لم يزل الفن التشكيلي الانطباعي، القائم على الرسم الواقعي، يحظى بقبول واسع ويحتفظ بجاذبيته لدى المتلقين، لأنه يمثل في جوهره ذلك الشكل الأولي من الرسم الذي يبدأ به الإنسان حين ينقل ما يراه إلى الورق أو الجدار أو أي سطح آخر. ومن هذا المنطلق، تبلورت مدارس فنية مثل الواقعية والانطباعية والتعبيرية والتأثيرية، وهي جميعها، بدرجات متفاوتة، تنطلق من المشاهدة المباشرة للطبيعة، ومن التقاط الأثر البصري اللحظي، بدلا من الارتهان إلى التفاصيل الدقيقة وحدها.
وتقوم هذه المدارس على رصد تحولات الضوء والظل، وتبدلاتهما، عبر ألوان مشرقة وضربات فرشاة سريعة، وغالبا ما تُنجز في فضاءات مفتوحة. ورغم ما قد يحدث بينها من تداخل أو مزج، ولا سيما بين الواقعية والانطباعية، فإنها تنتمي إلى منبع بصري وجمالي واحد. غير أن هذه التجربة لم تعد اليوم مجرد محاكاة للطبيعة، بل غدت بحثا في فلسفة اللوحة، وفي دينامية اللون، وفي الأبعاد البصرية التي تصنعها الخطوط داخل العمل الفني.
ضمن هذا الأفق تبرز تجربة الفنان التشكيلي عماد جواد، التي تكشف لوحاته عن وعي جمالي خاص، يجعلها أقرب إلى المدرسة الاستشراقية، ولكن بروح حديثة تمزج بين التوثيق التاريخي والحساسية الانطباعية. وتقوم هذه التجربة على عدد من المرتكزات الفنية والجمالية.
أولى هذه المرتكزات هي المشهدية البصرية، إذ يقدم الفنان الشرق بوصفه فضاء غنيا بالتفاصيل، ومسرحا مفتوحا للتأمل. فهو لا يكتفي بنقل الواقع كما هو، بل يعيد بناءه بصريا على نحو يجعل المشهد أكثر كثافة وفتنة. ويظهر ذلك في عنايته بتنوع الأزياء والعمائم والعباءات، وفي تصوير الأسواق المزدحمة والقوافل وحركة الناس، بما يتيح استحضار روح المكان من خلال عناصره التراثية واليومية.
أما المرتكز الثاني، فيتجلى في التوتر بين السكون والحركة. ففي بعض اللوحات يسود الهدوء من خلال مشاهد النخيل والجداول والطبيعة الصامتة، بما يعكس تصورا للشرق بوصفه فضاء ساكنا وخارجا عن صخب الحداثة. وفي لوحات أخرى تبرز الحركة بقوة، سواء في اندفاع الشخوص، أو في تفاعل الإنسان مع الحيوان، أو في حيوية الشارع، وهو ما يضفي على المشهد طابعا دراميا واضحا.
ويتمثل المرتكز الثالث في المعالجة الانطباعية للضوء والظل. فهناك اشتغال تقني ظاهر على ضوء الشمس الحاد، حيث يستخدم الفنان ضربات فرشاة متحررة لالتقاط انعكاسات الضوء على الجدران الطينية، أو على قباب المساجد والمآذن. وهنا لا يعود الضوء مجرد عنصر مساعد على الرؤية، بل يتحول إلى مركز بصري يمنح الأشياء حضورا طاغيا ويضفي على الأجسام نوعا من الهيبة والسمو.
كما تتجلى في أعماله نزعة واضحة إلى الحنين والتوثيق الأنثروبولوجي، إذ تبدو اللوحات وكأنها محاولة لاستعادة زمن سابق على التحولات الحديثة. لذلك تكثر فيها صور الحرف التقليدية، والصناعات الشعبية، والحياة الريفية، والعمارة الإسلامية الكلاسيكية. وهي، بهذا المعنى، لا تكتفي بالاحتفاء بالجمال، بل تسعى أيضا إلى صون الذاكرة البصرية للمكان.
ويبرز أيضا اهتمام الفنان بمركزية المكان، من خلال عنايته بالعمارة والبيئة بوصفهما عنصرين محددين لهوية المشهد. فالعمارة في لوحاته ليست مجرد خلفية، بل مكوّن أساسي في بناء الدلالة، سواء عبر المآذن أو القناطر أو البيوت ذات الشناشيل. كما يظهر في أعماله احترام واضح لتناسب العمارة المحلية وتآلفها مع الطبيعة المحيطة.
في المحصلة، تقوم فلسفة الاشتغال لدى عماد جواد على رومانسية واقعية، تبحث عن الجمال في التفاصيل المنسية، وتعيد الاعتبار إلى الهوية البصرية للشرق، مقدمة إياه بوصفه عالما نابضا بالحكايات، ومفعما بالألوان، ومشبعا بالضوء.

فلسفة اللون
تعتمد فلسفة اللون في لوحات الفنان على محاكاة الطبيعة، لكن اللون لديه لا يظهر بوصفه صبغة مجردة، بل كوسيلة لنقل الإحساس بالحرارة والزمن، واستنطاق الروح الكامنة في المشهد. فاللون لا يؤدي وظيفة تزيينية فحسب، بل يشكل عنصرا أساسيا في بناء الرؤية، ويأتي مباشرة بعد الخط من حيث الفاعلية في تشكيل الصورة ومنحها حضورها الحيوي. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى اللون في أعماله بوصفه أداة للكشف عن العلاقة العميقة بين الإنسان والمكان. ويبرز هذا البعد في اعتماده الواضح على الألوان الترابية والدافئة، حيث تطغى تدرجات الأصفر المغبر، والبني المحروق، والبرتقالي الخافت. وتمنح هذه الألوان اللوحة إحساسا بالانتماء إلى الأرض، إذ تبدو البيوت والشوارع وحتى ثياب الناس مندمجة في لون التربة نفسها، بما يوحي بوحدة عضوية بين الشخوص وبيئتهم، وكأنهم امتداد طبيعي لها.
وفي سياق متصل، يؤدي الضوء دورا محوريا في تشكيل اللون، إذ لا يعتمد الفنان على التلوين المباشر بقدر ما يراهن على الانعكاس الضوئي بوصفه مولدا للألوان. فهو يدرك أن الشمس المشرقية القاسية لا تترك اللون المحلي على حاله، بل تعيد صياغته في هيئة وهج أبيض أو أصفر باهت، كما يتجلى ذلك في انعكاس الضوء على الأثواب البيضاء التي تبدو كأنها كتل ضوئية مشبعة بحرارة الجو. ومن خلال هذا التوتر بين الضوء والظل، تتعزز الدراما البصرية داخل المشهد. كما يلجأ الفنان إلى توظيف ألوان رمزية داخل فضاء يغلب عليه اللون الرملي، بما يسمح له بكسر الرتابة وتوجيه عين المتلقي نحو عناصر بعينها. ويتجلى ذلك في حضور الأزرق الفيروزي والنيلي في القباب والمآذن، وهو حضور لا يضطلع بدور جمالي فقط، بل يضفي على المشهد إيحاءات روحية ترتبط بالسمو والصفاء والماء وسط قسوة الجفاف. وفي المقابل، يظهر الأحمر القاني في بعض الطرابيش أو قطع السجاد، بوصفه عنصرا بصريا يضخ الحيوية في اللوحة ويمنحها نبضا حركيا داخل سكونها العام.
وفي معالجة الظلال، لا يتعامل الفنان معها بوصفها مناطق معتمة أو غيابا للضوء، بل يمنحها حياة لونية خاصة من خلال الأزرق الباهت أو البنفسجي العميق. وهكذا يصبح الظل في لوحاته مساحة للراحة والاحتماء من الهجير، لا مجرد نقيض للضوء. وهذا الوعي يجعل الظل عنصرا نفسيا وجماليا في آن واحد، لما يشيعه من إحساس بالبرودة والتوازن داخل التكوين. ويظهر البعد الزمني أيضا في التدرج اللوني الذي يعتمده، خاصة في لوحات الطبيعة، حيث تتداخل درجات الأخضر الزيتوني والترابي على نحو يمنح المشهد إحساسا بالتقادم والرسوخ. فالخضرة هنا ليست زاهية أو طازجة، بل مشوبة بغبار الأرض، بما يضفي على اللوحة شعورا بأن المكان موغل في القدم، وأنه يحمل ذاكرة ممتدة تتجاوز اللحظة العابرة. وفي المحصلة، لا يعمل اللون في تجربة الفنان بوصفه عنصرا مستقلا عن بقية مكونات اللوحة، بل يدخل في صلب بنائها الجمالي والدلالي، ليصبح أداة لاستحضار حرارة المكان، وإيقاع الزمن، والحمولة النفسية الكامنة في التفاصيل. بذلك يغدو اللون لغة موازية للرسم، لا تقل عنه قدرة على إنتاج المعنى وصياغة الأثر البصري.
فلسفة الخطوط
يتمتع الفنان بقدرة إبداعية واضحة على تحويل المشهد إلى لوحة نابضة بحركة داخلية، تجعل المتلقي ينتقل بصريا داخلها كما لو كان أمام صورة حية. فالخط في أعماله لا يؤدي وظيفة ترسيم الحدود فحسب، بل يتحول إلى عنصر بنائي وجمالي يربط بين واقعية المشهد ومخيلة الفنان. ومن هنا، تقوم فلسفة الخطوط لديه على ما يمكن تسميته بـ”الواقعية المرنة”، التي تزاوج بين دقة التشكيل الهندسي وحرية اللمسة الفنية. يتجلى هذا البعد بوضوح في معمارية الخطوط، ولا سيما في حضور الخطوط العمودية القوية التي تمثلها المآذن والقباب. فالفنان يلتزم بالمنظور الهندسي بما يمنح التكوين إحساسا بالثبات والشموخ، غير أن هذه الصرامة البنائية لا تنتهي إلى جفاف بصري، لأنه لا يرسم الخطوط بحدة مسطرية صارمة، بل يترك عند أطرافها قدرا من الليونة والحركة، بما يوحي بأثر الزمن على الحجر والطين. وهكذا تبدو العمارة في اللوحة كيانا حيا، لا مجرد بنية صامتة.
وفي مستوى آخر، تبرز الخطوط العضوية المتصلة بالإنسان والحيوان، حيث تتحول إلى منحنيات منسابة ومشحونة بالدينامية، ولا سيما في رسم أجساد الخيول والجمال والجواميس. وهي خطوط تستجيب لطبيعة الكتلة العضوية وحركتها، فتمنح الأجساد توترا بصريا يعكس الجهد والقوة والانفعال. كما يظهر هذا البعد في مشاهد الأسواق والتجمعات، حيث تتداخل الأجساد والعناصر المحيطة من غير فواصل حادة، في إيحاء بصري يعكس تلاحم الإنسان والحيوان والمكان داخل نسيج اجتماعي وبيئي واحد.
أما في علاقتها بالضوء، فتكتسب الخطوط بعدا أكثر عمقا في تجربة الفنان، إذ لا تبقى ثابتة أمام سطوة الإضاءة، بل تخضع لها وتذوب فيها أحيانا. فمن خلال توزيع الضوء على بعض أجزاء اللوحة، مثل الأكتاف أو الحواف أو الواجهات، ينجح الفنان في تقليص المسافة بين الكتلة والخلفية. وبذلك يحاكي الإدراك البصري الطبيعي، حيث تميل الحدود إلى التلاشي كلما اشتدت الإضاءة. هنا يتراجع الخط المباشر لمصلحة الكتلة اللونية، بما يعزز صدق اللحظة الضوئية داخل العمل.
ويظهر هذا الوعي أيضا في تدرج الوضوح الخطي، إذ تتسم الخطوط في مقدمة اللوحة بقدر أكبر من الحدة والدقة، بينما تصبح في الخلفية أكثر ليونة وضبابية وأقل تحديدا. ويتيح هذا التفاوت بناء منظور بصري منسجم مع طبيعة الرؤية الإنسانية، ويمنح المشهد اتساعا ومدى، وهو ما يتجلى خصوصا في الأعمال ذات الطابع الاستشراقي، حيث تتداخل العمارة والفضاء والكتل البشرية ضمن تكوينات ممتدة.
إن ما يميز تجربة عماد جواد هو قدرته على الإمساك باللحظة العابرة، وهي سمة جوهرية في الحساسية الانطباعية. فهو لا يكتفي بتسجيل المشهد، بل يلتقط زمنه الخاص تحت تأثير ضوء محدد. لذلك لا يكون بطل اللوحة اللون وحده، ولا الخط وحده، ولا حتى المهارة التقنية في ذاتها، بل الروح الكامنة في المشهد، أو ذلك البعد الفلسفي الذي يمنح الصورة معناها. ويتحقق ذلك من خلال مزج لوني ناعم في بعض المواضع، تقابله في مواضع أخرى ضربات فرشاة قوية وخشنة، بما يمنح سطح اللوحة حيوية ملموسة، ويجعل الألوان تتفاعل في عين المشاهد بوصفها تجربة بصرية نابضة، لا مجرد بناء تشكيلي ثابت.

كاتب عراقي