الناصرة- “القدس العربي”:
تبدي إسرائيل الرسمية وغير الرسمية وبأشكال مختلفة، نوعا من القلق والمخاوف من احتمال توقيع اتفاق أمريكي إيراني سيئ بالنسبة لها، فيما تتفاوت التقارير عما إذا فوجئت ولأي مدى بالإعلان الدرامي للرئيس دونالد ترامب أمس.
وكان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو قد عقّب على تصريح ترامب المباغت بالقول ليلة أمس إنه تحدث مع الرئيس الأمريكي الذي يعتقد بوجود فرصة للتوصل إلى اتفاق مع إيران، مستفيدًا من “الإنجازات الكبيرة” التي حققها الجيش الإسرائيلي والجيش الأمريكي، وتحقيق أهداف الحرب من خلال اتفاق يحافظ على مصالح إسرائيل الحيوية.
نتنياهو الذي ينطلق من عقيدة أمن “التدمير والتهجير” بعد السابع من أكتوبر، ومن “الأنا” المنتفخة ومن حسابات شخصية أيضا، كان وما زال يطمع بتحطيم إيران وتحويلها إلى دولة معاقة. نتنياهو الذي كان يخشى منذ البدايات وقفا مباغتا للحرب من قبل ترامب متقلب المزاج، يطمع بمواصلة الحرب اليوم تحقيقا لغايات أمنية واستراتيجية وسياسية داخلية وشعبوية وتحقيقا للهيمنة واحتلال وعي الآخرين، نأى بنفسه في تصريحه عن اعتقاد ترامب بوجود احتمال لاتفاق مع إيران.
نتنياهو الذي يمتنع عن معارضة ترامب، يكتفي بالتلميح لتحفظه من فكرة التفاوض والسعي لاتفاق، سارع لحفظ خط الرجعة وتقليص الأضرار، بالتباهي العالي بأن إسرائيل وبالتعاون مع أمريكا، نجحت في إلحاق أضرار بالغة وموجعة جدا بالعدو الإيراني، وأنها تواصل الآن التدمير وقطع الرؤوس. ونقل موقع أكسيوس الإخباري عن مصدر مطلع، أن نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، بحث جهود بدء مفاوضات مع إيران خلال مكالمة هاتفية مع نتنياهو، كما ناقشا بنود اتفاق محتمل لإنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
رسالة سرية
وفيما تنفي إيران وجود أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” اليوم الثلاثاء عن مصادر، قولها إن وزير خارجية إيران، عباس عراقجي، أرسل رسالة سريّة للمبعوث الأمريكي الخاص، ستيف ويتكوف، قال فيها إنه تمّت موافقة ومباركة المرشد العام الجديد مجتبى خامنئي على “إنهاء القصة بسرعة طالما أن الشروط الإيرانية تتحقّق.
وطبقا لمحرر الشؤون الاستخباراتية في الصحيفة، ومراسل صحيفة نيويورك تايمز أيضا، رونين بيرغمان، فقد هاتف عراقجي ويتكوف، فيما كان يجلس إلى جانبه صهر الرئيس جاريد كوشنير. وينقل بيرغمان أيضا عن مصدر إسرائيلي كبير قوله إنه كان من المهم لعراقجي أن يظهر للأمريكيين نقل القوة في إيران بشكل مرتّب بعكس ما توقعته الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع ذلك “ما زالت الفجوات بين الطرفين كبيرة”.
في الأثناء تم إرسال الوزير السابق رون ديرمر إلى واشنطن لتوضيح الخطوط الحمراء الإسرائيلية أمام واشنطن في حال التوصل إلى اتفاق، علما أن أمريكا على الأرض بتدفع بالمزيد من القوات إلى المنطقة.
مفاوضات في باكستان
وفيما تؤكد جهات إعلامية عبرية، أن المفاوضات حقيقة، وستبدأ في باكستان نهاية هذا الأسبوع، تحذّر صحيفة “هآرتس” من إقدام حكومة الاحتلال على محاولة تعطيل وتخريب المفاوضات كما فعلت خلال الحرب على غزة.
وتحت عنوان: “يجب تمكين الولايات المتحدة من إدارة مفاوضات دون تعطيل”، قالت “هآرتس” إنه رغم تصريحات متناقضة له، فإن ترامب وبعد ثلاثة أسابيع ونصف من اندلاع الحرب، يتحدث للمرة الأولى بجدية عن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع طهران. وقد وجّه وزارة الدفاع الأمريكية لتأجيل الضربات الجوية على منشآت الطاقة والبنى التحتية الإيرانية لمدة خمسة أيام، لإتاحة المجال أمام استكمال المفاوضات.
وبحسب تصريحاته، فإن أي اتفاق محتمل سيشمل التزامًا إيرانيًا بالتخلي عن السلاح النووي، مضيفًا أنه “يمكننا الاستحواذ على اليورانيوم المخصّب في حال التوصل إلى اتفاق”.
ونوهت الصحيفة أن نتنياهو أشار لاعتقاد ترامب بوجود فرصة لاستثمار “الإنجازات العسكرية” مشددًا على أن “الاتفاق من شأنه صون المصالح الحيوية لإسرائيل”. لكن “هآرتس” تشكّك بنوايا نتنياهو: “غير أن تساؤلات تُثار حول مدى انسجام موقف نتنياهو هذا مع سياسات سابقة، في ظل اتهامات متكررة لإسرائيل، وقيادتها، بعرقلة مسارات تفاوضية كانت قد تفضي إلى اتفاقات. تتجلى هذه الإشكالية في استمرار العمليات العسكرية، إذ أشار نتنياهو إلى أن الهجمات متواصلة في إيران ولبنان، مع استهداف برامج الصواريخ والنووي، إلى جانب توجيه ضربات قاسية لـ“حزب الله”.
في سياق متصل، تشير الصحيفة إلى عودة طرح الجدل حول قرار الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، والذي تم بدعم وضغط من نتنياهو. فبينما تشير تقديرات إلى أن الاتفاق أسهم في إبطاء البرنامج النووي الإيراني، يرى منتقدو الانسحاب أنه أدى إلى تسريع وتيرة التخصيب وإنتاج كميات كبيرة من اليورانيوم، ما مهّد لتصاعد التوترات وصولًا إلى المواجهات الحالية.
وتخلص “هآرتس” للقول مغردة خارج السرب الإسرائيلي في السياسة والإعلام: “وفي ظل هذه المعطيات، يتزايد الحديث عن ضرورة فتح نقاش جدي داخل إسرائيل بشأن جدوى تلك السياسات، وما إذا كانت قد شكّلت خطأ استراتيجيًا. وفي جميع الأحوال، يتفق مراقبون على أهمية التوصل إلى اتفاق يضمن منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مع التأكيد على ضرورة إفساح المجال أمام الجهود الدبلوماسية دون عرقلة، بعد أسابيع من التصعيد العسكري المستمر”.
ثرثرة ولغط كبير
وتسود في إسرائيل اليوم حالة من اللغط والثرثرة والتخمينات عن المقاصد الحقيقية خلف ترامب، وسط تمنيات تقال بالتلميح والتصريح بأن تستمر الحرب. في حديث للقناة 12 العبرية، قال المحاضر إيلي حولاتا، مستشار أمن قومي إسرائيلي سابق، إنه يخشى من اتفاق غير جيد لإسرائيل، متمنيا هو الآخر على الرئيس ترامب بأن يبقى صامدا مقابل إيران، ويجبرها على توقيع اتفاق يحظر تخصيب أي غرام من اليورانيوم. كما تمنى حولاتا على ترامب أن يعالج مسألة الصواريخ الباليستية بجدية. وأشار إلى أن الاكتفاء بتقصير مداها سيدخل إسرائيل في حالة إرباك مع دول الخليج التي ستبقى هذه الصواريخ تهددها حتى لو تم تقصير مداها.
ويتمنى مراقبون آخرون أمثال المحلل السياسي في صحيفة “يديعوت أحرونوت” بن درور يميني (في مقال بعنوان: التراجع المخجل)، أن تفشل المفاوضات مع إيران. فيما دعا مراقبون آخرون لأن تشمل بندا يمكّن إسرائيل من العودة إلى قصف إيران مستقبلا في حال جددّت مساعي العسكرة.
من جانبه وضمن تحليله، يرى المحلل العسكري عاموس هارئيل أيضا أن الاتفاق من شأنه أن يكون سيئا لنتنياهو. وعن ذلك يضيف: “هناك خوف في إسرائيل من أن تفكير ترامب بمخاطر التعرّض لورطة محتملة في حال واصل الحرب لاصطياد مكسب أكبر، من شأنه الموافقة على تسويات لا تعجب نتنياهو”.