القاهرة ـ «القدس العربي»: «في ثمانينيات القرن السادس عشر، كان لزوجين يعيشان في شارع هنلي في سترادفورد ثلاثة أبناء.. هم سوزانا، ثم هامنت وجوديث اللذان كانا توأمين. فارق الصبي هامنت الحياة في عام 1596 في الحادية عشرة من عمره. بعد أربع سنوات أو نحو ذلك، كتب الأب مسرحية تدعى (هاملت)». (مقدمة رواية هامنت). توّجت الممثلة الأيرلندية جيسي باكلي بجائزة الأوسكار لهذا العام عن دورها في فيلم (هامنت) للمخرجة الصينية كلوي تشاو، وعن رواية للكاتبة الأيرلندية ماغي أوفاريل بالاسم نفسه، التي كتبت سيناريو الفيلم بمشاركة مخرجته.
يقدم الفيلم رؤية ووجهة نظر أخرى لعالم شكسبير، بعيداً عن دراما أعماله المسرحية، بل يتوقف ويتأمل دراما حياته، من خلال حدث جلل يتمثل في وفاة طفله (هامنت) عقب إصابته بالطاعون الذي ضرب العالم في ذاك الوقت 1596. ووفق هذه الحادثة الحقيقية تنسج الرواية وكذلك الفيلم تفاصيل حياة عائلة شكسبير، وكيفية معايشتها الموت والفقد، كحالة مُمتدة لا تقتصر على الحزن، أو محاولة تجاوزه، بل التعايش معه كشكل من أشكال الوجود أو المصير الإنساني. وليكتب شكسبير بعدها بحوالي أربعة أعوام مسرحيته الأشهر (هاملت).
الفيلم أداء جيسي باكلي (آن هاثاواي)، بول ميسكال (شكسبير)، جو ألوين (بارثولوميو)، إميلي واتسون (ماري)، ديفيد ويلموت (جون)، جاكوبي جوب (هامنت) الأفضل تمثيلاً، أوليفيا لينز (جوديث)، بودي راي (سوزانا).
الخيال الفني
تستشهد كاتبة الرواية في مفتتحها بعبارات كتبها ستيفن غرينبلات في مقال بعنوان (موت هامنت وتأليف هاملت) في «نيويوك ريفيو أوف بوكس»، إذ يقول.. «هامنت وهاملت هما في الواقع الاسم نفسه، قابلان تماماً للاستبدال في سجلات سترادفورد في آواخر القرن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر». ومنه تنسج حكايتها عن أسرة فقدت طفلها، وما بين رؤية وإحساس مختلفين لهذا الفقد من خلال أب وأم، حيث يبدو الاحتفاء هنا بشخصية الأم (أجِنس) وزوجها الذي لم تذكر اسمه مؤلفة الرواية، وهكذا الفيلم. فالأمر لا يتعلق ولا يسعى للصخب الدائم الملازم لشخصية شكسبير ومؤلفاته وتأثيره، بل مجرد رجل عادي يعيش حياته الأسرية المضطربة، يحتكم إلى العقل والثقة بموهبته، بينما امرأته لا ترى اليقين سوى في حدسها.
الطبيعة والفن

يبدو التناقض من البداية، وبعد قصة الحب بين شكسبير وآجِنس، والأول غائب في معظم الأحيان، بينما المرأة/الزوجة/الأم هي الحاضرة، لتبدأ مشاهدها بين الطبيعة، الأرض والأشجار والتربة التي تحتمي بها، وتكاد تتحد معها، حدس بدائي يصل إلى أمها التي وصمت بالسِحر، فالجميع ينظر إليها نظرة شك، هذا التواصل أو التناغم الكوني، وقد وضعت مولودتها الأولى بمفردها بين أحضان هذه الطبيعة، هذا التناغم ينتفي تماماً نتيجة فقدها طفلها. على الجانب الآخر يأتي دور الأب وشخصيته المختلفة، التي لا تؤمن بالوجود في هذا المكان، بل ينتابه اليأس من وجوده في بيته بين طفلته وزوجته، يريد الذهاب إلى المدينة وصخبها، هناك حيث عالم المسرح والفن الذي ينتمي إليه، ما جعل الفيلم يؤكد غيابه في حدثين مهمين، أولهما ولادة توأميه، والآخر وهو الأهم عند موت ابنه (هامنت). هنا يبدو الشقاق والغضب من الزوجة/الأم من هذا الغائب حتى عن رحلة الألم التي خاضها الطفل بمفرده. وكأن الأب اختار فرقته المسرحية بديلاً عن أسرته.
البعث حياً
يعود الأب إلى عالم المسرح، فلا وجود له إلا من خلاله، وتظل المرأة تنسج حزنها في تذكّر الطفل الراحل، صمت وتفاصيل تزيده وطأة، ثقل لا يُحتمل. لكن الرجل بدوره يُعاني من دون أن تنفجر هذه المعاناة كما تفعل امرأته، صمته مختلف تماماً عن صمت المنزل الذي تحول إلى مقبرة، لتصبح وتتجسد هذه المعاناة في عمل فني أطلق عليه (هاملت)، أو (هامنت) هذا الطفل الذي يتجول كشبح، ويخشى الصمت التام الذي يحيطه، حتى يدخل كهفاً مظلماً وهو مرتعب، يصبح كشبح الأب في هاملت، الذي من خلاله تبدأ الأحداث وتنتهي بموت هاملت نفسه، فالشبح باقٍ ويريد الثأر، بعد أن مات صاحبه غدراً، وإن كان من خلال تخليده وبعثه حياً في عمل مسرحي لم يزل يعيش حتى الآن.
مأساة هامنت

تسمع الأم بأن زوجها يعرض مسرحية تحمل اسم (هاملت) وتثور غاضبة لتشابه الاسم مع اسم ابنها، وتعتقد أن زوجها استغل الابن المفتقَد حتى يفوز بعمل مسرحي جديد، وتحضر العرض المسرحي بالفعل، وترى طفلها وقد أصبح شاباً ولو على خشبة مسرح، هنا يتداخل الواقع مع الخيال، فتتوحد المرأة مع حكاية هذا الشاب، وتبتسم ابتسامة لا إرادية، وقد رأت ابنها من جديد في سن مختلفة، كما كان يريد وهو صغير أن يمسك سيفاً ويقوم بالتمثيل. هذا الخيال الفني هو القادر على استعادة الحياة مرّة أخرى، ولكنها لحظات كالحلم، فكما دخل هامنت كهفاً مظلماً، يخرج هاملت بدوره ويُغادر المسرح إلى كواليسه عبر منطقة مظلمة، لينفض الجمهور بعدما يبكون على موته أمامهم، وكأنهم شاركوا في جنازة كبيرة أقامها شكسبير في كل زمن ومكان تُعرض من خلاله المسرحية، كحفل تأبين يليق بمأساة هامنت.
معاناة لا تنتهي
يطرح الفيلم ويؤكد فكرة كيفية التعايش مع الألم، دون تجاوزه. كقدر إنساني لا يمكن الفكاك منه، وربما تتجلى بطولة الإنسان على مسرح الحياة، تعايش فعلي كل يوم ولحظة، من دون التورط في كليشيهات تحويل الألم إلى فن، أو أن الفن الحقيقي يُخلق من المعاناة، الأمر يفوق ذلك، فالعرض المسرحي وتكراره يؤكد حالة التعايش هذه، ولو في شكلها الفني، ولكنه أيضاً هو نفسه المعاناة الدائمة التي لا تنتهي، ولا يصيبها النسيان أو حتى التناسي. وهو ما عبّر عنه الفيلم، سواء من خلال اللقطات الطويلة زمنياً، أو الإيقاع الأشبه بالتأمل والعيش من خلال الذكرى، وكأن الزمن تجمّد، فلا ماضٍ ولا مستقبل، فقط.. لحظة آنية مُمتدة لا يمكن تخطيها، أو حتى الخروج منها بأي شكل من الأشكال.