كلهم يقرأون هابرماس!


يوم أمس، مات فيلسوف ألماني عظيم يدعى يورغن هابرماس بعد أن عاش قرناً إلا أربع سنوات.. لا أدري هل عليّ أن أكون حزينة لأنني لم أقرأ له عملاً، أم أنسى الأمر؛ لأنني لا أملك 96 سنة لكي أقرأ كل شيء!
أتذكر، قبل سنوات، أن صديقة اقترحت عليّ قراءة كتابه المركزي «نظرية الفعل التواصلي»، ولما وجدته كتاباً كبيراً من جزأين، فكرت أن لا آخذ اقتراح صديقتي بكثير من الجدية، خاصة لأنها وفرت عليّ كثيراً حين شرحت جوهرة نظريته، وهي نظرية تدعو للتواصل والحجاج المنطقي وفق فرصة حديث متكافئة للجميع، وهذا الشرط غير متوفر في مجتمعنا، ثم إنه في المجتمعات العاطفية التي تحاجج بالشعر والأغاني والهتافات، تبدو عبارة «حجاج منطقي» غير مفهومة.
عموماً، استيقظت صباح أمس، ودخلت منصة «اكس» لأتابع آخر أخبار الحرب، التي أضحت المدينة التي أعيش فيها جزءاً ساخناً من ساحتها، وهي مدينة مسالمة بطبعها، غير معنية بأسباب الصراع، ولكن أطراف الصراع المجانين لا يتركون المدن الهادئة بحالها. لذلك، أستقبل مع سكان هذه المدينة حصتنا اليومية من الصواريخ والمسيرات، وكأن الحياة خلقتني لكي أعايش تطور الأجيال الجديدة من الصواريخ. فبينما أصبحت طفولتي على علاقة وثيقة بصواريخ كروز طيبة الذكر، ظهرت الصواريخ الباليستية ذات الاسم الموسيقي الجميل لتفرض نفسها على حياتي.
المهم، لم أصادف في منصة «اكس» أي خبر عن الحرب، حتى حسبت أنها انتهت، ولكني صدمت من «التايم لاين» الذي يبكي رحيل السيد هابرماس. يا إلهي، ما هذا؟ كيف تجاهلت نصيحة تلك الصديقة وأصبحت الوحيدة هنا التي لا يتقطع قلبها حزناً على هابرماس؟ حتى إن وجهي احمر خجلاً، لكني استعدت هدوئي بعد أن رأيت شخصاً من معارفي، ليس له علاقة بعالم الكتب على الإطلاق، ولم يقرأ كراساً واحداً في حياته سوى كتب المدرسة، كتب أو كتب له الذكاء الاصطناعي مرثية عظيمة بحق الفيلسوف الراحل، معدداً مزاياه المعرفية ومقتطعاً عنه اقتباسات مدوية، فشكرت الله لأنني تأكدت أنهم كلهم يقرأون خبر موت هابرماس وليس كتابه الضخم الذي لا ينفعنا نحن المبدعين بالمراثي.
الحقيقة أن الحزن على الفلاسفة في عالمنا العربي صار طقساً ثقافياً يشبه إلى حد بعيد الحزن على المطربين. الجميع يعرف الأغنية، لكن القليلين فقط يعرفون المقام. الجميع يردد الاسم، لكن القليل يعرف الفكرة. وهكذا يتحول الفيلسوف إلى مناسبة اجتماعية لطيفة، مثل عيد ميلاد ثقافي نرتدي فيه بدلة المعرفة ونلتقط صورة سريعة ثم نعود إلى حياتنا الطبيعية.
تخيلت فجأة لو أن هابرماس نفسه فتح منصة «اكس» ليرى هذا الحداد الجماعي. ربما سيصاب بدهشة فلسفية حقيقية. رجل أمضى عمره كله يدافع عن النقاش العقلاني وعن فضاء عام يقوم على الحجة لا على الضجيج، سيجد نفسه فجأة بطلاً في مهرجان من الضجيج نفسه. آلاف التغريدات، مئات الاقتباسات، وكلها تتحدث عن الحوار العقلاني بطريقة لا علاقة لها بالحوار أصلاً.
ربما لو كان أكثر واقعية لكتب كتاباً جديداً بعنوان «نظرية الفعل التغريدي».
ومع ذلك، لا أريد أن أكون قاسية على هذا المشهد؛ ففي داخل هذه الكوميديا الرقمية شيء لطيف أيضاً. ربما لا نقرأ الفلاسفة فعلاً، لكننا نحب فكرة أنهم موجودون. نحب أن نشعر أن العالم لا يزال يحتوي على أشخاص يفكرون بعمق بينما نحن منشغلون بالنجاة اليومية من الأخبار والأسعار والصواريخ.
في الحقيقة، الحياة في هذه المنطقة من العالم لا تترك للمرء الكثير من الوقت لكي يصبح قارئاً مثالياً للفلسفة الألمانية الثقيلة. عندما تكون مشغولاً بتتبع صفارات الإنذار أو أسعار الخبز أو انقطاع الكهرباء، يصبح من الصعب أن تجلس بهدوء لتناقش شروط الخطاب العقلاني في الفضاء العام.
الفضاء العام عندنا غالباً ما يكون فضاء لانقطاع الإنترنت.
لذلك، ربما من حقنا أن نكتفي بالمراثي. المرثية جنس أدبي مناسب جداً لبيئتنا الثقافية. نحن بارعون في البكاء البلاغي، وفي تحويل الحزن إلى جمل جميلة. وربما لهذا السبب نبدو جميعاً فجأة خبراء في فلسفة هابرماس عندما يموت.
فنحن في النهاية لا نحتاج أن نقرأ الفلاسفة لكي نحزن عليهم؛ يكفي أن يموتوا. الموت دائماً حجة قوية، أقوى بكثير من الحجاج المنطقي الذي تحدث عنه هابرماس طوال حياته.
ومع ذلك، أعترف بشيء صغير بعد كل هذا الكلام الساخر. ربما عليّ فعلاً، يوماً ما، أن أقرأ ذلك الكتاب الضخم الذي تجاهلته قبل سنوات. لا لأن «التايم لاين» يطلب ذلك، ولا لأن الجميع يكتب مراثي عبقرية عنه، بل لأن الفكرة التي تلخصها صديقتي بدت جميلة بشكل غريب.
فكرة أن الناس يمكن أن يجلسوا معاً ويتحدثوا بهدوء، ويحاول كل واحد منهم إقناع الآخر بالحجة لا بالصراخ.
فكرة تبدو في عالمنا خيالية قليلاً، لكنها على الأقل أجمل بكثير من الصواريخ مراثي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *