برغم الصمت الدولي على شن الولايات المتحدة الأمريكية حربها على إيران، فما أكثر الأصوات الحرّة التي انطلقت بأقلام الكتّاب أو من حناجر الخطباء في أنحاء العالم لإدانة ذلك العدوان والمطالبة بوقفه الفوري.
لقد ظنّ الرئيس الأمريكي ومستشاروه أن الحرب سوف تنتهي في بضعة أيام، فلدى أمريكا من السلاح ما يفوق ما تملكه إيران أضعافا، خصوصا قوتها الجوية. ولكن الواضح أنها لن تتوقف قريبا. وقد قالها الإيرانيون من قبل: أمريكا قرّرت بدء الحرب ونحن الذين نقرر متى تنتهي. فبرغم التفوق العسكري النوعي والكمّي الأمريكي، لكن الواضح أن الحرب ليست محصورة بالسلاح، وأن الإيرانيين يملكون نفَسًا طويلا. وكان بإمكان ترامب أن يقرأ التاريخ المعاصر ليكتشف أنهم استمروا ثماني سنوات في الحرب مع العراق في الثمانينيات، وأنهم يعتبرون أنفسهم في “حرب مفتوحة” مع ما يسمّونه “قوى الاستكبار” منذ انتصار ثورتهم في العام 1979. وبرغم ما واجهوه من ضغوط سياسية واقتصادية وحصار دام أكثر من أربعة عقود، فقد استطاعوا أن يطوّروا صناعاتهم العسكرية ويصنعوا من الصواريخ ما عجزت القوة الأمريكية عن تدميره برغم استخدامها أقوى القنابل. وليس مستبعدا أن يكون ترامب قد وقع في الفخ الذي وضعه له بنيامين نتنياهو، الذي أراد من أمريكا أن تخوض حربا مع إيران بالنيابة عن “إسرائيل”.
في الأسبوع الماضي وصفت الكاتبة والأديبة الهندية الشهيرة، أرونداتي روي أمريكا بأنها ” قوة إمبريالية متضخّمة، كاذبة، مخادعة، جشعة، مستولية على الموارد، تُلقي القنابل، وحلفاؤها الذين يحاولون إخضاع العالم بأسره بالقوة”. واستمر مقالها المتميز بشيء من جلد الذات قائلة: أي نوع من الناس نحن الذين لا تستطيع حكومتنا المنتخبة أن تنتفض وتدين الولايات المتحدة عندما تختطف وتغتال رؤساء دول أخرى؟ هل نرضى أن يُفعل بنا ذلك؟ أن يسافر رئيس وزرائنا إلى إسرائيل ويعانق نتنياهو قبل أيام فقط من هجومه على إيران”.
أما الكاتب والمؤثر الأمريكي ستيف سيبولد فقد انتقد ما وصلت إليه أمريكا وأنها ما عادت آمنة مضيفا أن “ترامب رجل بلا أخلاق ويكذب على أنصاره.. الأمر أصبح محرجًا لهؤلاء الناس الذين يمكن خداعهم بهذه السهولة. فقد خرج وقال إن الحرب سوف تنتهي بسهولة ليهدّئ الأسواق التي اهتزّت”
ليس مستبعدا أن تتحول الحرب الأمريكية الحالية في الخليج إلى مستنقع على غرار حرب فيتنام. فالقوّة العسكرية ليست وحدها التي تقرّر مسارات الحروب. فإذا كان الرئيس الأمريكي يسعى لتحقيق “انتصار” سريع يساهم في تحسين حظوظه في الانتخابات الرئاسية التي ستُجرى بعد عامين، فإن عليه أن يضع جنوده على الأرض، فالحروب لا تُحسم من الجو فحسب. كما أن أي تراجع عسكري أو سقوط عدد كبير من الضحايا الأمريكيين سوف ينعكس سلبا على تلك الحظوظ، وقد يؤدي لخسارة مدوّية لهذا الرئيس الذي كان الحظ حليفه في كثير من المواقع. فقد كانت فضيحة “إبستين” كافية لإسقاطه من الرئاسة ولكنه أفلت منها. تلك القضية تشبه قضية بروفوميو في العام 1963 وهي فضيحة سياسية وجنسية بريطانية هزت حكومة المحافظين. فقد أقام وزير الحرب جون بروفوميو علاقة مع عارضة الأزياء كريستين كيلر، التي كانت مرتبطة أيضاً بملحق عسكري سوفياتي. تسببت الفضيحة في استقالة بروفوميو بعد الكذب أمام البرلمان، وساهمت في سقوط حكومة هارولد ماكميلان، وسط مخاوف من خرق أمني. أيًّا كان الأمر، فقد اهتزت مكانة ترامب في نفوس الناخبين، وربما دفعه ذلك لشن العدوان على إيران بالتعاون مع “إسرائيل” على أمل أن يحظى بدعم اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن يبدو أن ذلك لن يتحقق، وأن أمريكا ستمر بمرحلة عصيبة إذا لم تنته الحرب عاجلا.
عندما يُربط مصير البشر برغبات الحاكم، المنتخب وغير المنتخب، لا تستقيم أمور البلد الذي يحكمه. فقد خلق الله البشر ومنحهم عقولا قادرة على توجيه مساراتهم في طرق الحياة السياسية وغيرها. وعندما يتسلط عليهم حاكم لا يخضع لقيم أو مبادئ بل يتعامل مع المنصب والشعب بغرور وكبرياء، فإن أمورهم لا تستقيم، بل يصبح البلد في مهب الريح. وأمريكا لن تكون شاذّة عن هذه القاعدة، وما دام ترامب متربّعا على سدّة الرئاسة فإن مصيرها الى الحروب والخسائر، وستبقى محل سخط البشر. وحتى الآن اعتقدت أمريكا أن امتلاكها القوة الاقتصادية والعسكرية يغنيها عن الاحترام العالمي. ولكن ما يحدث الآن إنما هو تكرار لمشاهد التاريخ المعاصر وقصصه ودهاليزه.
كان ترامب يأمل أن تساعده الظروف الداخلية في إيران على تحقيق أهم أهدافه: إسقاط النظام. فهو لا يخفي أن ذلك أحد أهدافه برغم محاولاته تغليف ذلك بدعاوى أخرى، مثل القضاء على المشروع النووي الإيراني. ولطالما وجّه دعواته للشعب الإيراني أن “يثور” ويسقط النظام، ولكن ذلك لم يتحقّق. فكيف يستمع شعبٌ صنع ثورته وتعرّض لأصناف العقوبات الأمريكية وذاق طعم الحصار عقودا، لدعوة تنطلق من واشنطن وتهدف لإخضاعه بقوة السلاح. كيف يمكن أن يهرع ضحايا الصواريخ الأمريكية التي قتلت قادتهم وعلماءهم ودمّرت بلادهم للانخراط في مشروعها السياسي الذي لا يخفي انحيازه المطلق للكيان الإسرائيلي الذي بدأ الحرب عليه في شهر الصوم بدون مراعاة لأوضاعه أو احترام لعقائده؟ يعلم الشعب الإيراني أن هناك بعض من دخل في تحالف مع الصهاينة لإسقاط النظام ثم احتلال إيران. وتمادى هؤلاء في تحالفهم حتى أصبحوا يرفعون الأعلام الإسرائيلية والأمريكية إلى جانب علمهم الذي ارتبط بعهد الشاه، في كل تظاهرة أو تجمّع. إنها تصرّفات خارجة عن اللباقة والحصافة، وتكشف حقيقة نوايا حكام أمريكا ومحتلّي فلسطين. هذا الاستعجال في إظهار هوية الحكم الذي يتحركون لإقامته بديلا لنظام الجمهورية الإسلامية يساهم بشكل مباشر في تهميش مجموعات المعارضة بشكل كبير. فلدى الإيرانيين مشاعر وطنيّة عميقة تجعل الشرفاء منهم يرفضون تمكين الآخرين من احتلال أرضهم أو توجيه مسارهم. وهناك من أطياف المعارضة من يعمل داخل البلاد او خارجها ولكن بقدر من احترام النفس ورفض التدخل الاجنبي وتحاشي الانتماء لأمريكا أو “إسرائيل.” وبرغم الجهود الأمريكية والإسرائيلية لخلق ظروف أمنية وعسكرية خطيرة بهدف منع مسيرات يوم القدس العالمي التي يشارك فيها الملايين في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك، فمن غير المحتمل منع خروجها بشكل كامل، ويستحيل أن تتوقف.
لقد أصبحت أمريكا في عهد ترامب في حالة اضطراب ذهني وسياسي، فهو شخص لا يمتلك نظريات سياسية أو مقولات متميّزة، بل هو رجل أعمال يحرّكه منطق المصلحة والمعاملات التجارية. ولذلك ساهمت سياساته في استعداء الأصدقاء، تارة بسعيه لإضعاف حلف الناتو بانتقاد الدول الأعضاء بشكل حاد، وأخرى بمحاولة السيطرة على جزيرة “غرينلاند” الخاضعة لسيادة الدنمارك، حتى اضطرّت رئيسة وزرائها ميتي فريدريكسن، لمطالبته بالتوقف عن التهديد بضمها وإلا انسحبت من الناتو، وثالثة بانتهاج سياسات مختلفة عن حلفائه.
اهتزت مكانة ترامب في نفوس الناخبين، وربما دفعه ذلك لشن العدوان على إيران بالتعاون مع “إسرائيل” على أمل أن يحظى بدعم اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية
فالمواقف البريطانية الأخيرة، سواء على المستوى السياسي أو العسكري، بدت أقل انسجاما مع السياسات التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن مستقبل التنسيق داخل حلف الناتو، وطبيعة التموضع الأوروبي في صراعات المنطقة. وقبل ستة شهور فحسب ادّعى ترامب أنه أنهى “7 حروب لا تنتهي”، وبرزت تلك التصريحات بشكل خاص في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي حيث وصف نفسه بأنه صانع سلام عالمي يستحق جائزة نوبل. واعتبر الكثيرون أن ذلك مبالغة سياسية تهدف لتعزيز صورته من أجل الفوز بجائزة نوبل للسلام التي يطمح بشدة لنيلها. فالرجل الذي يعشق السلام لا يهدّد الآخرين أو يقصف بلدانهم بالصواريخ المدمّرة التي تأتي على الأخضر واليابس، كما يفعل الآن.
إلى أين ستؤول أمور المنطقة في ظل التنمّر الأمريكي – الإسرائيلي؟ يسعى هذا التحالف لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بهدف إضعاف النفوذ الإيراني الإقليمي واستبداله بهيمنة إسرائيلية. هذا ما تهدف له الأعمال العسكرية التي تتعرض لها المنطقة تحت مسمّى “استراتيجية تقطيع أوصال إيران”. ونجم عن ذلك حتى الآن بيئة أمنية جديدة تقلق الكثيرين. فكيان الاحتلال يسعى لتثبيت نفسه كقوة أمنية مهيمنة في الشرق الأوسط، لإعادة تشكيل النظام الإقليمي. وتهدف العمليات العسكرية الأمريكية – الإسرائيلية لكسر شوكة إيران تماما، ولكنها خلقت أوضاعا عسكرية وسياسية وأمنية خطيرة في المنطقة. فليس من السهولة بمكان تحقيق “انتصار” ساحق على دولة تملك من مقوّمات القوّة نصيبا كبيرا. كما أن شنّ التحالف الثنائي حربا خارج الأطر القانونية وبدون تفويض دولي يعتبر عدوانا ويؤكد حقيقة أن “إسرائيل” هي المصدر الأساسي للتوتر وعدم الاستقرار. فهي التي تشنّ الحروب على الجيران، تارة في لبنان، وأخرى في غزة، وثالثة في سوريا والعراق واليمن، وأخيرا في إيران. فما هذا النظام الذي لا يستطيع التعايش مع جيرانه إلّا بلغة العدوان؟ أيُّ أمن أو سلام يمكن أن يسود المنطقة في ظل هذا الواقع المرير؟ إذا كان العالم يبحث عن أمن دائم في منطقة الشرق الأوسط فيجب عليه التصدّي لسياسات العدوان والتوسع والتنمّر والغطرسة التي تمارسها “إسرائيل”. وبدون ذلك سوف يستمر التوتر وانعدام الأمن، فهل هذا ما تريده الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي؟
٭ كاتب بحريني