في الهند.. أدب… ألوان ولغات


يحدثني البائع عن الفوارق بين الشاي الأخضر والشاي الأحمر، عن نسبة الكافيين في كل واحد منهما وعن الاختلاف في الطعم، كما يكلمني عن المزرعة التي يرعاها مع أخيه، والتي تقع على طرف المدينة. أقتني منه حاجتي ثم أخرج إلى شارع مكتظ في وسط ديبروغار (شمال شرق الهند). تزدحم في أذني منبهات سيارات، وكذلك عربات توك توك ثلاثية العجلات، ذات اللون الأزرق، فقد بلغت الساعة التاسعة مساء والحركة لم تخفت.
تتجول في المكان كذلك درجات نارية وأخرى هوائية، بينما رجال شرطة يطلون برؤوسهم من سيارات بيضاء اللون، يراقبون ما يحصل في صمت، يترقبون حادثا من أجل التدخل وتحرير مخالفات. أتوقف أمام معبد هندوسي وأرى الناس يدخلون إليه بعد أن ينزعوا أحذيتهم على عتبة الباب، ثم تخرج امرأة وقد ترصع جبينها بنقطة حمراء دلالة على أداء العبادة، وعلى مباركة الرب لها. فقد وجدت نفسي في مدينة تتعدد فيها الأديان، في كل ركن أرى شخصا يزين جبهته بنقطة حمراء دلالة على صلته بالدين. ولا تخطئ العين الأبقار التي تحوم بين الأزقة. تسير من غير هدى. والجميع يفسح لها المكان، من غير اعتراض أحد ولا أن يقطع مسيرها. ولا يتقدم منها شخص إلا إذا ود إطعامها، كما فعل شاب في الثلاثين من العمر، كما يبدو من ملامحه، مسد وبرها ثم دس في فمها حبات بطاطا، وأنا أنظر إليه من غير أن يُبالي بنظراتي نحوه.
انصرفت في سيري قبل أن ألج زقاقا آخر بطول مضمار سباقات متوسطة المسافات، تصطف فيه محلات بيع هواتف، وأنا أصغي إلى نداءات الباعة وهم يعرضون سلعهم على المارة. وفي نهاية الزقاق محل مأكولات تفوح منه روائح توابل وبهارات. هكذا هي الهند في ألوانها وعطورها وروائحها، في صخبها عندما يختلط الليل بالنهار، في مدينة ديبروغار، التي تحتفي بالحياة وتتصاعد فيها الأصوات من كل صوب، حيث باعة اللؤلؤ والذهب والماس، يجاورون باعة القات والعقارات، وعندما دخلت إلى مقهى أرجو منه قنينة ماء، جراء الحر الذي يتطاير في الأجواء، على الرغم من أننا في شهر فبراير/شباط، لمحت حفنة شبان يتحلقون حول الشاشة في مشاهدة مباراة كريكت.

لم يسبق لي أن شاهدت مباراة واحدة من هذه الرياضة، لا أعرف قوانين اللعبة، لكن شغف الشبان وأعينهم التي لا تنحرف عن الشاشة وحماستهم في التشجيع جعلتني أخمن أن جنون الكريكت في الهند يشبه جنون كرة القدم بين شباب العرب. وفي طريق العودة إلى الفندق تتوالى المعابد: هندوسية، بوذية، كنيسة ومصلى. مزيج من الأديان تتجاور فيما بينها. في هذه البقعة الضيقة من الخريطة التي نشبت فيها خلافات فيما مضى باسم الرب والدين، قبل أن يتصالح ساكنتها فيما بينهم. يختلفون في العبادة لكنهم يتفقون في المواطنة. كل واحد منهم له رب لكنهم يؤمنون بوطن واحد. مثلما عجت أذني بأصوات ونبرات لغات مختلفة: آسامية، هندية وبنغالية. لكنهم عند مقابلة أجنبي ينطقون بالإنكليزية. لا يشعر الهنود بغربة إزاء اللغة. لا حرج في الحديث لأن اللغة وسيلة وليست مشروع نقاشات سياسية. عندئذ تذكرت الحال في الجزائر، حيث يتصارع الناس عن علوية لغة حيال أخرى، في تصنيف اللغات، حسب سياقات غير لغوية، عن لغة علم أو لغة إسلام، فتصير اللغة في حد ذاتها حجة في إثارة نزاعات لا طائل منها. يصلح النموذج الهندي في التصالح بين الألسنة أن نستوحي منه مصالحة مماثلة في الجزائر.

مفترق الآداب

في جامعة ديبروغار التقي بطالبة تُدعى آشا. «اسمي يعني الأمل»، كما قالت. ترتدي زي الساري بألوانه الزاهية، وهي تأمل أن تنتهي من إعداد رسالة دكتوراه في معهد علوم الحاسوب. «شرعت فيها منذ عامين وما زلت في بداية الطريق»، أردفتْ ضاحكة. حدثتني عن مخاوفها من تصاعد الذكاء الاصطناعي، وما يمثله من خطر على مستقبلها في العمل، كما أسهبت في كلام عن أملها بأن تصير أستاذة في الجامعة نفسها. ثم افترقنا أمام مكتبة تعرض كتبا وروايات باللغة الإنكليزية، وهي مكتبة قابلت فيها دانيال الذي جاء من إثيوبيا من أجل الدراسة، مستفيدا من منحة أتاحتها له الهند، كما هي عادتها في استقبال طلبة من دول العالم الثالث، توفر لهم التعليم والإقامة. «لكنها تمنع عنا العمل»، يتحسر. لأن الطالب الأجنبي لا يستفيد من ترخيص بالعمل بما يتيح له كسب مالٍ، مع ذلك فقد بدا دانيال راضيا عن تجربته في الهند، التي وصل إليها قبل ثلاث سنوات. خضنا في حديث عن طلبة آخرين من دول افريقيا، وعن امتيازات الدراسة في تلك البلاد وما توفره من مناهج ومن مستويات متقدمة في تكوين الخريجين في جامعاتها، قبل أن التحق بإحدى جلسات مهرجان ديبورغار الدولي في الأدب، والذي انعقدت دورته الثالثة في نهاية الشهر الفارط. وهو مهرجان التأم فيه كتاب من ثلاث قارات، نسمع في أروقته اللغات كلها، لكن النقاشات تدور باللغة الإنكليزية.

كل الجلسات انتظمت في قاعات شبه ممتلئة، فقد لمحت الطلبة وهم يتسابقون في الانتقال من ندوة إلى أخرى، يحملون بين أيدهم دفاتر وأقلاما، يسجلون ملاحظات ويتناقشون مع الكتاب، كما إن الصحافة المحلية لم تتخل عن الحدث، في تغطية النشاطات وكذلك الأحاديث العامة أو الجانبية، التي تدور في المكان. إنه مهرجان في الأدب وكذلك في تقريب الثقافات في ما بينها، بما يؤهل ديبورغار بأن تصير عاصمة ثقافية للهند. لقد كرس المهرجان واحدة من جلساته الرئيسية عن الأدب العربي، ولم يكن الجمهور من طلبة وصحافيين فحسب، بل كذلك من شخصيات سياسية، وكذلك دبلوماسية، لذلك قابلت سفيرا سابقا للهند في عدد من الدول العربية، حكى لي واقعة حصلت له في الجزائر العاصمة، عندما وصل إليها في صيف 1965 بغرض المشاركة في تحضيرات المؤتمر الأفرو آسيوي، وهو مؤتمر كان يفترض أن يجتمع فيه قادة من دول افريقيا مع نظرائهم من آسيا، حول مشروع حركة عدم الانحياز وتعزيز التعاون جنوب ـ جنوب، لكن في اليوم التالي وعقب خروج السفير إلى الشارع رأى دبابات في وسط المدينة، ظن مثل غيره، أن الأمر يتعلق بتصوير فيلم عن حرب التحرير، قبل أن يعلم عقب منتصف النهار أن انقلابا قد وقع، وأن هواري بومدين أزاح الرئيس أحمد بن بلة. وبدل أن يشارك في تحضير المؤتمر طار إلى بلاده، يروي لهم ما رأى. وروى لي الحادثة مع ابتسامة، ومع مرور كل هذه العقود صرنا نبتسم عندما نتذكر تلك الواقعة، كيف تم التمويه على انقلاب عسكري بتصوير فيلم حربي. وفي اليوم الأخير من مهرجان ديبروغار الدولي للأدب، فلا بد من تذكار من الهند، لكنني لست من هواة التسوق ولا من أنصار التقاط الصور السياحية، وأجمل ذكرى نحملها من بلد إنما هي كتاب. ولم يخطر في بالي عدا شاعر البلاد الأكبر: روبندرونات طاغور. اشتريت مجموعة شعرية له باللغة البنغالية. لا أفهم هذه اللغة لكن الذكرى لا تحتاج إلى فهم. عدت وأنا أحمل اسم طاغور في حقيبتي وهذا سبب كافٍ من أجل تذكر الأيام الهندية في مدينة ديبروغار كلما لمحت غلاف الكتاب.

كاتب جزائري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *