اجتاحت جيوش تيمورلنك بلاد الشام. وكان تيمورلنك أحد أقوى الحكام في آسيا الوسطى، وقد اشتهر بقسوته الشديدة، وبالمجازر التي ارتكبها في المدن التي غزاها. تروي بعض الروايات أن تيمورلنك اجتاح مدينة حلب أولاً، وارتكب فيها مجازر كبيرة، حتى تحدثت بعض المصادر عن بناء برج من الجماجم. وبعد ذلك، سارت جيوشه نحو حمص. وهنا تتضارب الروايات. فبعضها يقول إن أهل المدينة قدموا الهدايا لجنود تيمورلنك، فتخلى عن قتالهم ومضى إلى دمشق. لكن رواية أخرى أكثر انتشاراً تحكي قصة مختلفة. تقول هذه الحكاية الشعبية إن أهل حمص، عندما علموا باقتراب جيوش تيمورلنك، اجتمعوا للتشاور. واقترح أحد الوجهاء فتح أبواب المدينة أمام المغول، لكن مع تنفيذ خطة غريبة. وصادف أن يكون ذلك في يوم الأربعاء. عندما دخل المغول المدينة، فوجئوا بمشهد غير متوقع. كان أهل حمص قد ارتدوا ثيابهم بالمقلوب، ويتحدثون بلغة غير مفهومة، ويسيرون بطريقة غريبة، ويتظاهرون بأنهم مجانين. خاف الجنود مما رأوه، وظنوا أنهم أمام مدينة مصابة بالجنون. وكان الاعتقاد سائداً في ذلك الزمن أن الجنون مرض قد ينتقل عبر الهواء، أو عبر ملامسة الأجساد، ولذلك، قرر الجنود الانسحاب، وترك المدينة دون قتال. الطريف في هذه القصة أن الجنون هنا لم يكن دليلاً على الغباء، بل على الذكاء. فقد تحول «الجنون» إلى وسيلة للنجاة، وأصبح جزءاً من ذاكرة المدينة. ومنذ ذلك الوقت، ارتبط اسم حمص بالنكتة والجنون والذكاء في آن واحد.
يوم الأربعاء.. عيد الحماصنة
يوم الأربعاء، أو «يوم الحماصنة» كما يقال، عبارة تتردد كثيراً في الثقافة السورية. لكن هل يعود هذا الربط إلى قصة تيمورلنك فقط؟ أم أن هناك أسباباً أخرى؟ يعتقد البعض أن السبب الأهم يعود إلى الطقوس الصوفية التي كانت تميز المدينة. فقد عُرفت حمص بتاريخها الصوفي العريق، وبالطرق الصوفية المختلفة التي انتشرت فيها، مثل الطريقة الرفاعية والقادرية. وكانت هذه الطرق تقيم احتفالات خاصة، تشبه الكرنفالات الشعبية. يخبرنا بعض المؤرخين أن حمص كانت تحتفل سنوياً بما يسمى «أعياد الربيع القديمة»، وهي أعياد يعود بعضها إلى ما قبل الإسلام، وبعضها الآخر إلى الطرق الصوفية. ومن هذه الأعياد: خميس الضايع، وخميس الشعنونة، وخميس المجنونة، وخميس البنات، وخميس الأموات أو خميس الحلاوة، وخميس المشايخ. كانت هذه الاحتفالات تبدأ في شهر آذار/مارس وتنتهي في نيسان/أبريل، ويتم الإعلان عنها في أول أربعاء من شهر مارس. وبعد ذلك، تنطلق الاحتفالات والكرنفالات في المدينة لأسابيع عدة. في هذه الكرنفالات، كانت تُمارس طقوس تبدو أحياناً غريبة. كان الناس يرتدون أزياء غير معتادة، وتعلو الضحكات في الشوارع، وتُكسر بعض القواعد الاجتماعية. وكان الهدف من هذه الطقوس، كما يرى بعض الباحثين، هو كسر رتابة الحياة اليومية، والعودة بعدها إلى الحياة الطبيعية.
ومن الطقوس اللافتة «خميس الحلاوة»، حيث كان النساء يذهبن إلى المقابر ويوزعن الحلوى على أرواح الأموات. أما «خميس المشايخ»، فقد كان طقساً استمر حتى عام 1954، حيث يركب مشايخ الطرق الصوفية الحمير، ويتظاهرون بالبلاهة، وسط أجواء من الضحك والمرح. ولعل هذا الطقس يذكرنا بطقس آخر التقطه الأنثروبولوجي المغربي عبد الله حمودي في كتابه «الأضحية وأقنعتها داخل المغرب،»، حيث لاحظ أن نساء القرية يخرجن من القرية بينما يقوم الرجال بارتداء ثياب الحيوانات. وفي سياق تحليله، وجد حمودي أن هذه السلوكيات لا تعبر عن طقوس وثنية بالضرورة ظلت موجودة في طقوس المنطقة، بل هي جزء من المقدس، أو ما يسميه روجيه كايوا بـ»مقدس الانتهاك»، وهو جزء من المقدس الإسلامي. وفي «مقدس الانتهاك» يتم تجاوز ما هو معمول به من نظم وقوانين وعادات، أي «مقدس الاحترام»، لفترة وجيزة، لتعود بعدها الحياة إلى طبيعتها وقوانينها. بهذا المعنى، لا تبدو طقوس حمص مجرد مظاهر غرائبية أو سلوكيات «مجنونة» كما وصفت أحياناً، بل تبدو جزءاً من بنية ثقافية ودينية أعمق، تقوم على ما يمكن تسميته «مقدس الانتهاك الإسلامي»؛ أي تلك اللحظات التي يسمح فيها المجتمع لنفسه بكسر القواعد مؤقتاً، ليعود بعدها إلى نظامه المعتاد أكثر تماسكاً. وفي هذا السياق، يصبح الضحك ليس خروجاً عن النظام، بل جزءاً من إعادة إنتاجه، ويصبح «الجنون» لحظة منظمة ومؤقتة، لا تهدف إلى الفوضى، بل إلى استعادة التوازن.. ولعل هذا ما يجعل نكتة حمص أكثر من مجرد نكتة عابرة، فهي ليست فقط نتاج روح الدعابة لدى أهل المدينة، بل هي انعكاس لتاريخ طويل من الطقوس الاجتماعية والدينية التي أتاحت مساحة للمرح وكسر القواعد، ثم العودة إلى الحياة اليومية. وهكذا، فإن الجنون الذي ارتبط بحمص لم يكن جنوناً مؤلماً، بل جنوناً مرحاً، يعكس روح الدعابة والذكاء، والقدرة على تحويل الضحك إلى أسلوب حياة.
كاتب سوري