في أبو ظبي.. المحلات فارغة والزوار يخافون تصوير الهجمات الإيراني


لندن- “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “صاندي تايمز” تقريرا أعدته لويزا كالاغان قالت فيه إن السياحة والتجارة اللتين تمثلان عصب الحياة في الإمارات العربية المتحدة، قد تم نزعهما ووضعت دول الخليج في خط نيران الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران.

وقالت الصحيفة إن الموسيقى الحماسية دوّت عبر مكبرات الصوت في مركز أبوظبي التجاري، وهي لحن وطني إماراتي يستمع إليه في كل مكان. وكان المركز -وهو أحد أشهر مراكز التسوق في المدينة- شبه خالٍ إلا من بعض الباعة الذين كانوا يرتبون الملابس بلا مبالاة، بينما كان عمال النظافة يمسحون الأرض. فقد كان هناك إنذار صاروخي في الليلة السابقة وآخر في صباح ذلك اليوم، لتحذير الناس من الهجمات الإيرانية. وتجاهل معظم من تبقى من الأشخاص، بعد فرار آلاف السياح وبعض المقيمين الأجانب من البلاد، هذه الإنذارات.

وتقول كالاغان، إن أسوأ كوابيس الدولة الخليجية قد تحقق قبل أسبوعين. فقد شنت إيران موجة من الهجمات، وأرسلت طائرات “شاهد” المسيرة محلقة فوق الماء لضرب ناطحات سحاب في دبي، التي تبعد أقل من 160 كيلومترا عن الساحل الإيراني.

ففي اللحظة التي اشتعلت فيها النيران في فندق فاخر بنخلة جميرا، تعرضت الصورة التي أنفقت الإمارات مليارات الدولارات لرسمها لضرر كبير، وهي صورة الملاذ الآمن البعيد عن الاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة.

وباتت الحكومة الإماراتية ودول الخليج الغنية الأخرى تواجه، الآن، تحديا هائلا.

وقد بدأت الحرب حليفتهم الأقرب، الولايات المتحدة، بالاشتراك مع إسرائيل، إلا أن دول الخليج، لا واشنطن، هي التي تقع في مرمى النيران. وإذا قرر الرئيس ترامب غدا إنهاء الحرب، فقد تستمر هذه الدول في مواجهة هجمات من نظام غاضب يقوده متشدد مصمم على الانتقام لمقتل والده، علي خامنئي.

ونقلت الصحيفة عن دانيا ظافر، مديرة منتدى الخليج الدولي، قولها: “لطالما عرفت دول الخليج بأنها واحة في الشرق الأوسط. وهذه الحرب، خاصة إذا استمرت، ستؤثر بشكل كبير على صورتها، وقد تكون التداعيات الاقتصادية مهمة جدا”.

وفي الوقت الذي قلل فيه المسؤولون في دول الخليج الأسبوع الماضي من تأثير الحرب مع إيران عليهم، إلا أنها، وفي المدى القريب، ستكون كبيرة. فقد انخفضت توقعات مؤسسة ستاندرد آند بورز العالمية للنمو في عام 2026، والتي كانت تقدر بنحو 4.3%، إلى ما يزيد قليلا عن 2%. كما تم إلغاء سباقات فورمولا 1 في البحرين والسعودية.

وعندما تعرض المركز المالي في دبي الأسبوع الماضي لهجوم بطائرات مسيرة، أمرت مؤسسات مالية كبرى بإخلاء بعض مكاتبها. كما أدت الهجمات على مراكز البيانات إلى تعطيل الخدمات المصرفية الرقمية. وفي يوم السبت، تصاعدت أعمدة دخان كثيفة من منشأة نفطية في إمارة الفجيرة إثر هجوم يشتبه بأن إيران نفذته بطائرة مسيرة.

وتضيف الصحيفة أن قطاع السياحة قد ينتعش من جديد بعد الحرب، لكن أعدادا كبيرة من السياح غادرت بالفعل. والأهم من ذلك بكثير، بحسب ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، هي “الاضطرابات التي لحقت بأنظمة التجارة والنقل، لا سيما خطوط الشحن والطيران وشبكات الخدمات اللوجستية الإقليمية”.

ونظرا لاندماج دولة الإمارات العميق في التجارة العالمية، “فإن الاضطرابات في حركة الملاحة البحرية أو المجال الجوي، حتى لو كانت محدودة قد تترك آثارا كبيرة”، وتضيف: “حتى الآن، أظهرت دولة الإمارات قدرة مؤسسية عالية على الحفاظ على استمرار الحياة الاقتصادية رغم الضغوط”. ولأن العديد من دول الخليج غنية جدا ومجهزة بأحدث المعدات العسكرية الأمريكية، فإن إهدار صواريخ اعتراضية تكلف ملايين الدولارات لإسقاط طائرة مسيرة لا تتجاوز قيمتها بضعة آلاف من الدولارات، لا يعتبر، حسب خبراء عسكريين، وسيلة فعالة لطمأنة السكان على المدى الطويل.

وتعلق الصحيفة أن الهجمات الإيرانية مصممة، على ما يبدو لإبراز هشاشة دول الخليج الغنية واستغلال دورها كمركز لوجستي مهم جدا في العالم لإحداث أكبر قدر من الاضطراب في الأسواق العالمية.

 ففي الأسبوع الماضي، استهدفت إيران ناطحات سحاب في الإمارات، بالإضافة إلى محطة لتحلية المياه في البحرين. وأحدث هجوم على مطار دبي الذي يعد من بين أكبر المطارات وأكثرها انشغالا في العالم، صدمة في كل مكان.

وتسعى الإمارات جاهدة للحفاظ على سكانها الأجانب الأثرياء، ولعرض صورة للحياة الطبيعية. في الأسبوع الماضي، أجرت نورة الكعبي، وزيرة الدولة في الخارجية الإماراتية، مقابلة مع مجلة “مونوكل”، التي تستهدف النخبة الدولية ومجتمع الأعمال، زعمت فيها أن سمعة الإمارات في مجال الأمن والاستقرار لم تتضرر، وأن السياحة ستنتعش قريبا. ولم تحصل الصحيفة على تعليق من المسؤولين الإماراتيين.

وفي غضون ذلك، تشن الحكومات في مختلف أنحاء الخليج حملة صارمة ضد كل من يخالف الخط الرسمي. ففي الأسبوع الماضي، ألقي القبض على سائح بريطاني يبلغ من العمر 60 عاما في دبي بتهمة تصوير هجمات صاروخية، ووجهت إليه تهمة بموجب قانون يحظر نشر مقاطع فيديو قد تخل بالأمن العام. وقد يواجه عقوبة السجن لمدة عامين. وأعلنت شرطة أبوظبي يوم السبت أنها ألقت القبض على 45 شخصا لتصويرهم مواقع تعرضت لهجمات إيرانية.

وفي البحرين، أُلقي القبض على ستة أشخاص على الأقل لتصويرهم غارات جوية. وتلقى بعضهم تهديدات بالإعدام، وفقا لمنظمات حقوقية. ويتم تحميل مقاطع الفيديو على الإنترنت، ثم تحذف فورا. وقال مصدر مقرب من السلطات الإماراتية، طلب عدم الكشف عن هويته، إن الحكومة تسعى إلى حلول دبلوماسية وتضغط لإنهاء الصراع. وأضاف المصدر أن الحرب فاجأتهم: سواء الضربات الأمريكية الإسرائيلية الأولية، أو الرد الإيراني.

وفي الوقت الذي يركز فيه المسؤولون الخليجيون في إدانتهم العلنية على إيران، يقول البعض في الأحاديث الخاصة إن الثقة قد انهارت أيضا مع الولايات المتحدة.

فقد استثمرت دول الخليج موارد سياسية واقتصادية هائلة في إدارة ترامب، وأنفقت أكثر من 100 مليار دولار على الأسلحة، بما في ذلك طائرات إف-15 وإف-35، وأنظمة باتريوت ونظام ثاد للدفاع الصاروخي. وفي العام الماضي، استحوذ الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن القومي الإماراتي وشقيق الرئيس، سرا على حصة بقيمة 500 مليون دولار في شركة ناشئة للعملات الرقمية مملوكة لعائلة ترامب. ومع ذلك، لم يكن هذا المستوى من الاستثمار، بحسب شخصين مقربين من حكومات الخليج، كافيا لتنبيههم إلى أن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي سيجرهم إلى الحرب. ونقلت الصحيفة عن مسؤول قوله: “هناك نظام حلفاء مزدوج في الشرق الأوسط. إسرائيل في القمة ودول الخليج في الأسفل”.

وترى الصحيفة أن هناك استياء يتصاعد، رغم ما حققته اتفاقيات إبراهيم عام 2020، ويتجلى هذا بوضوح في قطر، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة، والتي شنت إسرائيل عليها العام الماضي ضربة غير مسبوقة استهدفت قيادة حماس. وقد لخص أحد الإعلاميين الشباب من دولة خليجية غنية الوضع بقوله: “إسرائيل تحصل على نظام القبة الحديدية، ونحن نترك لوحدنا”.

وحتى الآن، لم ترد دول الخليج على إيران. ومع ذلك، إذا استمرت الحرب، فقد تجر إلى مواجهة عسكرية. وقد أثارت الهجمات الأمريكية أمس على جزيرة خرج، المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني، ونشر سفن حربية أمريكية جديدة ونحو5,000 جندي إضافي من مشاة البحرية في الشرق الأوسط، مخاوف من التصعيد.

وفي حين يبدي بعض المسؤولين الخليجيين استياءً شديداً من الولايات المتحدة، اعترف جميع من أُجريت معهم مقابلات بأنه لا بديل عن الأسلحة الأمريكية وأن التحالف القوي بين الولايات المتحدة ودول الخليج سيستمر. ومع ذلك، فقد كشفت الحرب أنه إذا أرادت دول الخليج الحفاظ على سمعتها في الاستقرار والازدهار، فسيتعين عليها التكيف، بما في ذلك زيادة الإنفاق الدفاعي، الذي يعد بالفعل من بين الأعلى في العالم.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *