القاهرة ـ «القدس العربي»: لم يكن العام 1936 عاماً عادياً في حياة الشعب الفلسطيني الذي استيقظ صباح يوم من أيام ذاك العام ليشهد نسج شَرَك تم نصبه بمهارة لم يزل يعاني منه الفلسطينيون حتى اليوم. ذلك العام الذي شهد اغتصاب الأراضي الفلسطينية بمباركة قوات الاحتلال الإنكليزي، لتحل محلها شيئاً فشيئاً العصابات الصهيونية. لم يعد الأمر يتمثل في حرب 1948 والتي يُشاع دعائياً أنها وقت وزمن «النكبة»، أو حتى حرب يونيو 1967 المعروفة إعلامياً عندنا بـ «النكسة»، فما قبل نكبة ونكسة كان هناك صراع مقيم على هذه الأرض، وبداية لرحلة نضالية لشعبها على اختلاف ألوانه. ويأتي فيلم «فلسطين 36» ليُشير ويؤصل لبدايات المأساة الفلسطينية، ويستعرض من وجهة نظره حكاية جديدة لبدايات احتلال الأرض وتشريد أصحابها. حكاية ربما مسطورة في كتب التاريخ أو ذكريات توارثتها أجيال متواترة، بعيداً عن صخب الميديا وأغراضها.
من ناحية أخرى يحاول الفيلم تصحيح عدة مفاهيم تمت الدعاية لها وتأصيلها في وعي أجيال لاحقة، بداية من شعب استسلم أو باع الأرض طوعاً بإرادته، أو أن المشردين الغزاة كانوا على قدر من القوة والمقدرة تمكنهم بمفردهم من احتلال الأراضي الفلسطينية، من دون رعاية كاملة ووجود قوي استطاع صياغة الوضع الجديد، بل وساعد على اختلاقه بشتى الطرق، والذي يتحمّل وحده حدة اشتعال هذه الأرض حتى الآن، وهو الاحتلال البريطاني. وإن كان الفيلم يدور خلال الفترة ما بين 1936 و1939، إلا أن مُصادفة عام إنتاجه في 2025 لا يمكن بحال من الأحوال إلا أن تمتد بالأحداث حتى حرب غزة لتكتمل صورة الاحتلال ومقاومته حتى اللحظة الراهنة.
الفيلم تأليف وإخراج آن ماري جاسر، أداء صالح بكري، ياسمين المصري، ظافر العابدين، هيام عباس، روبرت آرامايو، كامل الباشا، جلال الطويل، يافا بكري، كريم داود عناية، بيلي هاول، وليام كنينغهام، وجيرمي آيرونز.
هناك خلفية تاريخية حاول الفيلم الاستناد إليها وتسريبها خلال الأحداث، بل والتنبيه إلى القرارات الدولية وتبعاتها، وبالتالي حتمية عقد مقارنات حالية لما يحدث في الأرض المحتلة من مؤامرة أو تخطيط مسبق من الدول الكبرى. فعن طريق عُصبة الأمم التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى خوفاً من اشتعال حرب عالمية أخرى! والتي أصبحت الآن الأمم المتحدة صدر قرار عام 1922، الذي يقضي بالانتداب البريطاني على فلسطين، وقد استندت وثيقة الانتداب هذه إلى المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم، التي تنص على أنه «في مجتمعات معينة يمكن الاعتراف المبدئي ببعض الجماعات كأمم مستقلة». وهو ما مهد للاعتراف بحق التواجد اليهودي في فلسطين، كجماعة من حقها إنشاء كيان أو دولة. تمثل هذا التواجد في الوكالة الصهيونية، التي منحها صك الانتداب صلاحيات شبه حكومية، بصفتها مؤسسة أهلية ذات سلطات، مع منحها المساعدات والامتيازات من قِبل الحكومة البريطانية. كل هذه الأحداث المتلاحقة كانت سبباً في قيام الثورة الفلسطينية، التي بدأت عن طريق الفريق التابع لعز الدين القسام، الذي قام بقتل إثنين من اليهود وإصابة ثالث خلال هجوم على مركبتهم في طول كرم، ثم بعدها جاءت سياسة الإضراب العام الذي اتفق حوله الفلسطينيون تحت رئاسة أمين الحسيني. لم يستثن الإضراب فئة من الفلسطينيين، بل شملهم جميعاً، خاصة الفلاحين منهم، فهم أساس الثورة ووقودها.
جرّاء ذلك شنت العصابات الصهيونية هجومها، كما قامت القوات البريطانية بقتل وإعدام المناضلين الفلسطينيين، على رأسهم عز الدين القسام نفسه، في شكل من أشكال الإبادة المُبكرة.
من ناحية أخرى وعلى إثر الأحداث تشكّلت لجنة تحقيق ملكية بريطانية «لجنة بيل»، وقد تضمن تقريرها اقتراحاً بتقسيم فلسطين إلى جزء عربي وآخر يهودي. هذه هي الخلفية التي تدور من خلالها أحداث الفيلم.
هنا فلسطين
يبدأ الفيلم بمشهد دال، وهو تأسيس إذاعة فلسطين، ليقف حاكم القدس وحاخام يهودي، وبينهما المندوب السامي البريطاني والحاكم الفعلي، ليتحدث أولاً، ثم يعطي الكلمة للحاخام، وأخيراً الفلسطيني صاحب الأرض، الذي لا يجد ما يقوله سوى.. هنا فلسطين، هذه العبارة التي ستتكرر قولاً وفعلاً فيما بعد وحتى الآن، سواء بالإضرابات أو المفاوضات، أو بما هو أجدى.. القوة المسلحة.
ثورة الجميع
لم يختزل الفيلم أو يقصر الثورة على فئة أو أطياف معينة من المجتمع الفلسطيني، فهناك الفلاح والعامل والقِس، وهم يمثلون أغلبية الشعب الفلسطيني، وفي إشارة لافتة نجد أن هذه النماذج/الشخصيات، تم اغتيالها في الفيلم. أما الفئة المترفة من المثقفين أو السياسيين، فهم أما مخلصون وشهود على ما حدث (خلود الصحافية خريجة أكسفورد)، أو شخصية الزوج الثري (أمير بك) الثائر في الظاهر، والمتعاون مع الاحتلال حقيقة، فهو يريد التعايش مع جميع الاحتمالات، ولا يريد أن يخسر شيئاً، اللهم زوجته في النهاية عندما كشفت أمره. وأمير هذا بدوره شخصية مُربكة، فهو يدّعي بأن اللجنة الصهيونية هي التي أسست «الجمعية الإسلامية» وهو أحد أعضائها، ذلك بهدف تشكيل معارضة للأحزاب المحلية التي تدعم المقاومة، وهذه الأموال تدفع عن طريقه إلى أعضاء الجمعية، على وعد بدعمه ليتولى منصب رئيس بلدية. وهو أمر لا يستند إلى واقعة تاريخية (راجع أعمال إبراهيم نصر الله على سبيل المثال للوقوف على قراءة الوقائع التاريخية وتفنيدها منطقياً).
الأنماط
ورغم الاهتمام البصري بالتفاصيل، وكشف التناقض بين المناخ السياسي لكل من الريف والمدينة، وكذا طبيعة ونوعية الثوار واتحادهم وفق هدف وحيد هو خروج المحتل الصهيوني الجديد، وكذلك سبب وجوده المتمثل في الجيش البريطاني، إلا أن فكرة التنميط ــ تنميط الشخصيات ــ وكذا لي ذراع الحقائق والوقائع التاريخية، جاء كل ذلك ثقيلاً ومُقحماً على البناء الدرامي. فمن الجيد الاستناد إلى الوقائع التاريخية واستخدامها درامياً، ليس في شكل مباشر كتقرير مدرسي، وهو ما تم استغلاله في تصوير لحظة موت الفتى الريفي في أحد الكهوف، وهو صورة مماثلة لموت عز الدين القسام على سبيل المثال. أما باقي الشخصيات فمتواجدة لتقول هذا الكلام أو ذاك، سواء توافق ذلك مع شخصيتها أم لا، وهو أمر معروف لدى كُتّاب السيناريو، فحتى ولو أنت صانع هذه الشخصية، إلا أن بعدها يصبح لها وجودها ومنطقها، فأنت وإن كنت تصنع وجودها، إلا أنك لا تمتلك روحها. ففي كل موقف أو حدث نتساءل.. أين حياة الشخصيات ووجودها، فهي تتحرك وتفعل وكأنها إلى الروبوتات أقرب، ربما شخصية القِس هي الأقرب للشخصية الإنسانية، من دون باقي الشخصيات المُنَمّطة.
اهتم الفيلم بحالة توثيق الأحداث، وهي حالة ضرورية لا فرار منها، ولكن التوثيق مع تنميط الشخصيات جعل الأمر غائباً درامياً، فقط شكلاً جمالياً للأماكن والأجواء الفلسطينية لا يمكن إنكاره، ولكن كيفية توظيفه درامياً فهو شيء آخر ابتعد عنه الفيلم في الكثير من أحداثه وإيقاعه المتفاوت، الذي لم يكن على الوتيرة نفسها طوال الخط، وهي مشكلة أخرى تواجه مثل هذه الأفلام التي تريد قول كل شيء، بينما تفقد تركيزها، تقودها جماليات الصورة فقط، فلا تقول إلا القليل مما انتوت بالفعل.