كيف تعيد كلير تابوريه صياغة الضوء في نوتردام؟


«عندما تعيش في بلدٍ يزخر بالتاريخ والعمارة والتراث، لا يمكنك تجميد الزمن«. بهذه العبارة تختصر الفنانة كلير تابوريه Claire Tabouretموقفا فلسفيا يتجاوز حدود الفن ليطال سؤال الوجود ذاته: هل التراث كيان ثابت يُحفظ كما هو، أم كائن حيّ يتحوّل مع تعاقب الأزمنة؟
في فضاءٍ مثل نوتردام في باريس، حيث تتراكم القرون في طبقات من الحجر والزجاج والضوء، يبدو التاريخ وكأنه مادة صلبة، مكتملة، مكتفية بذاتها. غير أن قول تابوريه يقوّض هذه النظرة السكونية، ويدعو إلى فهمٍ ديناميكي للذاكرة الجماعية. فالزمن، في رؤيتها، ليس خصما للتراث، بل شرط استمراره؛ وما يُراد له أن يبقى لا بد أن يعبر الحاضر، وأن يخضع لتحوّلاته، وإلا تحوّل إلى أثرٍ ميت، محفوظٍ خارج الحياة.
يشكّل مشروع الفنانة الفرنسية تابوريه المعنون «بنفس واحد» محطة فنية بارزة في سياق إعادة إحياء كاتردائية نوتردام في باريس، بعد حريق عام 2019. وقد عُرضت الدراسات التحضيرية للمشروع في القصر الكبير في باريس، حيث قُدّمت نماذج بالحجم الكامل لست نوافذ زجاجية ملوّنة صُمّمت خصيصا للكاتدرائية. يطرح هذا المشروع سؤالا جوهريا: هل ستُنفّذ هذه الأعمال فعلا داخل الكنيسة، أم ستظل في إطار العرض الفني؟
سياق المشروع وإطاره المؤسسي
يأتي المشروع ضمن خطة الدولة الفرنسية لإعادة تأهيل نوتردام، بإشراف وزارة الثقافة والأبرشية الباريسية. وقد فازت تابوريه بمسابقة رسمية لتصميم ست نوافذ مخصّصة للجانب الجنوبي من صحن الكاتدرائية. تشير المعطيات الرسمية إلى أن المشروع قيد التنفيذ بالفعل، ومن المخطط تركيب النوافذ الجديدة داخل الكاتدرائية بعد اكتمال تصنيعها، والمتوقع أن يتم ذلك هذا العام 2026. بناء عليه، ووفق المعطيات الحالية، فإن المشروع ليس مجرّد مقترح، أو تجربة فنية، بل جزء من خطة تنفيذية جارية. وإذا عدنا للمعرض الذي زرته في القصر الكبير نشهد على ضخامة الحدث وإبراز هذه النوافذ بحجمها الطبيعي، هي ليست مجرّد مشروع نظري، أي نماذج ضخمة بالحجم الواقعي، بل هو عمل جارٍ تنفيذه، يكشف مسارا إبداعيا متكاملا. تضمّن المعرض رسوماّ أولية وتحضيرية، بالإضافة إلى تجارب لونية مستندة إلى موضوع العنصرة (Pentecost) بوصفه رمزا للوحدة والروح الجماعية.

الجدل بين الحفاظ على التراث والتجديد


رغم الطابع الرسمي للمشروع، فقد أثار نقاشا واسعا في الأوساط الثقافية والتراثية. فالنوافذ التي سيجري استبدالها تعود إلى تصميمات القرن التاسع عشر المرتبطة بأعمال المهندس المعماري Eugène Viollet-le-Duc، الذي كان له دور محوري في ترميم الكاتدرائية آنذاك. يرى المدافعون عن التراث أن إدخال أعمال معاصرة في صرح قوطـي تاريخي يهدد الانسجام التاريخي للمبنى، بينما يعتبر مؤيدو المشروع أن نوتردام، عبر تاريخها الطويل، كانت دائما فضاء حيا يتفاعل مع الأزمنة المتعاقبة، وأن إدراج فن معاصر يشكّل امتدادا لهذا التراكم التاريخي لا قطيعة معه.

الدلالة الفنية والروحية
تتبنّى تابوريه مقاربة لونية شفافة تحافظ على وفرة الضوء داخل الكاتدرائية، بخلاف بعض الزجاجيات القوطية الداكنة. ويعكس موضوع العنصرة حضورا جماعيا للشخصيات، في تكوينات تستدعي مفهوم «النَفَس الواحد» وهو ما يحيل إلى الروح المشتركة والتلاقي الإنساني. من الناحية الجمالية، يجمع المشروع بين الحسّ التعبيري المعاصر وتقنيات الزجاج التقليدية، مما يضعه عند تقاطع الفن الحديث والعمارة الدينية التاريخية. تتجاوز الدلالة الفنية والروحية لهذا المشروع حدوده البصرية لتلامس أفقا فلسفيا أعمق يتعلق بمعنى الضوء والجماعة والزمن داخل الفضاء المقدّس. ففي العمارة القوطية لم يكن الضوء عنصرا زخرفيا، بل تجلّيا رمزيا للحضور الإلهي، وتأتي مقاربة كلير الشفافة لتعيد تفعيل هذا المعنى عبر تحرير الضوء بدل تكثيفه، بحيث يظل الداخل مشبعا بصفاء يربط بين العالم الخارجي والحيّز الروحي. هنا لا تصبح النافذة مجرد سطح ملوّن، بل عتبة حسية بين المرئي واللامرئي، بين الحجر الصلب والحركة المتبدلة للنهار.
واختيار موضوع العنصرة يمنح التكوين بعدا إنسانيا يتجاوز دلالته العقائدية، إذ يحضر الجمع بوصفه كيانا نابضا لا أفرادا متفرقين، في استدعاء لفكرة «النَفَس الواحد» التي توحي بروح مشتركة تتخطى حدود اللغة والهوية. الشخصيات المتجاورة، بألوانها المتدرجة، تبدو وكأنها تتشارك طاقة داخلية واحدة، فتتحول التجربة البصرية إلى استعارة عن التلاقي الإنساني في عالم معاصر يبحث عن أشكال جديدة للانتماء. يكتسب هذا العمل بعدا تاريخيا إضافيا؛ فالكاتدرائية نفسها لم تكن يوما بنية جامدة، بل ثمرة تحولات متعاقبة عبر القرون. إدخال رؤية معاصرة إلى فضائها لا يمثّل قطيعة مع الماضي بقدر ما يندرج في استمرارية حية، تؤكد أن التراث لا يُصان بالتجميد، بل بإعادة التأويل. وهكذا يجتمع الحس التعبيري الحديث مع تقنيات الزجاج التقليدية في حوار بين الذاكرة الحرفية والرؤية الراهنة، ليصبح المشروع محاولة لإعادة تعريف معنى المقدّس في زمننا: فضاء يتنفس عبر الضوء، ويحتضن الإنسان في جماعته، ويثبت أن التاريخ، كي يبقى، لا بد أن يظل في حالة صيرورة دائمة.
إن تجميد الزمن يعني افتراض أن لحظة تاريخية بعينها تمثل ذروة الكمال، وأن ما بعدها ليس إلا نقصانا. لكن العمارة الكبرى، مثل الكاتدرائيات القوطية، لم تُبنَ في لحظة واحدة، بل عبر أجيال متعاقبة، أضاف كل منها طبقة جديدة من المعنى. من هذا المنظور، لا يكون إدخال عمل معاصر في صرح تاريخي فعل قطيعة، بل استمرارا لمسارٍ لم يتوقف يوما.
بهذا المعنى، يصبح مشروع «النفس الواحد» ليس مجرد تدخل جمالي في فضاء معماري، بل موقفا فكريا من الزمن ذاته: دعوة إلى أن نتعامل مع التاريخ بوصفه نهرا جاريا، لا بحيرة راكدة. ففي المجتمعات التي «تزخر بالتاريخ»، كما تقول تابوريه، لا يكون التحدي في حفظ الماضي، بل في جعله قابلا للتنفس من جديد بنَفَسٍ واحدٍ يصل بين الأمس واليوم.
يبقى السؤال الأعمق ليس حول التنفيذ فحسب، بل حول طبيعة العلاقة بين التراث والحداثة: هل ينبغي للمعالم التاريخية أن تُجمّد في زمنها، أم أن استمرارها مشروط بقدرتها على استقبال الحاضر؟ في هذا السياق، يشكّل مشروع كلير تابوريه اختبارا ثقافيا وفنيا حاسما لمستقبل أحد أهم الرموز المعمارية في أوروبا.

باحثة وأكاديمية لبنانية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *