يُعرّف السيناريو موسوعياً بأنه «وصف تفصيلي تسلسلي مكتوب لأحداث الفيلم، سواء كان فيلماً سينمائياً أو تلفزيونياً، أو مسلسلاً تلفزيونياً، وغيرها، حسب العرض في دور عرض سينما أو في التلفزيون متضمناً وصف المكان، والزمان، ووصف الشخصيات جسمانياً ونفسانياً. وقد يكون الحوار أو الديالوغ جزءاً من السيناريو، فيتضمن حوار الشخصيات الناطقة في الفيلم أو المسلسل». تصدرت موضوعة مقالتنا هذا التعريف، لأنه يمكن القول إن الغلبة في فيلم «أهل القمة» للسيناريو على الرواية القصيرة، التي اقتبس منها الفيلم، وتضمنها كتاب قصصي لعميد الرواية العربية الراحل نجيب محفوظ، عنوانه» الحب فوق هضبة الهرم» أي أنه يحتوي أيضاً على القصة التي اقتبس منها فيلم آخر بهذا العنوان.
كاتب السيناريو والحوار مصطفى محرم استطاع برفقة المخرج علي بدرخان بناء فيلم كبير، عن مصر أيام انفتاح السبعينيات، مدته أكثر من ساعتين عن رواية قصيرة، أي أن الكثير من المشاهد بُنيت من وحي الجو العام لتلك الرواية.
الفيلم إنتاج 1981، وتمثيل نخبة من نجوم السينما المصرية: نور الشريف، سعاد حسني، عزت العلايلي، عمر الحريري. وأُدرج ضمن قائمة مئة أفضل فيلم سياسي مصري، وفيه نقد واضح لسياسة الانفتاح في مصر سبعينيات القرن العشرين، التي أثرَت طبقة من الناس، وأفقرت الملايين.
لصوص قانونيون
ورود جملة في الرواية بأن «زعتر النوري» أدى دوره نور الشريف، بأنه سُجن لسنتين، يُترجم في الفيلم على شكل مشهد كامل، كان استهلالياً قبل ظهور التايتل في المشهد يظهر مقدم شرطة «محمد فوزي»، عزت العلايلي في سيارة ومعه مخبرون، يجولون شوارع القاهرة، بحثاً عن حوادث السرقة، خاصة في مواقف باصات النقل العام، لكنه كان يتطلع باهتمام إلى لافتات الإعلانات التجارية، التي تغزو الشوارع، في التقاطة ذكية تنبّه المشاهد إلى الزمن، التي وقعت فيه أحداث الفيلم – زمن الانفتاح، في سبعينيات القرن الماضي. يضبط محمد فوزي زعتر النوري في حادثة سرقة حافظة أحدهم، ويحكم عليه بالسجن سنتين. بعد خروجه من السجن، تحدث تطورات في العلاقة بين الضابط واللص، حيث يجلب الثاني للأول المحفظة التي سرقها أحد رفقته من النشالين، الذين يلتقون في مقهى «حنش»، المحفظة المسروقة تعود إلى رجل أعمال كبير في عصر الانفتاح «زغلول رأفت»، عمر الحريري، فيكافئ الأخير زعتر النوري، وينضم للعمل التجاري معه بتزكية الضابط. فيكتشف اللص السابق خبايا عمل التاجر الكبير، ويظل يردد لاحقاً بأن مال الأخير كله من عمل الحرام. يوضح الفيلم ما خفي في الرواية من تفاصيل عمل التاجر عبر مشاهد هدفها الإثارة وتعظيم الايرادات من شباك التذاكر، مثلاً السرقة التي قام بها زعتر النوري لحساب زغلول، فقام بسرقة صك تاجر شامي عقد صفقة بيع بضاعة بعشرات الآلاف من الجنيهات إلى زغلول، فيكافئه الأخير بالسفر إلى أوروبا، ويصبح اسم زعتر؛ محمد زغلول (وسنسميه بهذا الاسم في المقالة أيضاً من الآن فصاعداً»، الذي يعمل على انتشال رفقته من النشالين، وعشيقته «جلجلة»، عايدة رياض، التي يصبح اسمها بهية، ليجعلهم يعملون بالتهريب، بإشرافه طبعاً، فيفتحون لهم أكشاك لبيع بضائع التهريب، في سوق «ليبيا»، حيث يذكر محمد زغلول في الرواية «كل كشك وراءه رجل مهم يحميه من بعيد». كل ذلك تحت مظلة سياسة الانفتاح، اللصوص غير الشرعيين أصبحوا قانونيين، والدليل، أن جهات الأمن تشرف على ذلك السوق الضخم.

الضابط الشريف الفقير
التطورات التي آلت اليها شخصية محمد زغلول ورفقته جرت في عام واحد، ذلك ما لاحظه الضابط، وهو الذي جاء سوق ليبيا، جاء يلاحقهم بعد أن خلا المقهى القديم منهم، وبعد أن لاحظ انعدام حالات السرقة. وقد كافأه مسؤوله على ذلك باعتبار أن ذلك بفضل جهوده الكبيرة. انبهر الضابط بالسوق، ولسان حاله يقول، كما في الرواية «أصبح هؤلاء من الأغنياء، أما هو وأضرابه فيغوصون في غمار الفقراء».
مونولوج الضابط مع نفسه يفتح الباب على تشريح حال الضابط وعائلته المؤلفة من زوجته «سناء»، نادية عزت وابنتيه، وفي الرواية ثلاث بنات وشقيقته الأرملة «زهيرة»، نادية رفيق وابنتها «سهام»، سعاد حسني الموظفة، وفي «الرواية ما زالت طالبة ثانوية. دائما ماً تنشب المشاكل في الأسرة بسبب تحامل سناء على سكن شقيقة زوجها وابنتها معهم، وهي من مشاكل الاكتظاظ الأسري، بسبب تواضع الحالة الاقتصادية لرب الأسرة الضابط، كونه يعيل «قبيلة نساء»، كما ورد هذا الوصف في الرواية. وبعد أن خلا قطاعه المشرف عليه من اللصوص، سعى الضابط إلى التنسيق مع ضابط في مديرية مكافحة التهريب، لأجل ملاحقة اللصوص القانونيين الآن. فتصل إليهما الأخبار بأن بضاعة كبيرة مهربة ستدخل عن طريق بور سعيد، ووضع التاجر زغلول تابعه الجريء محمد زغلول أمام مهمة الإفلات من شراك الرقابة البوليسية، وينجح الأخير فعلاً لكنه يضرب ضربته ويحتكر البضاعة وسط ذهول زغلول، وتابعه «حسني»، محمود القلعاوي. ليعلن محمد زغلول توبته والبدء بالسير على صراط مستقيم. كل هذا التفصيل لم يرد في الرواية.
ويفشل تابع زغلول القديم حسني في تخليص بضاعة من الجمارك، تحتوي على شحنة مخدرات، ويُستجوب زغلول بعد إلقاء القبض عليه والمُستجوبان الضابط المسؤول عن ملف التهريب ومحمد فوزي، ولكن الأول يتلقى توجيهاً عبر اتصال هاتفي من جهة أمنية عليا بإطلاق سراح زغلول، وسط دهشة الضابطين. ويبقى الأول حراً في دلالة واضحة على بقاء طبقة تجار الأعمال الفاسدين خارج قضبان العدالة في عصر الانفتاح. والأنكى من ذلك أن الضابط الشريف محمد فوزي يُعاقب بنقله إلى أسيوط، في دلالة واضحة على أن زمن الانفتاح ليس زمن الشرفاء. كل هذا التفصيل أيضاً لم يرد في الرواية.
قصة حب جديدة
بطلة القصة سهام الخارجة من مشروع خطوبة فاشل، كانت عن قصة حب قديمة مع «رفعت حمدي»، صلاح رشوان الذي يسافر خارج مصر للبحث عن فرصة عمل، في دلالة على عطالة الخريجين وأصحاب الكفاءات. والفشل جاء من رفض الضابط خال سهام له على أن يتقدم إلى خطبتها بعد تمكنه مادياً. وفي الرواية كان الخاطب طالباً، ما يعكس عديد التغيرات التي أجراها كاتب السيناريو مصطفى محرم على الرواية الأصلية. تنخرط سهام في علاقة حب جديدة مع محمد زغلول، وهنا نذكر أن كل تفاصيل تطور العلاقة بينهما، لم ترد في الرواية، بدءاً من رؤيتها في شقة الضابط، ومن ثم في مكتب البريد، وركوبها معه في السيارة مع الموظفات بحجة توصيلهن، ومن ثم الخروج معاً في نزهات، فيعيشان قصة حب هادئة. إلاّ أن المذكور في الرواية اللقاء مع أمها وزوجة خالها بالإضافة إليها في مكان عام. ويتفقون على المبادئ الأولى للزواج، لكي يضعوا الخال أمام الأمر الواقع، لكنه رفض تزويجها من نشال سابق ومهرّب حالياً. كما يجلب لهما الخاطب البديل، التاجر زغلول، الذي رفضته سهام، وجادلت خالها بأن الخاطب الجديد لص مُغطّى، بينما محمد زغلول لص مكشوف. ويجبرها على السكوت وعدم الذهاب إلى العمل. إزاء ذلك تخرج سهام ولا تعود، بل تذهب إلى محمد زغلول، الذي لن يتزوجها لأجل الانتقام من خالها، بل سيجد لها عملاً في متجر، بالتشارك معه. وتستدعي أمها، ويتمّ الزواج بين محمد زغلول وسهام بحضور أمها، وهو ما لم يرد في الرواية، تالياً يلحق بهم الضابط، الذي أصبح مذعناَ أمام الواقع الجديد.
وفي الرواية تحضر سهام إلى شقة الأسرة، وتحكي لهم كل ما حصل مع محمد زغلول، الذي رفض زواج الانتقام من الخال. وكبر في نفس الضابط، الذي قال له حسب الحوار في الرواية:
« ـ شكرا لك يا زعتر
فقال الرجل ضاحكاً:
محمد زغلول من فضلك.
فقال محمد فوزي بهدوء ويقين:
زعتر النوري اسم طيب لرجل طيب؟ ماذا يخجلك منه؟!
نص أدبي سينمائي
من المعلوم أن نجيب محفوظ تتلمذ، على يد المخرج رائد السينما الواقعية في مصر صلاح أبو سيف، بشأن كتابة السيناريو. وقد وصفت رواية «أهل القمة» من قبل المهتمين بالنقد السينمائي، بأنها أشبه بـ»نص أدبي سينمائي» من حيث التقطيع، وهو أشبه بالمونتاج، إلى فصول قصيرة، تركّز على شخصيات بعينها. قصر الرواية وتكثيفها الملحوظين للقارئ يعنيان أن محفوظ كتب الرواية القصيرة لأجل الإعداد السينمائي، وترك كامل الحرية لكاتب السيناريو في إضافة مشاهد الإثارة «الأكشن» لأجل إنجاح الفيلم عبر المبيعات الضخمة من شباك التذاكر، ومن ثم تطلع أكبر عدد من المشاهدين إلى اقتناء الكتاب القصصي الذي ضمّ هذه الرواية، ومن ثم ذيوع مبيعات الكتاب، ومن ثم ذيوع شهرته ككاتب روائي وسينمائي أيضاَ.
خلف الكواليس
من كواليس الفيلم، أن وزير الداخلية النبوي إسماعيل في عهد الرئيس الأسبق الراحل أنور السادات قرر منع الفيلم في دور العرض السينمائي، لتهجمه وانتقاده سياسة الانفتاح الاقتصادي التي انتهجها الرئيس السادات. وعلى ذلك اتصل الفنان الراحل نور الشريف بالرئيس السادات، المعروف عنه حبه للفن والفنانين. وشكا له الشريف قرار وزير الداخلية، فطلب أن يُعرض الفيلم أمامه، ومن ثم وافق على عرضه، على أن يحذف مشهد تلقي ضابط رشوة، ويقال إن الرئيس السادات برر ذلك بقوله «علشان النبوى ما يزعلش منكم ويوافق على الفيلم»، ولكن النسخة الشائعة الآن على المنصات، هو أن هناك مشهداً يتقاضى فيه منتسب إلى الجمارك صبري عبد المنعم رشى من حسني تابع زغلول رأفت. فهل أعيد المشهد المحذوف بعد زوال حقبة السادات؟ هذا يعني فيما يعنيه أن هناك ضباطاً مرتشين، وآخرين شرفاء، أمثال محمد فوزي، الذي يقول كما في الرواية «سأبقى شريفاً ولو لم يبق في الحومة سواي».
كاتب عراقي