في حرب ترامب التي لا تغتفر.. الأفضلية لإيران وأي نصر عسكري أو اتفاق سيكون أسوأ من السابق


لندن- “القدس العربي”:

خصصت مجلة “إيكونوميست” افتتاحية عددها الأخير للحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران. وتحت عنوان “فائدة لإيران”، حيث لم يحقق شهر من القصف أية ميزات أو منافع.

ومن هنان فالسؤال: هل سيغلّب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدبلوماسية أم يسير في طريق التصعيد؟

وقالت المجلة إن الرئيس ترامب، عاش، حتى بمعاييره الفوضوية، أسبوعا مضطربا وغير عادي في الحرب الضالة التي خاضها ضد إيران، فقد هدد بقصف وشيك ومدمر للبنية التحتية للطاقة المدنية في إيران. ورغم أن إيران لم تتراجع، وكذا الأسواق، إلا من تراجع هو ترامب حيث قال إنه اطلع على مقترحات سرية لمحادثات سلام، وتراجع عن قراره.

الضربة الأمريكية لم تزعزع قبضة النظام على الحكم في الداخل، بل على العكس عززتها، حيث أحكم الحرس الثوري سيطرته على البلاد

وبعد ذلك، أعلن البنتاغون أنه سيرسل أفرادا من الفرقة 82 المحمولة جوا،  وهذا يشير إلى أن التصعيد لا يزال احتمالا وارادا.

وفي وسط هذا الغموض في الموقف الأمريكي لم يتأثر النظام الإيراني، وبخاصة أنه بات يتمتع وبشكل لافت للنظر، بميزة استراتيجية على خصومه.

وتعلق المجلة أن الجمهورية الإسلامية، تعرضت لضربة قاسية، حيث تم قتل العديد من قادتها، وسقط مئات من المدنيين، ودُمرت دفاعاتها المدنية، وتم قصف بحريّتها وراجمات الصواريخ، لكن النظام تحمل هذه الضربات. و”كما حذرنا عندما بدأت هذه الحرب، فمجرد النجاة تعتبر انتصارا من نوع ما” للنظام.

وأشارت المجلة إلى أن الضربة الأمريكية لم تزعزع قبضة النظام على الحكم في الداخل، بل على العكس عززتها، حيث أحكم الحرس الثوري سيطرته على البلاد. أما المعارضون المحليون، سواء كانوا انفصاليين من الأقليات العرقية أم متظاهرين في المدن، فقد التزموا الصمت.

ولم تحل الحرب الأمريكية – الإسرائيلية مسألة الملف النووي، فلا تزال كميات اليورانيوم عالي التخصيب، والتي تبلغ نحو 400 كيلوغرام، سليمة، وربما لا تزال تحت الأنقاض.

والأهم من ذلك، أن إيران فرضت سيطرة خانقة على مضيق هرمز، ما منع دول الخليج من تصدير النفط والغاز إلى السوق العالمي، حيث تمثل هذه الصادرات خمس الإمدادات العالمية.

وتعلق المجلة أن المخططين العسكريين الأمريكيين، استعدوا ولعقود لهذا السيناريو الخطير. لكن الحرب أثبتت أن إيران قادرة على خنق المضيق، وأن زحزحة قبضتها عنه ستكون صعبة جدا.

 ونجحت إيران في هذه الحرب غير المتكافئة والتي عولت فيها على الصواريخ والطائرات المسيرة الرخيصة، وربما الألغام المضادة للسفن، في منع الولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق أهداف سريعة.

وفي السياق نفسه، لا تزال إيران تملك أوراقا رابحة في الخارج، فرغم تعرض جماعاتها الوكيلة بالمنطقة للضعف، إلا أن الحرب قد تعيد لها الشرعية التي فقدت بعضا منها خلال العامين الماضيين.

 ففي اليمن، ونتيجة لامتناع الحوثيين هناك عن إطلاق الصواريخ على ناقلات النفط في البحر الأحمر، يصل بعض النفط السعودي، الذي يضخ إلى الساحل متجاوزا مضيق هرمز، إلى الأسواق العالمية. مع أن أسعار النفط لا تزال تراوح حول 100 دولار للبرميل في الأيام الأخيرة. وربما يجد الحوثيون الآن حافزا للمطالبة بثمن باهظ جراء قرارهم عدم المشاركة، مثل المطالبة بالاعتراف الدولي بسيطرتهم على شمال اليمن.

وفي العراق، انقلبت الجماعات الشيعية المتحالفة مع إيران ضد الأكراد والأمريكيين.

نجحت إيران في هذه الحرب غير المتكافئة والتي عولت فيها على الصواريخ والطائرات المسيرة الرخيصة، وربما الألغام المضادة للسفن، في منع الولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق أهداف سريعة

وربما استعاد حزب الله، حليف إيران في لبنان، بعضا من شرعيته المحلية كقوة “مقاومة”، مع تعرض البلاد لهجمات إسرائيلية. ومن شأن محاولة إسرائيلية احتلال الجنوب أن تفاقم هذا الصراع وتعزز موقف الحزب.

وفي منطقة  الخليج، تقول المجلة إن دوله لم تكن راغبة  في الحرب هذه، لكنها باتت تخشى الآن من خروج إيران منها كبلد جريح ومتمرد وكتهديد أكبر عليها أكثر من ذي قبل.

وقالت المجلة إن أنظمة الدفاع في هذه الدول من الدفاعات الجوية والصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن، لم تكن مثالية، فيما أصبحت اقتصاديات هذه البلدان رهينة للتهديدات الإيرانية. وتجد نفسها أمام عدد من الخيارات أحدها الانضمام الكامل لأمريكا في الحرب.

وقد حذرت الإمارات من إجراء محادثات مع طهران، قائلة إن إيران ترتكب “إرهابا اقتصاديا” في المنطقة. وتفيد التقارير أن السعوديين يريدون من أمريكا نشر قوات برية.

وبالمثل، لم تعد إسرائيل آمنة أكثر مما كانت عليه قبل الحرب، فرغم نشوة بنيامين نتنياهو بالهجوم المستمر على إيران، إلا أن الصواريخ الإيرانية نجحت باختراق المجال الجوي الإسرائيلي، مما خلف قتلى. ولم يتم القضاء على التهديد النووي الإيراني. وبدون تغيير النظام، سيعود تهديد الصواريخ الباليستية، مما سيضطر إسرائيل إلى ضرب إيران كل بضعة أشهر.

ولكن الأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للدولة اليهودية هو أن علاقاتها طويلة الأمد مع أمريكا قد تتعرض للتوتر، فلا تحظى الحرب بشعبية بين معظم الأمريكيين، وإذا زادت الخسائر بين الجنود وارتفعت أسعار البنزين وانخفضت الأسواق، فمن سيلومون؟

وقد بدأ بعض أعضاء اليمين الجمهوري بالفعل بتوجيه أصابع الاتهام إلى إسرائيل. وقد ازداد عداء الناخبين، وبخاصة الشباب، تجاه الدولة اليهودية وباتت جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في أمريكا تواجه صعوبات كبيرة.

وباختصار، وعلى الرغم من قوة وتطور الهجوم العسكري الأمريكي- الإسرائيلي، تشعر إيران بأنها متفوقة على ترامب، فقد أثبتت أنها أكثر قدرة من أمريكا على إلحاق الضرر وتحمله.

وشن ترامب حربه التي لا تغتفر، دون تقديم أي مبرر استراتيجي لها. ورغم النجاحات العملياتية وادعائه غير المنطقي بتغيير النظام في طهران، إلا أنه لم يحقق أي مكاسب جوهرية من القتال. ومع تزايد التكاليف السياسية، سيتعرض ترامب لضغوط متزايدة.

ومن هنا فهو أمام خيارين: التصعيد أو الحوار.

وتقول المجلة إنه قد يميل إلى التصعيد الحاد، ملحقا أضرارا بالبنية التحتية المدنية لإيران، وقطاع النفط على أمل إجبارها على إعادة فتح مضيق هرمز. وقد تستولي قوات المارينز على جزيرة خرج الإيرانية والبنية التحتية للنفط فيها. وربما تسيطر على أجزاء من الساحل الإيراني وتحتل جزرا داخل المضيق. كل هذا قد يحقق فائدة عسكرية محدودة. ومع ذلك، لا يبدو أن أيا من هذه المناورات سيشكل ضربة قاضية.

بدأ بعض أعضاء اليمين الجمهوري في أمريكا بتوجيه أصابع الاتهام إلى إسرائيل. وقد ازداد عداء الناخبين، وبخاصة الشباب، تجاه الدولة اليهودية

فلا يزال بإمكان إيران إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة من داخل البلاد، أو محاولة زرع الألغام في مضيق هرمز. وسرعان ما سيتحول جنود الاحتلال إلى أهداف سهلة. فترامب، الذي كان يطمح لمحو ذكرى مغامرة جيمي كارتر العسكرية الفاشلة في إيران عام 1980، سيخاطر بتكرارها. كما أن تحويل موارد ضخمة إلى المنطقة سيضعف القوات العسكرية الأمريكية في أماكن أخرى، ولا سيما في آسيا.

ومن هنا، ترى المجلة أن الخيار الأسوأ هو السعي وراء محادثات جادة، والحكومة الباكستانية جاهزة للتوسط. يقول ترامب إنه قدم خطة من 15 بندا لإيران، رغم نفي المسؤولين في طهران وجود أي محادثات جارية، وبخاصة أن لديهم تجربتين سابقتين، دخلت فيهما أمريكا المفاوضات بسوء نية، مستخدمة إياهما كذريعة قبل شن هجومها. وبالتالي، فالشك الإيراني سيكون له مبرره.

وقبل المفاوضات، يجب على ترامب الموافقة على وقف إطلاق نار شامل، وإلزام إسرائيل بالالتزام به. وما يتبع من محادثات بشأن إعادة فتح المضيق وإبعاد إيران عن برنامجها النووي ستكون صعبة. وأي اتفاق نهائي سيكون أسوأ مما كان يمكن التوصل إليه قبل بدء الحرب، لأن ترامب قد عزز، دون قصد، موقف المتشددين وكشف عن مدى نفوذهم على مضيق هرمز. والنتيجة هي أنه في الوقت الراهن، على الأقل، الأفضلية لإيران.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *