الرباط ـ «القدس العربي»: قال محمد حيتوم، عضو المكتب التنفيذي للجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني وعضو الأمانة الوطنية للاتحاد المغربي للشغل، إنه برحيل المناضلة والدبلوماسية ليلى شهيد، تفقد القضية الفلسطينية أحد أبرز وجوهها في الفضاء الثقافي والسياسي الأوروبي. وأضاف: «من بيروت إلى الرباط ثم باريس وبروكسيل، نسجت مساراً فريداً جمع بين النضال السياسي والعمل الثقافي والدبلوماسية الهادئة».
وتابع القيادي النقابي المغربي، في تصريح لـ»القدس العربي» بمناسبة أربعينية الراحلة، والتي تصادف ذكرى «يوم الأرض»، قائلاً: «إن رحيل ليلى شهيد كرمز نضالي فلسطيني لم يكن عادياً، بالنسبة لشرائح هامة من الرأي العام العربي والعالمي المتتبع لقضية فلسطين، ناهيك عن أبناء الشعب الفلسطيني داخل وخارج فلسطين».
حياتها تحكي قصة فلسطين
وأشار إلى أن حياتها تحكي قصة فلسطين، فقد ترعرعت ليلى شهيد في وسط تعددي ثقافياً ودينياً (أب مسيحي وأم مسلمة) يتقاطع فيه التاريخ بالعلم، والطب بالسياسة. وأوضح أنها لم تنشأ في المخيمات، لكنها كانت على تماس معها، لأنها رأت فيها أصلها الفلسطيني-المقدسي، وانخرطت منذ بداية شبابها في العمل الاجتماعي ميدانياً. كما خاضت نضالاً طلابياً جمع بين التحصيل العلمي والالتزام السياسي الوطني، لتنتقل الرحلة من بيروت إلى باريس عام 1974، قصد الحصول على الدكتوراه في الأنثروبولوجيا، ما جعل رفاقها ينتخبونها رئيسة للاتحاد العام لطلبة فلسطين في فرنسا.
ثم تطرق المتحدث إلى الوجه الآخر لنشاط ليلى شهيد، هو الوجه الثقافي، حيث لم يكن التزامها السياسي دون خلفية فكرية ثقافية، بل شكلت الروح التي تغذي هذا الالتزام. كما أن حضورها للمنتديات الثقافية مكنها من نسج علاقات مع كبار المثقفين في فلسطين ولبنان (إدوارد سعيد، إلياس خوري، محمود درويش…). وخلال الإقامة الأولى في باريس، التقت الكاتب المغربي إدمون عمران المالح، الذي عرّفها على المغرب، خصوصاً أنها وجدت أمامها مثقفاً رفيع المستوى وروائياً كبيراً، وهو في نفس الوقت أحد كبار المدافعين عن القضية الفلسطينية.
«برحيلها تفقد القضية الفلسطينية أحد أبرز وجوهها»
واستطرد حيتوم قائلاً: «في صيف 1976، وبدعوة من إدمون عمران المالح وزوجته، قامت ليلى شهيد بأول زيارة إلى المغرب، حيث رافقهما في رحلة صيفية لعدد من المدن المغربية، كانت فاتحة عشقها للمغرب، توجت بعشق آخر، وهو زواجها من الأديب المغربي محمد برادة الذي كان يشغل آنذاك رئيساً لاتحاد كتاب المغرب. منذ 1977، واختارت الاستقرار بالمملكة المغربية لمدة 12 سنة تقريباً».
وأكد أن حضور القضية الفلسطينية له جذور في المغرب، فهي كانت دائماً محط اهتمام النخبة السياسية الوطنية، عبر كل المراحل منذ الحماية الفرنسية وبعد الاستقلال، لكن لهزيمة 1967 أثراً بالغ الأهمية على تطورات الموقف المغربي رسمياً وشعبياً.
فلسطين قضية وطنية في المغرب
وأصبحت قضية فلسطين قضية وطنية قولاً وفعلاً، فالقرارات الصادرة خلال مؤتمرات عدد من الهيئات النقابية والسياسية أقرت بذلك تنظيم المهرجانات التضامنية مع فلسطين، وتأسيس الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني سنة 1968.
أما على المستوى الثقافي، يتابع المتحدث نفسه، فقد كان المغرب يعيش دينامية فكرية وسياسية متنامية، تجلت في إصدار عدد من المنابر الثقافية، نضال جماهيري وعمالي متنوع المجالات، صعود بارز لعمل الجمعيات الثقافية، خصوصاً في بعض مدن الهامش، تنامي حضور المرأة …إلخ.
ومن جديد وجدت ليلى شهيد نفسها بعيدة عن بيروت جغرافيا، لكنها قريبة منها روحاً وفكراً وعملاً. فإلى جانب زوجها محمد برادة، أصبح بيتها ملتقى لعدد من المثقفين سواء من المغرب أو المشرق أو فرنسا. فكان بينهما جسر للتواصل خدمة للقضايا القومية ولقضايا الثقافة والإبداع.
وأضاف الناشط الحقوقي والنقابي تصريحه لـ»القدس العربي» قائلاً: «صاحبة القلب الكبير، عشقت المغرب من أول زيارة، توطدت علاقتها به بعد الزواج. عاشرت أهله من مختلف الفئات والشرائح، جالست عدداً كبيراً من الشخصيات من مختلف المجالات، استقرت فيه مدة غير وجيزة بحب واطمئنان، لكن نداء الواجب الوطني كان أقوى من أي نوع من الاستقرار. المغرب بشعبه المضياف والمتضامن مبدئياً مع قضية فلسطين بادلها نفس الحب والهوى، حيث ترسخت صورة ليلى شهيد كجزء من ذاكرتنا، ولا أدل على ذلك حجم التفاعلات بعد سماع خبر وفاتها هنا في المغرب».
وذكر أنه «وسط الرباط، وجدت ليلى شهيد نفسها غير بعيدة عن قضيتها، فالزوج والعائلة والأصدقاء وكل المحيط يسبحون في نفس التيار من أجل العدالة، الحرية، الديمقراطي، الوحدة العربية، فلسطين، التحرر… هي لغة اليومي، هي قضايا المتداول بين هؤلاء داخل المنتدى في الجامعة، في المقرات وحتى الجلسات العائلية أو في حديثها مع الناس حين تذهب لتعطي دروساً في إحدى مدارس الهامش في مدينة سلا، أو خلال اشتغالها إلى جانب السوسيولوجي الكبير عبد الكبير الخطيبي في إحدى دور النشر، أو اللقاءات الثقافية التي كان يزخر بها المغرب آنذاك.»
وقال أيضاً: «هنا في المغرب، انطلق تضامن قوي مع فلسطين ولبنان، بعد حصار بيروت في 1982، بمشاركة فعاليات مغربية ومكتب منظمة التحرير الفلسطيني، لكن ليلى شهيد كانت تريد أن تقوم بدورها، وربما بشكل أكثر فعالي».
وواصل استحضار محطات مهمة من حياة المناضلة الراحلة، حيث جاء في شهادته: «ضمن الصداقات التي نسجتها في المغرب مع الكثير من المثقفين، تذكرت ليلى شهيد اسم جان جيني الكاتب الفرنسي الشهير الذي كان، فحاولت إقناعه بالكتابة في الموضوع، لينشر في بعض المنابر الفرنسية، لكنه لم يفعل. لم يكن جان جيني مثقفاً تستهويه البيانات ولا منصات الإعلام، فهو يحب قراءة الوقائع والأحداث بطريقته. وهو ما سبق أن قام به في سبعينيات القرن العشرين سواء مع حركات السود في أمريكا أو الفلسطينيين في مخيمات الأردن ولبنان.
أربع ساعات في شاتيلا
وعندما قررت ليلى شهيد أن تسافر إلى لبنان عبر سوريا، طلب جان جيني مرافقتها بالرغم من مرضه، بل وألح عن ذلك رغم تحفظها. ودخل الاثنان بيروت واستطاعا أن يقوما بزيارة المخيم بعد الجريمة النكراء في صبرا وشاتيلا والتي نتج عنها نص «أربع ساعات في شاتيلا»، رافقت ليلى شهيد صديقها جان جيني في هذه المرحلة، ورافقت النص الذي كتب حتى نشره على نطاق واسع، فيما قام زوجها الأديب محمد برادة بترجمته إلى العربية، بشكل موفق وبديع. وقام برادة بترجمة نص آخر عن نفس الأحداث لصديقهما الآخر إدمون عمران المليح، والذي عنونه ب «وجه الإنكار»، إذ كتب هذا النص وهو يتابع الأحداث من الرباط، فهو المغربي الأصيل الذي رفض الهجرة إلى إسرائيل، يوجه سهام نقده للبعد «الميتولوجي المنغرس في العقول».
وأضاف حيتوم: «استمرت الحياة بالنسبة لِليلى في المغرب مع الحفاظ على علاقتها بفلسطين بمنظمة التحرير بمجلة الدراسات الفلسطينية، ولكن كان استقراراً مؤقتاً. ففي أواخر 1987، بدأت الانتفاضة الأولى وهذه المرة من داخل فلسطين. لم يبق من اختيار لليلى شهيد إلا أن تلبي نداء الواجب الوطني، وهكذا دخلت مرحلة أخرى من تجربتها النضالية من خلال العمل الدبلوماسي. وشدد على أنها ساهمت في إعادة تشكيل صورة الفلسطينيين كفاعل عقلاني ملتزم بالحق والعدالة والشرعية الدولية، وليس مجرد ضحية أو «مقاتل يحمل بندقية» فنجحت في تحويل النقاش داخل فرنسا، أساساً، من «أمن إسرائيل» إلى القانون الدولي والشرعية وحقوق المدنيين كمرحلة أولى وضرورية. وبحكم توسع شبكة معارفها عملت على تنشيط العديد من الفعاليات متعددة في النوع، ولكن بجوهر واحد عنوانه فلسطين. وقد توّج هذا المجهود مع تكاتف معطيات أخرى وأهمها الدعم الكبير الذي أصبحت تحظى به قضية فلسطين، بإطلاق اسم الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش على إحدى الساحات في قلب مدينة باريس سنة 2010 بحضور رئيس السلطة الفلسطينية وعمدة باريس. كما أن إشعاعها امتد ليشمل القارة الأوروبية، حيث ستتحمل مسؤولية رئيسة البعثة الدبلوماسية الفلسطينية لدى الاتحاد الأوروبي (2006-2015)».
وقال المتحدث: «وحتى بعد أن اختارت طوعاً أن تتقاعد عن كل عمل رسمي، واصلت نشاطها الثقافي، وتولت رئاسة جمعية أصدقاء معهد العالم العربي بباريس لفترة من الزمن، مركزة على دعم الإنتاج الثقافي العربي».
ثم توقف محمد حيتوم عند أهم بصمة لها في الدبلوماسية الفلسطينية، خصوصاً بعد المساهمة في اتفاقية أوسلو، وهي دورها المهم في تنظيم زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك للأراضي المحتلة سنة 1996، متابعة وتنسيقاً مع الرئيس ياسر عرفات، رغم العراقيل والصعوبات التي تعرضت لها من قبل اللوبي الصهيوني بفرنسا وبرحيلها تفقد كذلك سلطات الاحتلال الإسرائيلية.