زلمان شوفال
في 1942 خاض اليابانيون في واشنطن مفاوضات مكثفة، ظاهراً لمنع الحرب ضد الولايات المتحدة، فيما كانت حاملات الطائرات التابعة لهم تقترب من بيرل هاربر، حيث أمسكوا بالأمريكيين غير مستعدين. مبعوثو آية الله في عُمان وفي جنيف اتخذوا النهج ذاته لإيجاد حل دبلوماسي مزعوم فيما سرعوا استعداداتهم الهجومية في مجالات النووي والصواريخ. غير أن الأمريكيين هذه المرة شنوا مع إسرائيل هجوماً استباقياً.
الحرب في بدايتها فقط، ونتائجها لم تتضح بعد. وإن كان لا شك في موضوع الأهداف التي وضعتها الولايات المتحدة وإسرائيل: تصفية تهديدات النووي والصواريخ، وتصفية الوكلاء، وتشجيع أعمال لتغيير الحكم في إيران. يمكن الإشارة الآن إلى تغييرات جيوسياسية تحققت عقب الحرب. فقد نشأ تحالف ضد إيران في الشرق الأوسط كنتاج لأعمالها الهجومية ضد الإمارات، قطر، السعودية، الأردن والكويت. ويصعب معرفة ما إذا كان هذا التحالف سيتجسد سياسياً بعد الحرب، لكن الواضح أن تغييراً أساسياً قد وقع. في الماضي، اجتهدت هذه الدول العربية بكل قوتها، تجاه الخارج على الأقل، لخلق أجواء تحسين العلاقات مع طهران؛ فقد حاولت دول الخليج طوال سنين احتواء التهديد الإيراني، لكن هذا المفهوم انهار مع الضربات الأولى في أراضيها.
من هذه الناحية، تبرز التقديرات المغلوطة لحكام طهران – الهجمات التي استهدفت تشجيع دول الخليج للتأثير على واشنطن بألا تتخذ أعمالاً عسكرية ضد إيران حققت نتيجة معاكسة، إذ وسعت الجبهة المناهضة لإيران. القصف في قبرص، العضو في الاتحاد الأوروبي، وسع هذه الجبهة من حيث الإمكانية الكامنة على الأقل. وفي هذه الأثناء، يفضل الأوروبيون الجلوس على الجدار من ناحية عملية والاكتفاء بأقوال وهمية عن مستقبل أفضل للشعب الإيراني بعد رحيل خامنئي.
تركيا، التي حسنت مؤخراً علاقاتها مع إيران إزاء العداء المشترك تجاه إسرائيل أيضاً، تجد نفسها في الوضع الجديد في تضارب للمصالح. فهي معنية بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وقد تقربت من الولايات المتحدة تحت حكم ترامب، ولا تزال تسعى لتكون قائدة العالم الإسلامي السُني. في كل حال، لا يمكن لإسرائيل أن تغض النظر عن الخطوات التي تتخذها تركيا كي تنخرط في التسويات التي يخطط لها ترامب في موضوع غزة كي تخلق لنفسها أساساً لعمل أوسع في المنطقة كلها وحيال إسرائيل بخاصة.
للوضع المتشكل في الشرق الأوسط تداعيات بعيدة الأثر أكثر من ذلك. في السنوات الأخيرة جرى الحديث عن حلف بين الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران، ورأت إدارة بايدن في هذا الحلف جبهة موحدة ضد الناتو والعالم الغربي بعامة بهدف التنافس على الصدارة الاستراتيجي السياسية والفكرية، والعسكرية لاحقاً. وضع إيران التي كانت عضواً مؤسساً في هذا الحلف، تغير إلى الأسوأ. الصين تتجاهل بتنكر لطيف في ظل إطلاق تصريحات غير ملزمة، وروسيا التي تندد خطوات الولايات المتحدة وإسرائيل في إيران بلغة حازمة، تمر هي الأخرى على ذلك مرور الكرام. سواء الصين العقلانية أم روسيا التي تعد أوكرانيا الأقرب إليها من إيران يبدوا أنهما قررتا التقدم إلى الأمام. حتى قبل ذلك، كانتا تريان في إيران شريكاً متـعثراً، وستكون والمصالح الاقتصادية معها ممكناً حفظها حتى إذا ما تشكل فيها وضع سياسي جديد.
منذ عهد أوباما تعزز في الولايات المتحدة ميل للابتعاد عن تدخل كبير في الشرق الأوسط. وكان التقدير أن هذا الميل سيتعزز مع صعود ترامب إلى الحكم بميوله الانعزالية، استناداً إلى المعتقدات السياسية لحركة MAGA الأساس الأيديولوجي للرئيس. وها هو الدولاب انقلب تماماً تقريباً. ترامب يرى نفسه من يصمم مكان الولايات المتحدة الأعلى في المعمورة كلها، وإن كان يقف في هذا الشأن بخلاف الآراء في الحزب الديمقراطي وفي الجناح اليميني المتطرف في حزبه.
لقد قرأت إسرائيل الخريطة من هذه الناحية قبل كثيرين آخرين وعملت بموجب ذلك. إدارة ترامب تفهم بأن إسرائيل شريك يمكن التعويل عليه والعمل معه. وهذا، كما يتبين في هذه الأيام، هو ذخر من الدرجة الأولى. فهل سيستمر بل وسيتقدم الواقع الجيوسياسي الجديد في منطقتنا؟ لا يزال التيقن من هذا صعباً؛ فالأمر متعلق أيضاً بتطورات سياسية سواء في الولايات المتحدة أم في إسرائيل. لكن هناك مؤشرات تدل على ذلك. في هذه الأثناء، على أي حال يوجد بالتأكيد شرق أوسط جديد.
معاريف 3/3/2026