يقدم الروائي ياسين الغماري نصا نفسيا وجوديا يجعل من الذات المأزومة محورا، ومن الزمن سؤالا فلسفيا يتجاوز الإطار السردي إلى تأمل إنساني أوسع. فالرواية تتناول حكاية مرض، وسيرة انهيار فردي، وذكريات ثقيلة، لكنها في جوهرها مساءلة لهوس النجاح، ومعنى الكمال، وحدود العقل، وللعلاقة الملتبسة بين الإنسان والزمن في عالم يقيس القيمة بعدد الإنجازات. منذ الصفحات الأولى لرواية «الساعاتي: صانع الزمن»، يدخل القارئ إلى وعي راو عربي يعيش في مدينة نيس الفرنسية، ويدرس في إحدى جامعاتها. يتنازعه طموح جامح، ورغبة عارمة في التفوق، وإيمان راسخ بأن النجاح هو الطريق الوحيد لإثبات الذات. غير أن هذا الإيمان يتحول تدريجيا إلى عبء ثقيل، ثم إلى تشقق داخلي يقوده إلى مصحة للأمراض النفسية، حيث يتكشف وجه آخر للزمن، وللعقل، وللهشاشة الإنسانية، بل وللحياة كلها.
هوس الكمال وفخ النجاح
تبنى الشخصية الرئيسة على فكرة الكمال بوصفه غاية نهائية. فالراوي لا يطلب تفوقا عاديا، بل يسعى إلى التفوق المطلق والساحق. النجاح عنده ليس مسارا، بل هوية، وكل تعثر ليس حادثة عابرة، بل تصدع وجودي.
وحين تتعرض مسيرته الأكاديمية لانتكاسة، عبر تأجيل النتيجة والتلاعب بالعلامات والشعور بالاستهداف، لا يكون الألم إداريا بقدر ما يكون ضربة لصورة الذات. هنا تكشف الرواية هشاشة الهوية حين تبنى على الإنجاز وحده؛ فالشخصية التي عرفت نفسها عبر التفوق تفقد مركز ثقلها حين ينتزع منها هذا التفوق. وتطرح الرواية سؤالا عميقا: هل الطموح فضيلة مطلقة؟ أم أنه حين يتحول إلى هوس يصبح أداة تدمير بطيء؟ الكاتب لا يدين الطموح في ذاته، لكنه يكشف حدوده الخطرة حين يصبح النجاح بديلا عن المعنى، والكمال بديلا عن السلام الداخلي. وكأن الرواية تقول إن هناك طموحا متبصرا، وطموحا أعمى؛ طموحا يقود إلى الأعلى، وآخر يردي إلى الهاوية.
انكسار الهوية في فضاء آخر
الغربة في الرواية ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل تجربة وجودية كاملة. فالراوي عربي في فضاء أوروبي، يعيش بين ثقافتين مختلفتين، ويشعر أنه غريب عن كليهما. يتعرض لنظرات الريبة، وتعليقات مبطنة، وإحساس دائم بأنه تحت الاختبار.
هذا الشعور بالغربة والمنبوذية يفاقم إحساسه بالضياع والتشظي، ويجعله يعيش وحيدا من غير سند، خائفا من السقوط في أي لحظة. لا يثق بأحد، ولا يأنس بأحد، وينظر إلى الآخر بعين الشك والريبة.
وتضاعف هذه الغربة هشاشته النفسية؛ فالتفوق، إلى جانب كونه طموحا شخصيا مشروعا، يتحول إلى وسيلة لإثبات الجدارة أمام الآخر. ويغدو النجاح محاولة لمحو الإحساس بالدونية، وإعادة بناء الهوية في سياق لا يمنح الاعتراف بسهولة. لكن المفارقة أن هذا السعي نفسه يعمق العزلة؛ فكلما اقترب الراوي من التفوق، ابتعد عن ذاته، وكلما ازداد نجاحا، ازداد شعوره بالفراغ.
بين الدواء والإنسان
من المحاور اللافتة في الرواية نقد المؤسسة العلاجية النفسية. فشخصية الطبيب «تيمور» تجسد نموذجا للمعالج البارد، المنشغل بالوصفة أكثر من الإصغاء، وبالعقار أكثر من المعنى.
تتكرر الإشارات إلى مضادات الاكتئاب وآثارها الجانبية، وإلى التلاعب الكيميائي بالدماغ، وإلى شعور المريض بأنه يدار دوائيا من غير أن يفهم إنسانيا. كما تستحضر الرواية سيرا أدبية مثل سيلفيا بلاث وفرجينيا وولف، لتضيء العلاقة المعقدة بين الإبداع والاكتئاب والعلاج الدوائي.
الرواية لا ترفض الطب النفسي في ذاته، لكنها تكشف خطره حين يفقد إنسانيته. فالدواء، من دون احتواء، قد يزيد العزلة، والإصغاء قبل العقار هو الخطوة الأولى في العلاج. وهذا ما ينجح فيه نسبيا طبيب المصحة «توماس»، الذي يتمكن من النفاذ إلى أعماق الراوي وترسبات ماضيه، وخاصة علاقته الملتبسة بأمه وأبيه، وهي علاقة ألقت بظلالها الثقيلة على شخصيته وحياته كلها.
فضاء العزلة وكشف الحقيقة
حين ينتقل الراوي إلى المصحة، يتحول السرد إلى مساحة أكثر تعرية. فالمصحة ليست مكانا للعلاج فحسب، بل مختبر إنساني تتكشف فيه الأقنعة الاجتماعية. هناك يلتقي «الساعاتي»، الشخصية المحورية التي تمنح الرواية عمقها الرمزي. وفي هذا الفضاء تتبدل الأدوار؛ فالطبيب قد يكون جزءا من المشكلة، والمريض قد يكون صاحب بصيرة خاصة. ورغم قسوة المصحة، فإنها تكشف حقيقة مفارقة: كثير ممن نسميهم مرضى ليسوا إلا ضحايا خذلان سابق، وإهمال، وانعدام احتواء. في المصحة يجد الراوي في الساعاتي ضالته وطوق نجاته، فيتخذه مرشدا وسندا ومعلما، بل ويعرض عليه أن يتبناه. وبينما يفقد طعم الحياة ويأنس إلى عزلة المصحة، يظل خائفا من الخارج بكل ما فيه. لكن خروج الساعاتي يصبح حافزا له على التعافي، وعلى الخروج لملاقاة الحياة من جديد، تحت ظل هذا الرجل الذي رأى فيه نورا وأملا في نفق الحياة المظلم.
القلب الفلسفي للرواية
يحضر الزمن في الرواية بوصفه سؤالا وجوديا. إنه زمن نفسي لا زمن تسلسلي؛ يتباطأ في الاكتئاب، ويتسارع في القلق، ويتشظى في الهوس. يعيش الراوي في سباق دائم مع الزمن، ويخشى التأخر أكثر مما يخشى الفشل. ويغدو تأجيل النتيجة بمثابة إعلان سقوط في سباق غير مرئي. هنا يتحول الزمن إلى مقياس للقيمة، لا مجرد تعاقب للساعات. وفي لحظات الانهيار يتوقف الزمن في وعي الشخصية؛ يصير فراغا، وانتظارا بلا أفق، ودائرة مغلقة. وهنا تقترب الرواية من التصورات الوجودية التي ترى في الزمن مرآة للقلق الإنساني. والزمن في المصحة يختلف عنه خارجها. فبين الناس يسير الزمن بحلوه ومره، وسط تغيرات ومشاهد وصور متباينة، أما في المصحة فهو زمن رتيب ممل، تتشابه فيه الأيام كأنها يوم واحد، ويبدو كأنه متوقف. وكأن الساعة تعطلت وثبت الزمن معها. وهذا يضاعف معاناة النزلاء وإحساسهم بالنبذ والغربة والوحدة. ومن هذه الزاوية تبدو المجتمعات التي نعيش فيها، في وضعها الراهن، صورة مكبرة للمصحة النفسية، لا تختلف عنها إلا في تفاصيل هامشية باهتة.
صانع الزمن أم صنيعة الزمن؟
تمثل شخصية «الساعاتي» ذروة الرمزية في النص. فظاهريا هو نزيل يحافظ على روتينه، وعلى سريره المرتب، وعلى انضباطه الصباحي، لكنه رمزيا يمثل محاولة لاستعادة السيطرة على إيقاع الحياة في مكان فقد فيه الجميع إيقاعهم. يحاول الساعاتي أن يصنع زمنه الخاص داخل عزلة قسرية، لا عبر تغييره بل عبر إعادة تنظيمه. وحين يفشل الإنسان في السيطرة على المعنى، يتمسك بالتفاصيل الصغيرة: الترتيب، والروتين، والدقة. لكن المفارقة الكبرى أن من يسمى صانع الزمن هو نفسه ضحية انهيار سابق. وهنا يتكشف السؤال العميق: هل يصنع الإنسان زمنه؟ أم أن الزمن هو الذي يصنعه؟
تميل الرواية إلى الخيار الثاني؛ فالزمن هو الذي صاغ الشخصية، وضغط عليها، وعجل بانكسارها، ولم يبق من المقاومة سوى إعادة تعريف العلاقة به. وليس الساعاتي وحده صنيعة الزمن، بل نحن جميعا كذلك. فنحن أسرى زمن يتحكم في معظم تفاصيل حياتنا؛ يقرر لنا متى نصحو ومتى ننام، ومتى نذهب إلى العمل ومتى نغادره، ومتى نأكل، ومتى نلتقي صديقا أو نزور حديقة. في الحقيقة نحن نتحرك داخل نظام زمني متسلط يضبط إيقاعنا، وأي خروج عليه يعرضنا للمساءلة، بل يحدث خللا واضطرابا في حياتنا.
مفارقة الوعي والزمن
لا تبدو «الساعاتي، صانع الزمن» الصادرة في بلغاريا عن دار الدراويش، رواية عن المرض بقدر ما هي رواية عن العلاقة المأزومة بين الإنسان والزمن. فالراوي لا يسعى إلى النجاح وحده، بل إلى قهر الزمن، وإلى أن يسبقه، وأن يثبت له أنه أقوى منه. لكنه يكتشف متأخرا أن الزمن لا يهزم بالإنجاز، ولا يروض بالكمال، وإنما يعاش بالتصالح. في المصحة، حيث يتباطأ الإيقاع وتتعطل سباقات الخارج، تنكشف الحقيقة العارية: الزمن ليس ما تقيسه الساعة، بل ما يحتمله القلب. والساعاتي، الذي بدا كأنه صانع الوقت، لم يكن إلا شاهدا على هشاشتنا أمامه؛ فكل محاولة لضبط عقارب الحياة هي في جوهرها محاولة لضبط ذواتنا. وهكذا تنتهي الرواية إلى مفارقة وجودية عميقة: لسنا نحن من يصنع الزمن، لكن وعينا به هو الذي يصنع صورتنا عن أنفسنا. ومن يعجز عن مصالحة ساعته الداخلية، سيظل عالقا بين تأجيل لا ينتهي وبداية لا تولد. ومع أن الرواية تنطلق من حالة فردية تبدو خاصة، فإنها تشير بوضوح إلى مجتمعات مأزومة، وعلاقات ملتبسة، وانهيارات على مستويات متعددة، وفساد مستشر، وهشاشة متفشية، وفئات منبوذة، وواقع مظلم، ومستقبل مجهول لا يبشر بخير.
كاتب أردني