باريس- “القدس العربي”: منذ انتخابه عمدة لمدينة سان دوني، إحدى أبرز الضواحي الباريسية ذات الثقل السياسي والثقافي، يواجه بالي باغايوكو موجة من الهجمات الإعلامية والسياسية التي وُصفت بأنها تحمل طابعا عنصريا، تقودها شخصيات ومنابر محسوبة على اليمين المتطرف، ما فجّر جدلا واسعا في المشهدين السياسي والإعلامي الفرنسيين.
فقد جاء فوز باغايوكو المفاجئ من الجولة الأولى في الانتخابات البلدية، ممثلا عن حزب “فرنسا الأبية” اليساري الراديكالي، ليضعه سريعا في دائرة الضوء كأحد الوجوه السياسية الصاعدة في هذه المنطقة ذات الكثافة السكانية العالية.
غير أن حضوره الإعلامي الأول لم يخلُ من الجدل، بعدما جرى تحريف تصريح أدلى به خلال مقابلة تلفزيونية، حيث اقتُطع كلامه الأدبي من سياقه، ما أدى إلى تأويله بشكل خاطئ على أنه يحمل دلالات عرقية.
وتفاقم الجدل عندما أعادت الصحافية أبولين دو ماليرب، عبر قناة BFMTV، تداول الصيغة المغلوطة، قبل أن تعتذر لاحقا.
كما تعرض باغايوكو خلال مقابلات أخرى، خصوصا على القناة نفسها، لأسئلة أثارت انتقادات واسعة، واعتُبرت ذات إيحاءات خطيرة، من بينها الربط بين فوزه وشبكات الاتجار بالمخدرات.
وقد أثارت هذه التغطية ردود فعل غاضبة من شخصيات سياسية يسارية، نددت بما وصفته بـ“حملة إعلامية عنصرية” تستهدف العمدة المنتخب.
وامتدت الانتقادات إلى أطياف أوسع من اليسار، من بينها سيغولين روايال، التي اعتبرت أن ما جرى يعكس “تدهورا في مهنة الصحافة”.
وفي سياق متصل، زادت حدة التوتر مع تصريحات أكثر تطرفا على قناة “سي نيوز”، حيث أدلى بعض المعلقين بآراء وُصفت بالصادمة وذات نزعة إقصائية تجاه المهاجرين، ما أعاد فتح النقاش حول دور وسائل الإعلام في تغذية الخطاب العنصري وتعميق الانقسامات المجتمعية.
في المقابل، اختار باغايوكو تبني خطاب هادئ، رافضا الانجرار إلى السجالات، ومؤكدا أنه يمثل امتدادا لتاريخ الهجرة الذي ساهم في تشكيل المجتمع الفرنسي. كما دعا إلى التركيز على القضايا المحلية بدل الانخراط في صراعات الهوية.
وتسلط هذه القضية الضوء على التحديات التي يواجهها بعض السياسيين الجدد في فرنسا، خاصة المنحدرين من أصول مهاجرة، في ظل بيئة إعلامية مشحونة واستقطاب سياسي متزايد يعكس تحولات أعمق داخل المجتمع الفرنسي.
بالي باغايوكو ، البالغ من العمر 52 عاما، هو لاعب كرة سلة شبه محترف سابق وإطار في شركة RATP للنقل بمدينة سان دوني.
يقول إن انتخابه “يُعدّ دليلا عمليا على نجاح الاستراتيجية الوطنية لحزبه “فرنسا الأبية” ، مشيرا إلى أن الاتهامات والتحريض والأخبار الزائفة لم تكن كافية لمنع فوزه.
يقول عنه ستيفان بيو، النائب البرلماني الشيوعي في الدائرة: “لديه خبرة في الحملات الانتخابية، كما لديه خبرة في إدارة البلديات، وقد شغل أيضا منصب نائب رئيس المجلس العام”. وكان الشيوعيون يدعمون قائمته.
وُلد عمدة ضاحية سين- سان دوني الباريسية الجديد لأبوين من دولة مالي، ونشأ في أسرة “كبيرة”.. كبر في سان دوني، ودخل الحياة السياسية عام 2001 إلى جانب عمدة المدينة الشيوعي آنذاك باتريك براوزيك. ويتذكر العمدة السابق أنه كان “شابا منخرطا جدا” في النشاط الرياضي في المدينة.
تشهد زميلته في القائمة صوفيا بوترح بأنه شخص “قريب من الناس” و“منصت جدا” وترى أن الولاية المقبلة ستسهم في “كسر الصور النمطية” التي تحيط بالسياسيين المنحدرين من الأحياء الشعبية.
يصف باغايوكو، وهو أب لأربعة أطفال، طفولته في السكن الاجتماعي بأنها “ تشكلت بفضل الخدمة العامة والتضامن”. ويؤكد، وهو الذي يقدم نفسه على أنه “شاب من الأحياء الشعبية عاش الظلم في جسده”، على وجود “انحرافات شرطية” و“تمييز”.
بالنسبة للنائب عن “فرنسا الأبية” عن سين- سان دوني، أريك كوكريل، فإن باغايوكو “يجسد شخصا منحدرا من الأحياء الشعبية ومن منطقة، التي نعلم أن جزءا كبيرا من سكانها من أصول هجرة حديثة نسبيا”، وهو بذلك “يشبه سكان سان دوني”.
وكانت الأغلبية السابقة قد أعربت عن قلقها من أن “بعض تجار المخدرات كانوا يدعمون حملة باغايوكو”.