من يتابع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول إيران يشعر بأن الرئيس الذي وعد قاعدته الشعبية بأنه سينهي الحروب الأبدية التي أدمنت أمريكا عليها، بات يستمتع بالحروب، بل لديه ووزير دفاعه بيت هيغسيث هوس بمفهوم القوة المطلقة والتدمير الشامل.
ففي مقابلته الأخيرة مع «فوكس نيوز» تحدث عن أكبر ضربة وجهتها القيادة المركزية في الشرق الأوسط في تاريخ العسكرية الأمريكية ضد إيران ومنشآت حماية النفط في جزيرة خرج التي امتنعت الطائرات الأمريكية عن ضربها منذ بداية الحرب التي أعلن عنها وبشكل مشترك مع إسرائيل في 28 شباط/فبراير.
فوضى الإستراتيجية الأمريكية
ووسط مبالغات الرئيس وأركان قيادته حول ما تم إنجازه حتى الأن من حصيلة تدمير وقصف للبنىى التحتية الإيرانية، تتشكل صورة أخرى مع دخول الحرب أسبوعها الثالث، وهي فوضى الإستراتيجية الأمريكية وتغير أهداف الحرب، من تغيير للنظام إلى تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية ومنع الإيرانيين من الحصول على القنبلة النووية، وحديث مضطرب عن فكرة إرسال القوات البرية إلى إيران واحتلالها، مع أنه استبعد فكرة وضع الجنود الأمريكيين على الأرض، لكن مع دونالد ترامب وتشوش حزمة أهدافه بات كل شيء ممكنا.
احتلال أم سرقة يورانيوم؟
فهناك تقارير تتحدث عن إمكانية إرسال قوات خاصة، كتلك التي أرسلها إلى فنزويلا لاختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، وبهدف تأمين اليورانيوم المدفون بالأرض منذ العام الماضي، وذلك بعد عملية قصف المفاعلات النووية بالتعاون مع إسرائيل. وتحدثت مجلة «إيكونوميست» (11/3/2026) عن عملية ضخمة لنقل ما حجمه 400 كيلو غرام من اليورانيوم عالي التخصيب، وعن عملية معقدة تحتاج إلى أكثر من 1000 جندي وغطاء جوي لأيام ونقل للمعدات الثقيلة لحفر المواقع وتأمين المادة الإشعاعية بدون التسبب بكارثة بيئية وحماية الجنود في عملية ستتم تحت الأرض. وتحدث خبير عن أن الولايات المتحدة قد تضطر لاحتلال قطعة من إيران ولفترة من الزمن. ولا أحد يستبعد هذا السيناريو عن ترامب الذي كرر أكثر من مرة أن إيران فقدت القدرة على القتال وتم تدمير كل قدراتها العسكرية والبحرية. وتحدث ساخرا عن كيفية تدمير القوارب الإيرانية وقتل الأبرياء الإيرانيين، أسوة بوزير حربه الذي قال إن الإيرانيين تم «تحميصهم»، هذا إلى جانب اللغة المهينة الصادرة عن زعيم أكبر دولة في العالم ويزعم أنه يقود أقوى جيش لم تشهده الإنسانية، وهي لغة تذكرنا بتلك التي استخدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأعضاء حكومته المتطرفة ضد الفلسطينين أثناء حرب غزة.
الرب وألعاب الفيديو
فنشوة ترامب في إيران لا تختلف عن تعبيرات مثل «حيوانات بشرية» ولا «يوجد أبرياء في غزة». بل يضاف إلى الهوس بالقوة الغاشمة رؤية دينية إنجيلية، وخاصة هيغسيث الذي يربط الولاء لأمريكا بحب إسرائيل. وكشف تقرير في صحيفة «الغارديان» (12/3/2026) عن عداء مستحكم للوزير الذي كان مقدم برامج في «فوكس نيوز» قبل أن يختاره ترامب لكي يشرف على أكبر قوة عسكرية في العالم. وقد تعرض هيغسيث لانتقادات بشأن مؤتمراته الصحافية التي يغيب عنها الإتزان وتفتقد للياقة وزير يشرح الحرب بطريقة متنمرة. وكما لاحظت كاتبة في مجلة «ذي نيويوركر» (12/3/2026) فإن ترامب يتعامل مع الحرب في إيران كلعبة من ألعاب الفيديو، وهو مستعد في أية لحظة لكتابة منشور على منصته «تروث سوشيال» معلنا النصر وبالخطوط العريضة. ولاحظت أن الرئيس الأمريكي خلق أكبر أزمة اقتصادية في العالم وورط 12 دولة في حربه الزاحفة في إيران والمتغيرة الأهداف في كل دقيقة، فتارة يقول «انتصرنا» وأخرى يقول إن «المهمة لم تنته» بعد. وقالت إن قلة تغريداته بشأن إيران، وخاصة في الأسبوع الماضي، ربما كانت دليلا على أن الحرب لم تعد شعبية في أوساط حركته «ماغا»، التي وعد أفرادها بانه سيركز على الاقتصاد ويتجنب توريط أمريكا في حروب حمقاء وتكرار أخطاء الرؤساء السابقين في الشرق الأوسط.
ومهما كان الأمر، فإن أزمة مضيق هرمز وإغلاق الإيرانيين له وارتفاع سعر البرميل إلى ما فوق 100 دولار، ليست أخبارا جيدة لترامب. ومع أن أزمة النفط الحالية تختلف عن أزمة السبعينات وبداية الثمانينات، حيث برزت حلول أخرى للنفط، من الغاز المسال والطاقة الشمسية، إلا أن النفط مهم لقطاع النقل والبتروكيميائيات. ومع ذلك كان موقف ترامب من ارتفاع أسعار النفط مثيرا للدهشة، عندما قال إن أمريكا ستحصل على مال كثير. إلا أن هذا الكلام يخفي وراءه قلة خيارات أمام ترامب وإدارته، فبعد إغلاق مضيق هرمز قال الكثير من الكلام ومفاده أن أمريكا سترافق السفن التجارية للمرور عبر المضيق كما أن قرار وكالة الطاقة الدولية الإفراج عن 400 مليون برميل من مخزون الطوارئ البالغ حجمه 1.8 مليار برميل لن يحل أزمة ستترك تداعيات طويلة الأمد على الإقتصاد العالمي العالمي، حسب مجلة «إيكونوميست» (12/3/2026) حيث قالت إن مهاجمة ترامب إيران كانت بالضرورة هجوما على الاقتصاد العالمي. ورأت أن العالم بعد نهاية الحرب سيكون مختلفا وسنجد أنفسنا أمام عالم جديد قد تغير، ويعرف المرشد الأعلى الجديد لإيران، مجتبى خامنئي، أن نقطة الضعف الأمريكية هي أسعار الطاقة.
كما وضعت الحرب على إيران التجارة والمستثمرين وصناع السياسة أمام واقع جديد يجب عليهم أن يعملوا من خلاله. ويعتقد مراقبون أن أزمة مضيق هرمز التي كان ترامب وأركان إدارته يعرفون مخاطرها ستطل. وقالت صحيفة «وول ستريت جورنال» (13/3/2026) إن ترامب أخبر المسؤولين في البيت الأبيض ان إيران لن يكون أمامها فرصة لإغلاق المضيق، لأنها ستكون استسلمت وهزمت. وقالت الصحيفة إن الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، أخبر الرئيس قبل الهجوم بأن أي عملية عسكرية قد تدفع إيران إلى إغلاق مضيق هرمز. وأكد كين في عدة إحاطات إعلامية إن المسؤولين الأمريكيين كانوا يعتقدون منذ فترة طويلة أن إيران ستنشر ألغاما وطائرات مسيرة وصواريخ لإغلاق أهم ممر ملاحي في العالم. ورغم اعتراف ترامب بالمخاطر، لكنه مضى قدما في اتخاذ أهم قرار في السياسة الخارجية خلال فترتي رئاسته. وأبلغ فريقه أن طهران ستستسلم على الأرجح قبل إغلاق المضيق، وحتى لو حاولت إيران ذلك، فإن الجيش الأمريكي قادر على التعامل معها. والآن، وبعد أسبوعين من الحرب، يرفض القادة الإيرانيون التراجع، وبرز مضيق هرمز كأقوى ورقة ضغط لطهران. وقالت «وول ستريت جورنال» (12/3/2026) إن قرار البنتاغون تعليق المرافقة العسكرية لناقلات النفط عبر مضيق هرمز، تثير احتمالية إغلاق مطول قد يعيق الصادرات عبر أهم ممر لنقل الطاقة في العالم ورفضت الولايات المتحدة طلبات متكررة من شركات النفط لتوفير مرافقة ناقلات النفط، وفقا لمسؤولين من دول الخليج.. ومن هنا تأتي تصريحات المسؤولين الأمريكيين من أنهم دمروا البحرية الإيرانية كجزء من طمأنة صناعة الشحن العالمية وتسويق الحرب للرأي العام الأمريكي وأنها لن تكون تدخلا طويل الأمد كما في العراق وأفغانستان. ومع ذلك فكلفة الهجوم تتزايد، فقد قتل حتى الآن 13 جنديا أمريكيا، وتعرضت الدول الحليفة لأمريكا في الخليج لهجمات مستمرة أثرت على وضعها كمناطق جذابة للمال والإستثمارات والسياحة. وبحسب البنتاغون بلغت كلفة الحرب حتى الآن 11.3 مليار دولار مع أن أحدا لا يعرف الكلفة الحقيقية لها. وفي الوقت نفسه أمر ترامب بنشر المزيد من جنود المارينز وحاملات الطائرات إلى منطقة الخليج، إلى جانب نقل دفاعات ثاد من كوريا الجنوبية إلى المنطقة، في تحرك يرى محللون انها تمنح فرصة للصين كي تعززهيمنتها على منطقة جنوب شرق آسيا.
روسيا والصين
وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» (13/3/2026) إن القادة العسكريين الأمريكيين أعادوا، قبل اندلاع الحرب مع إيران، توجيه مجموعة حاملات طائرات ضاربة من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط. وفي الأسبوع الماضي، نقل البنتاغون أنظمة دفاع جوي متطورة من آسيا لتعزيز الحماية ضد الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية. وتقول الصحيفة إن الحرب في إيران، ترهق بالفعل التزام أمريكا بتوفير الأمن في منطقة وصفها القادة العسكريون الأمريكيون بأنها «مسرح عملياتنا ذو الأولوية». وعلى المدى البعيد، يشير المسؤولون والمحللون إلى أن الحرب ستضعف النفوذ الأمريكي وتعزز حجج الصين حول تراجع أمريكا وتسرع سباق التسلح بين القوى المتوسطة. ورأى محللون أن نقل الارصدة الأمريكية المخصصة لمواجهة التأثير الصيني تعطي فكرة أن آسيا ليست على رأس أولويات الولايات المتحدة. وأن الحرب ستعطي الصين فرصة لتعزيز نفوذها وثقة العالم بها. علاوة أن قرار سحب الأرصدة العسكرية من هذه المناطق يعطي دول آسيا فكرة أنه لا يمكنها الاعتماد على أمريكا في الحصول على الأسلحة. وهو استنتاج، ربما توصلت إليه دول الخليج المترددة حتى الآن بالانضمام إلى الحرب، لتحفظها من تصرفات ترامب ولأنها لا تريد أن تظهر بمظهر بمن يقاتل في صف إسرائيل.
وقد منحت الحرب روسيا التي رفعت إدارة ترامب حظر تصدير النفط وباتت تستفيد من الحرب، فرصة لتعزيز نفوذها، رغم محاولات بريطانية لربط موسكو بالحرب مع إيران. ويرى ماكس بوت في صحيفة «واشنطن بوست» (9/3/2026) أن الحرب على إيران ستفرز رابحين أمريكا ليست إحداهما، وعنى بذلك روسيا والصين.
لحظة السويس
وفي الحقيقة يرى محللون ان الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي الغامض الأهداف، يهدد بلحظة السويس التي انهت الإمبراطورية البريطانية. ففي عام 1956 شنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عدوانا ثلاثيا على مصر عبد الناصر، ولم يتوقف إلا بعد أن تدخل دوايت إيزنهاور، الرئيس الأمريكي. ومنذ تلك اللحظة بدأ الوجود البريطاني في منطقة شرق السويس بالتراجع، وانتهى بعد انسحاب بريطانيا من المشيخات المتصالحة التي أصبحت الإمارات العربية المتحدة.
وترى صحيفة « الغارديان» (13/3/2026) أن غياب «الهدف الواضح» أطلق العنان للفوضى وربما أضعف العسكرية الأمريكية لعقود. وقال أحد المحللين أن أهداف الحرب تتغير ومنذ بداية الحشود العسكرية قبالة السواحل الإيرانية. وفي كل مرة تحدث فيها ترامب عن هدف لم يرفق باستراتيجية واضحة. كل هذا يؤشر إلى ان كارثة تنتظر الولايات المتحدة. ونقل موقع «ميدل إيست آي» (13/3/2026) عن بيتر فرانكوبان، أستاذ التاريخ العالمي، بجامعة أوكسفور قوله إن «إن انعدام الكفاءة هي أمر كارثي وخاصة أنها ظهرت للناس علنا»، فالولايات المتحدة بحاجة لحل أزمة المصداقية بعدما فتحت صندوق المتاعب «باندورا». فمع انهيار فرضيات انهيار النظام وخروج الناس للشوارع وفشل إثارة تمرد كردي، واختيار زعيم جديد للبلاد تبدو حالة الحرب الأمريكية في حالة يرثى لها. ويعلق آخرون على أن قدرة إيران لمهاجمة دول الجوار وإغلاق مضيق هرمز وإطلاق الصواريخ ضد إسرائيل، وهي نفسها عرضة لقصف لا يرحم وتعاني منذ أربعة عقود من عقوبات شديدة يعطي فكرة عن غياب الحل العسكري دونما حل سياسي. ويقول فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية وخبير شؤون الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد، لموقع ميدل إيست آي: «أعتقد أننا نشهد لحظة أزمة السويس بالنسبة للولايات المتحدة». ورغم الاختلافات بين حرب السويس واليوم، من ناحية غياب القوة العظمى التي ستحل محل الولايات المتحدة بالمنطقة، كما حدث لفرنسا وبريطانيا، لكن الدروس من الحرب الأخيرة ستؤثر على القوة الأمريكية، من ناحية إعادة الدول التي ظنت أن علاقاتها مع الولايات المتحدة هي ضامن لها من هجمات إيران، وعليه ستحاول البحث عن جهات أخرى لحماية نفسها.
نهاية الإمبراطوريات
وفي هذا السياق يرى فريد زكريا في صحيفة «واشنطن بوست» (13/3/2026) أن قرار ترامب العودة إلى الشرق الأوسط يعكس الحماقة الإستراتيجية التي أدت لانهيار الإمبراطورية البريطانية.
وقال إنه وعلى مدى خمسة عشر عاما تقريبا، اعتقد العديد من القادة الأمريكيين، بمن فيهم الرؤساء الثلاثة الذين تولوا السلطة خلال تلك الفترة – أن بلادهم منخرطة بشدة في محاولة إعادة تشكيل مجتمعات الشرق الأوسط. ورأوا أن التحديات الأكثر إلحاحا تشمل إعادة بناء القاعدة الصناعية الأمريكية ومواجهة صعود الصين. ومع ذلك، ها هي أمريكا، مرة أخرى، تخوض حربا لإعادة تشكيل مجتمع في منطقة الشرق الأوسط الكبير، ومثلما حدث في العراق وأفغانستان وليبيا، يبدو من غير المرجح أن تنتهي هذه الحرب كما يأمل مؤيدوها. وتساءل لماذا يتكرر هذا الأمر؟ وأجاب أنه لفهم الحاضر، علينا النظر إلى الماضي، وإلى الدولة الوحيدة في التاريخ الحديث التي تساوت سطوتها العالمية مع سطوة الولايات المتحدة. فقد كانت بريطانيا في مطلع القرن العشرين القوة العظمى الوحيدة في العالم، وبلغت حصة الإمبراطورية البريطانية من الناتج المحلي الإجمالي العالمي عام 1870 حوالي 25 في المئة، أي ما يعادل تقريبا حصة الولايات المتحدة اليوم، وكانت لندن العاصمة المالية للعالم. وأحبطت بريطانيا مساعي نابليون للسيطرة على القارة الأوروبية وجهود روسيا للتوسع في جنوب شرق أوروبا خلال حرب القرم. وقادت إمبراطورية مترامية الأطراف وفرضت أجندة الحياة الدولية، كما تفعل واشنطن اليوم.
وعلى مدار تلك العقود، تقريبا من ثمانينات القرن التاسع عشر وحتى عشرينات القرن العشرين، وجدت بريطانيا نفسها مضطرة للرد على حالات عدم الاستقرار والأنظمة القمعية والفراغ السياسي في جميع أنحاء آسيا وأفريقيا. فأرسلت قواتها وفرضت سيطرتها في أماكن مثل السودان والصومال والعراق والأردن. وبدت هذه المهام جميعها ملحة في حينها، لكنها أدت إلى انشغال لندن بسلسلة لا تنتهي من الأزمات المحلية في مناطق نائية من العالم، وغالبا بتكلفة باهظة.
فبينما كانت بريطانيا تخوض معارك مع القبائل في الشرق الأوسط وأفريقيا، كانت الولايات المتحدة، عبر المحيط الأطلنطي، تبني بهدوء أكثر الاقتصادات الصناعية تقدما في العالم. وفي أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، أعادت ألمانيا المهزومة بناء صناعتها وجهازها العسكري المتطور بشكل مطرد. أما بريطانيا، فقد انشغلت بالفوضى المحيطة بها، وتخلفت بشكل منهجي في جوهرها. وبمرور الوقت، كانت النتيجة انهيار بريطانيا كقوة عظمى في العالم.
واليوم، تستسلم أمريكا لبعض الإغراءات الإمبريالية نفسها. فهي تستجيب للأزمات الحقيقية في الشرق الأوسط، وترى منطقا سياسيا وعسكريا وأخلاقياً في هذه الإستجابة. ولكن في نهاية المطاف، تتمحور الاستراتيجية الكبرى حول تحديد أولويات الموارد المحدودة. فالولايات المتحدة لا تمتلك رأس مال سياسي غير محدود ولا قدرة استيعابية هائلة ولا قوة عسكرية ضخمة ولا مرونة اقتصادية كبيرة، وكل غارة جوية على طهران وكل طائرة اعتراضية مضادة للطائرات المسيرة تطلق فوق الخليج العربي وكل ساعة يقضيها مسؤولو الإدارة في مناقشة تفاصيل الخلافة السياسية الإيرانية، تمثل هدرا للطاقة كان من الممكن توجيهها نحو التحديات الجوهرية الحقيقية التي تشكل ملامح القرن الحادي والعشرين.
وقال إن الدور الأساسي الذي لا غنى عنه للولايات المتحدة يتمثل في ترسيخ النظام العالمي في مواجهة الطموحات التوسعية لبكين وموسكو.
ولا تتورط الصين في مستنقعات الشرق الأوسط، بل تستثمر بلا هوادة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات والروبوتات، وهي التقنيات التي ستحدد موازين القوى العالمية. أما روسيا، فلا تزال ملتزمة بشدة بزعزعة الأمن الأوروبي وتقويض الديمقراطيات الغربية من خلال حرب هجينة سياسية عسكرية، أثبتت صعوبة رصدها وصعوبة هزيمتها. ويشير التاريخ إلى أن القوى العظمى غالبا ما تستسلم لإغراء «الحروب الصغيرة» تحديدا لأنها توهم بتحقيق انتصارات سريعة سياسية وأخلاقية. ولسوء الحظ، نادرا ما تترجم هذه النجاحات التكتيكية إلى مكاسب استراتيجية، وغالبا ما تكون بمثابة الخطوة الأولى نحو الإنهاك طويل الأمد.
وحتى لو نجح التدخل في إيران، فسيتطلب ذلك انخراطا أمريكيا عميقا في مصير ذلك البلد. فهل هذا هو المجال الأمثل الذي ينبغي أن تكرس فيه أمريكا وقتها وجهدها خلال العقد القادم؟
ومن هنا فالدرس المستفاد من دور بريطانيا واضح: القوى العظمى لا تسقط عادة بسبب غزو جيوش أجنبية بل تسقط لأنها تفرط في التوسع على أطرافها وتهمل جوهرها.