بغداد ـ «القدس العربي»: قرر قادة الأحزاب السياسية السنّية الرئيسية الفائزة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، تشكيل تحالف سياسي سنّي حمل عنوان «المجلس السياسي الوطني»، كتجربة سياسية تُشبه تجربة «الإطار التنسيقي» الشيعي، والبدء في مفاوضات تحديد الرئاسات الثلاثة وتشكيل الحكومة الجديدة، وسط حديث سياسي عن إمكانية اصطفاف السنّة والأكراد وإعادة إحياء تجربة «الثُلث المُعطّل/ الضامن»، الذي لعبه قادة «الإطار» إبان تشكيل الحكومة الحالية، وعرقلة أيّ مفاوضات لا تصبّ في مصلحتهم.
ثلث ضامن
الخبير القانوني المستشار سالم حواس، أفاد بأن «الخارطة السياسية الحالية تُظهِر بوضوح امتلاك المكوّن السني مع القوى الكردية لثلثٍ ضامن ومعطِّل في ملف اختيار رئيس الجمهورية، نتيجة التوازنات البرلمانية التي أفرزتها النتائج الأخيرة».
وأوضح في بيان صحافي أن «هذا الثلث الضامن لا يقتصر على منصب رئاسة الجمهورية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى موضوع الاتفاق على اختيار الكتلة النيابية الأكثر عدداً، لكونها القاعدة الدستورية التي ينبثق منها تكليف رئيس مجلس الوزراء».
وأكد أن «الكتل الشيعية لا تمتلك هذه المرّة أغلبية 220 مقعداً التي تمكّنها من الحسم المنفرد، في حين يمتلك السنة والكرد مجتمعين أكثر من ثلث مقاعد البرلمان، وهو ما يجعل لهم القدرة القانونية والسياسية على التعطيل عند غياب التوافق».
وأضاف أن «امتلاك هذا الثلث يمنح المكوّن السني والشريك الكردي دوراً مركزياً في إدارة التوازنات؛ إذ يصبح أي قرار مصيري ـــ سواء في انتخاب رئيس الجمهورية أو تحديد الكتلة الأكثر عدداً ـــ مرهوناً بوجود اتفاق حقيقي يشمل هذه الأطراف ولا يتجاوزها».
وأشار إلى أن «هذا التوازن الجديد يفرض على القوى السياسية اعتماد مبدأ الشراكة الفعلية بدل الانفراد بالقرار»، مشدداً على أن «الثلث الضامن والمعطل سيبقى عاملاً مؤثراً في تهدئة الأزمات أو تفاقمها، تبعاً لمدى التفاهم بين المكوّنات الأساسية في العملية السياسية».
تصريحات الخبير القانوني العراقي جاءت على وقع قرار أبرز قادة القوى السياسية السنّية الرئيسة، بالانخراط في تحالف سياسي موحّد، أسوة بـ«الإطار التنسيقي» الشيعي.
عضو «المجلس السياسي الوطني» للقوى السنية بدر الفحل، كشف عن مخرجات اجتماع القوى السنية مساء أول أمس، في منزل رئيس تحالف «السيادة» خميس الخنجر.
وقال الفحل في تصريح صحافي، إن «المجلس الجديد يضم كل القوى السنية الفائزة، وهو أشبه بالإطار التنسيقي، وهو مظلة جامعة، تهدف لإيجاد الحلول للازمات ومناقشة أوضاع المكون السني، والتفاوض مع الشركاء الكرد والشيعة».
وأضاف أن «الاجتماع لم يتطرق إطلاقاً لموضوع المناصب، وما زال الوقت مبكراً للحديث عن المناصب، ولم يتم حسمها حتى الآن».
«المجلس السياسي الوطني» رديف سياسي سنّي لـ «الإطار التنسيقي» الشيعي
وأشار إلى أنه «ستشكل هيئة تنسيقية، وستكون هناك اجتماعات دورية باستمرار، وكل ما يخص المكون السني سيخرج من هذا المجلس»، مبيناً «سنشرع بالتفاوض بما يخص محافظاتنا في بادئ الأمر، وهذا الأهم لنا في المرحلة المقبلة».
وكان كل من حزب «تقدم»، بزعامة محمد الحلبوسي، وتحالف «السيادة» برئاسة خميس الخنجر، وتحالف «عزم» بزعامة مثنى السامرائي، وتحالف «حسم» الذي يرأسه وزير الدفاع الحالي ثابت العباسي، وحزب «الجماهير» برئاسة أحمد عبد الله الجبوري «أبو مازن»، تشكيل «المجلس السياسي الوطني»، وذلك في أعقاب اجتماع القوى السياسية السنية الفائزة في الانتخابات في منزل خميس الخنجر.
وذكر المجلس في بيان صحافي أنه «انطلاقًا من المسؤولية الوطنية، واستشعاراً لحجم التحديات التي تواجه البلاد في هذه المرحلة المفصلية، عقد قادة التحالفات والأحزاب السنية الفائزة بالانتخابات: حزب تقدم، حزب عزم، تحالف السيادة، تحالف حسم الوطني، وحزب الجماهير، اجتماعاً موسعاً في بغداد، بمبادرة ودعوة من خميس الخنجر».
وأضاف البيان: «ناقش المجتمعون مختلف التطورات السياسية، ووقفوا على طبيعة التحديات التي تواجه البلاد بشكل عام ومحافظاتهم على وجه الخصوص، مؤكدين أهمية توحيد الجهود والعمل برؤية مشتركة للحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي، وضمان الحقوق الدستورية، وتعزيز التمثيل في مؤسسات الدولة».
وأشار إلى أنه «بعد التوكل على الله تعالى، اتفقت الأحزاب والتحالفات المجتمعة على تشكيل (المجلس السياسي الوطني) بوصفه المظلّة الجامعة لها، الذي ينسّق المواقف ويوحّد الرؤى والقرارات، إزاء مختلف الملفات الوطنية الكبرى، ويعزّز العمل المشترك بين القيادات والكتل السياسية بما يخدم مصالح الجمهور ويرتقي بالأداء السياسي، وتم الاتفاق على استمرار الاجتماعات الدورية للمجلس بشكل منتظم طيلة الدورة النيابية السادسة».
وأكد المجتمعون، حسب البيان، أن «المجلس سيكون منفتحاً على جميع الشركاء الوطنيين، ومتمسكاً بالثوابت الجامعة التي تصون وحدة العراق واستقراره، وتحفظ حقوق جميع مكوّناته دون استثناء، منطلقين من رؤية وطنية تهدف إلى بناء دولة قوية عادلة تتسع للجميع».
ودعا القادة السنّة المجتمعون أبناء جمهورهم إلى «دعم هذه الخطوة الوطنية المسؤولة، الهادفة إلى توحيد الجهود والارتقاء بالعمل السياسي، وتحقيق تطلعاتهم، نحو مرحلة جديدة من الاستقرار والبناء». وعقب الاجتماع أكد رئيس تحالف «السيادة»، خميس الخنجر، أن جميع الكتل السنية الفائزة بالانتخابات عازمة على سرعة اختيار الرئاسات لتشكيل الحكومة المقبلة.
وقال في مؤتمر صحافي إن «الكتل السنية الفائزة في الانتخابات اجتمعت، وإن المجتمعين أجروا حوارًا معمّقًا لوضع خريطة طريق للمرحلة المقبلة، بما يضمن تحقيق الاستقرار والإسراع في اختيار الرئاسات، تمهيدًا لولادة حكومة عراقية قوية تمثل جميع مكوّنات الشعب العراقي».
وأشار إلى أن «الاجتماع حضرته جميع الكتل السنية، وسيُصدر بيان نهائي بعد استكمال المناقشات»، مبيناً أن «العمل جارٍ على إعداد خطة متكاملة للاتفاق على المعايير وردم الخلافات، بما يضمن سرعة تشكيل هياكل الحكومة المقبلة».
ووفق الخنجر فإن «التنسيق موجود مع جميع الأطراف، بما فيها إقليم كردستان، لمواصلة الحوارات وتجاوز العقبات بهدف تسريع تشكيل الحكومة».
وكان الخنجر قد دعا إلى إعادة النازحين إلى مناطقهم ومعرفة مصير المغيبين، وتحقيق التوازن في الدولة، وإطلاق سراح السجناء الأبرياء.
وقال في كلمته في منتدى «السلام والأمن في الشرق الأوسط» الأخير المنعقد في دهوك الاسبوع الماضي، إن «رؤيتنا الوطنية تنطلق من مبدأ واضح: العراق المستقر لا يكتمل إلا بدولة يتساوى جميع مواطنيها أمام القانون، دولة عادلة تشمل جميع مواطنيها وتساوي بينهم في الحقوق والواجبات. وهنا، وبلا شك ولا ريب، فإن رؤية المكون السني تندمج داخل هذه الرؤية الوطنية العامة، فهي رؤية تدعم الدولة القوية، وتدعم سيادة القانون واحترام الدستور، وتدعو إلى شراكة متوازنة بين كل العراقيين في حاضرهم ومستقبلهم».
عودة النازحين
وأفاد بأن «أبناء محافظاتنا التي تضررت خلال السنوات الماضية لا يطالبون بمعاملة خاصة، بل يطالبون بدولة عادلة تعيد الإعمار، وتنشئ المشاريع التنموية، وتمنح الشباب فرصاً حقيقية للمشاركة والإنتاج، وتسمح بعودة النازحين إلى مدنهم وقراهم، خصوصاً في جرف الصخر والحويجة وبقية المناطق، دون قيد أو شرط، ومعرفة مصير المغيبين، والتوازن في الدولة، وإطلاق سراح السجناء الأبرياء».
وأشار إلى أن «استقرار المكونات الاجتماعية في العراق ليس مطلباً فئوياً، بل شرط لاستقرار الدولة نفسها. فالدولة التي تتوازن فيها المكونات هي دولة قادرة على القيام بدورها الإقليمي، وهذا ما يليق بالعراق، وقادرة على بناء شراكات تحترم سيادتها وتقوي اقتصادها».