لندن – «القدس العربي» : بعد أفلامها الروائية الطويلة «اليوم الذي فقدت فيه ظلي» و»نزوح» والوثائقية الطويلة «مدينتان وسجن» و»سقف دمشق وحكايات الجنة» و»غامض»، والوثائقية القصيرة «خبز محاصر» و»عزيزة»، تعود السورية سؤدد كعدان بفيلم قصير مدته (14) دقيقة، إنتاج هذه السنة هو فيلم «قيشاني» وعنوانه بالإنكليزية (When The Tiles Spoe)، سؤدد ولدت في باريس ونشأت في دمشق، تقيم حاليا في لندن، حظيت بشهرة واسعة، بعد عرض فيلمها الروائي الطويل الأول في مهرجان البندقية السينمائي عام 2018، الذي حصل على جائزة أسد المستقبل المرموقة – لأفضل فيلم روائي أول، وكانت هي المرة الأولى التي يُشارك فيها فيلم روائي سوري في مهرجان البندقية، وحصلت على جوائز أخرى عن مشاركاتها العديدة في مهرجانات عالمية، فيلمها الروائي الثاني عُرض في دور السينما في المملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا وسويسرا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، جميع أفلامها الروائية متوفرة على منصة (نتفليكس) وبفضل خلفيتها متعددة التخصصات في الأدب الفرنسي والمسرح والسينما، تُضفي سؤدد منظورا شكليا فريدا على أعمالها؛ «قيشاني» عرض مساء الثلاثاء 24 مارس/ آذار، ضمن فعاليات الاحتفال بالذكرى المئوية لمتحف (Leighton House- 1926-2026م) في لندن.
ماء.. أشجار برتقال وياسمين
الفيلم يتحرك في فضاء يجمع بين الوثائقية والواقعية السحرية، ويمنح صوتا للقطع الأثرية، بوصفها شاهداً على رحلة طويلة بين القرون، والحدود في المشهد الليلي الحالم، الذي يصوره، يصبح التصميم الداخلي، الفيكتوري أرشيفا حيا للهجرة والفقدان والانتماء، تتحدث القطع عن دمشق التي لا تزال حية فيها.
تقول سؤدد: «(Leighton House) زرته، لأول مرة، سنة 2023، في ذلك الوقت، لم يك مسموحا لي بالعودة إلى سوريا، مخابرات النظام حذرت عائلتي من عودتي، أو حتى مجرد التفكير في أمرها، راودني خوف من ألا أرى مدينتي دمشق القديمة مرة أخرى، شعرتُ كأنني شجرة اقتلعت من جذورها؛ بدا لي من الخارج منزلا عاديا، واجهة متواضعة من الطوب، مثل كثير من المنازل الأخرى في لندن، لا شيء يشير إلى ما يخفيه في الداخل، بمجرد تجاوزي مكتب الاستقبال، كانت هناك «القاعة العربية» تصميمها الداخلي خفي، على طراز القاعة الدمشقية، ببلاط أزرق وفسيفساء، تتوسطها نافورة مياه.
وتستطرد: «شعرتُ وكأنني أدخل منزلا دمشقيا، هناك المنازل لا تكشف عن نفسها بسهولة، واجهات بسيطة، جدرٌ تُطلُ على الشارع، وجهٌ لا يُفصح عن شيء؛ بيوت لا تكتشفها إلا بدعوةٍ شخصية من أصحابها حيث تمرُّ عبر بابٍ خشبيٍّ صغير، وما إن تدخل، حتى تنزل قليلا لأن الباب منخفض، عندها فقط، ينفتح لك العالم في الداخل: ماء، أشجار برتقال مرٍّ وياسمين، الواجهات الفخمة ليست من ثقافتنا، لمست الروح ذاتها في (Leighton House)، ضبط النفس الذي يفسح المجال للدهشة. تأثرتُ عندما وجدتُ قطع البلاط تلك هنا، وبدت لي واحة صغيرة من الهدوء، وسط لندن. للحظة، شعرتُ بأنني لستُ بعيدةً عن الوطن».
التمهل والنظر بشكل مختلف:

وتقول عن قصة الفيلم أيضا: «صوّرتُ معظم المشاهد الليلية بتقريب شديد، بعدسات (ماكرو)، لأنها كانت الطريقة الوحيدة لإعادة القصة إلى من يحملها حقا، تجنبتُ اللقطات الواسعة الشاملة للمكان، خشية أن تتخذ اللقطة العامة طابعا استشراقيا، بدلا من ذلك، ركزتُ على تفاصيل البلاط: جماله الفني، وحرفيته، وآثار الزمن عليه، هذا التغيير في المقياس هو أيضا تغيير في القوة، إذ ينقل النظر من الجامع إلى البلاط نفسه.
حتى الآن، عندما نتحدث عن «القاعة العربية»، فإن الصورة الرئيسية هي صورة القاعة نفسها، لا يمكنك رؤيتها عن قرب إلا بعد مشاهدة الفيلم، والبدء في تقدير ما حاول الحرفيون من دمشق والمناطق المحيطة بها عكسه، عن عصرهم، والتعبير عنه ثقافيا وسياسيا؛ معظم من شاهدوا الفيلم عادوا إلى القاعة بعد ذلك، وحاولوا العثور على الشخصيات، لكنهم لم يتمكنوا من العثور عليها جميعا، لقد اعتدنا على إلقاء نظرة سريعة على القطعة الأثرية في المتحف، ثم الانتقال إلى غيرها؛ «قيشاني» دعا المشاهدين إلى التمهل والنظر بشكل مختلف، اقترح إدراكا مختلفا وعلاقة مختلفة مع المكان.
غالبا ما تُجمّد المتاحف القطع الأثرية في صمت جمالي، وعندما تمنح القطع الأثرية صوتا يكون ذلك عادة من خلال جولة مصحوبة بمرشد، أو مجموعة صوتية، تتحدث عن أحداث وتاريخ، المؤسسة هنا تتحدث نيابة عن القطعة الأثرية. في هذا الفيلم، قطع البلاط هي الأبطال، لكل قطعة منها صوتها الخاص، الحميم والمميز، وهي حرة في تخيل ما ستقوله ليلاً، عندما يرحل الجميع، كان من المهم بالنسبة لي، أن يكون طاقم التمثيل من الممثلين العرب المقيمين في المملكة المتحدة، حاملين معهم لهجاتهم، وذاكرتهم الثقافية وعلاقتهم بتراثهم الخاص وهم: خالد عبد الله، سعاد فارس، ليم لوباني، سارة مصري، سامي أبو وردة».
ذاكرة تتأرجح بين التاريخ والحلم:
وفي الختام تقول كعدان: في مطلع هذه السنة، عدتُ أخيرا إلى دمشق، بعد 14 عاما من الغياب القسري. وأنا أتجول في المدينة القديمة، وجدتُ نفسي منجذبةً إلى البلاط والفسيفساء بشكل مختلف، أتوقف عند تفاصيل مررتُ بها آلاف المرات؛ أنظر عن كثب إلى الحرفية، والأنماط، والقطع، «قيشاني» منحني انتباها جديدا إلى ما تحمله، وساعدني، بطريقة ما، على رؤية الأماكن التي ظننتُ أنني أعرفها جيدا بشكل مختلف، الفيلم مزيج بين الخيال والوثائقي لأن الذاكرة نفسها ليست خطية، إنها تتأرجح بين الحقيقة والشوق، بين التاريخ والحلم، لأن المنفى نفسه يبدو كذلك – مفاوضات مستمرة بين ما هو حقيقي وما هو مُتذكر وُلد هذا الفيلم من تلك الحالة البينية.
