قيادات نسائية مغربية تدعو إلى استعادة الثقة في السياسة وتحذّر من تحوّل الأحزاب إلى «دكاكين انتخابية»



الطاهر الطويل

الرباط – «القدس العربي»: رغم اختلاف مرجعياتهن الإيديولوجية، وقفت المشاركات في لقاء سياسي نُظّم في مدينة سلا المجاورة للعاصمة الرباط، على أرضية مشتركة للحديث عن «أعطاب» المرحلة السياسية الراهنة. وبدا واضحاً أن النقاش لم يكن مجرد تبادل للآراء، بل أقرب إلى «محاكمة سياسية» ترافعت فيها القيادات النسائية من أجل إعادة الاعتبار للسياسة كفضاء للنقاش العمومي المسؤول، وأداة لتحقيق تطلعات المواطنين في الحرية والكرامة والعدالة.
المتدخلات، وهن نبيلة منيب النائبة البرلمانية والقيادية في «الحزب الاشتراكي الموحد»، وفاطمة التامني البرلمانية عن حزب «فدرالية اليسار الديمقراطي»، وآمنة ماء العينين القيادية في حزب «العدالة والتنمية»، وخدوج السلاسي البرلمانية عن حزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»، كنّ في ضيافة «مؤسسة الفقيه التطواني»، التي احتضنت فعاليات الحلقة الأولى من برنامج «في حضرة السؤال»، الذي أقيم تحت شعار «أحبّك يا وطني». واتفقت المتحدثات على أن المغرب في حاجة ماسة إلى «نفَس ديمقراطي جديد» يعيد الثقة للمواطنين في المؤسسات، ويؤسس لمرحلة أساسها ربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاربة الفساد وتعزيز العدالة الاجتماعية.
وتحدثت نبيلة منيب عن «أزمة الديمقراطية» و»هيمنة المال»، واعتبرت أن المغرب يعيش «ردة سياسية» تتجلى في التراجع الديمقراطي و»تغوّل» المال (هيمنة المال) في الحياة السياسية، ما أدى إلى إفراغ المؤسسات المنتخبة من مضمونها وتحويلها إلى أدوات شكلية. وانتقدت «الليبرالية المتوحشة»، محذرة من تداعيات السياسات الاقتصادية القائمة على الاستيراد وإضعاف القدرة الشرائية والتي قد تؤدي، حسب تعبيرها، إلى انفجارات اجتماعية. كما دعت إلى «ثورة قانونية» لمحاربة الفساد، معتبرة أن فتح المجال أمام «أصحاب الشكارة» (أصحاب المال) للولوج إلى الأحزاب أفرغ العمل السياسي من معناه.
من جهتها، انتقدت فاطمة التامني السياسات الحكومية داعيةً إلى «ديمقراطية حقيقية». كما سلّطت الضوء على الفوارق المجالية التي اعتبرتها «صارخة» بين «المغرب النافع» و»المغرب العميق» (تعبير يصف المناطق المهمشة مقابل المراكز الكبرى)، مُعتبرةً أن السياسات الحالية تعمّق التفاوتات الاجتماعية والمجالية.
ووجهت انتقادات لما وصفته بـ «الخصخصة المقنعة» لقطاعي التعليم والصحة، محذّرة من تداعياتها على السلم الاجتماعي. كما نال قانون المالية (الموازنة العامة) نصيباً من انتقاداتها اللاذعة، معتبرة أنه يخدم مصالح «اللوبيات الاقتصادية» عوض تكريس الدولة الاجتماعية.
وشددت النائبة البرلمانية، من جهة أخرى، على ضرورة ضمان الحريات ورفع التضييق عن «معتقلي الرأي»، مشيرةً إلى أن أي إصلاح حقيقي يمرّ عبر انفراج حقوقي شامل. ولم يغب ملف المحروقات عن مداخلة التامني، إذ انتقدت ما اعتبرته اختلالات في السوق وارتفاعاً غير مبرر للأسعار، مشيرة إلى تضارب المصالح داخل الحكومة. كما دعت إلى إعادة الاعتبار لدور المرأة في السياسة، وتجاوز مقاربة «الكوطا» (المحاصصة) نحو تمثيلية فعلية قائمة على الكفاءة والتأثير.
من جهته، قدّمت أمينة ماء العينين نقداً ذاتياً، أقرّت فيه بارتكاب حزبها لأخطاء خلال تدبيره للشأن الحكومي، مؤكدة في المقابل أن المرحلة الحالية تشهد تراجعاً مقلقاً في مستوى النقاش السياسي، وحذرت من «موت السياسة» وتحوّلها إلى مجرد تدبير تقني خال من القيم، داعية إلى استعادة البعد الأخلاقي في العمل السياسي وإعادة الاعتبار للمناضل الحزبي المثقف في مواجهة الانتهازية السياسية. كما شددت على أهمية الحفاظ على الهوية والقيم المجتمعية في ظل التحولات المتسارعة، معتبرة أن التحديث لا ينبغي أن يكون على حساب المرجعية الثقافية والأخلاقية للمجتمع، في إشارة إلى تعديلات مدونة الأسرة (قانون الأحوال المدنية).
أما خدوج السلاسي، فقد ركزت على البعد المؤسساتي، وتوقّفت عند التحديات التي تواجهها النساء داخل المؤسسة التشريعية، مشيرة إلى استمرار هيمنة العقلية الذكورية على مراكز القرار داخل الأحزاب. وترى المتحدثة أن حقوق المرأة ليست قضية ثانوية، بل تمثل جوهر أي مشروع ديمقراطي، وهو ما جعلها تدعو إلى مراجعة شاملة لمدونة الأسرة (قانون الأحوال المدنية) بما يضمن المساواة الفعلية. كما شددت على ضرورة إعادة الاعتبار للفكر داخل العمل الحزبي، محذّرةً من تحوّل الأحزاب إلى «دكاكين انتخابية» تفتقر إلى التأطير الفكري.
وكان مدير الندوة، أبو بكر الفقيه التطواني، قد استهلّ المداخلات بتقديم أوضح فيه أن اختيار شعار «أحبك يا وطني» ليس «مجرد عاطفة عابرة، بل هو مسؤولية تفرض علينا قراءة واقعنا السياسي بعيون ناقدة وبصيرة». وأضاف أن المؤسسة اختارت أن تبدأ هذه السلسلة بالنساء، «ليس من باب التأثيث، بل لأن القيادات النسائية المغربية تمتلك اليوم القدرة على تشريح اللحظة السياسية الراهنة بجرأة وموضوعية، والإجابة عن أسئلة تؤرق بال المواطن: أين نحن الآن؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟» وركّز على مفهوم «اللحظة السياسية»، متسائلاً عمّا إذا كان المشهد الحالي يعيش حالة «انحباس»، أم إنه مخاض لمرحلة جديدة. كما أشار إلى أن المغرب ليس جزيرة معزولة، بل يتأثر بالتحولات الجيوسياسية الكبرى.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *