غموض الهدف والبدائل للحرب على إيران


تكثر التحليلات التي تقرأ سيناريوهات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتستحضر معامل التفوق العسكري والتكنولوجي، والأبعاد الاقتصادية، الخطط العسكرية، والتحالفات الدولية، وتأثيرها في استشراف مستقبل الحرب.
لكن، مع أهمية ذلك، يبقى العنصر المحدد هو الهدف من الحرب، فهذا السؤال هو الذي يمكن من موضعة العناصر السابقة في إطارها الطبيعي، ومن ثمة محاولة تركيب الصورة، وتحليل الديناميات والتفاعلات، وتقدير الموقف.
لحد الآن، ليس هناك وضوح كاف بالنسبة لتل أبيب وواشنطن، أو على الأقل، لا توضح التصريحات، ولا العمل على الأرض، طبيعة هذا الهدف.
التصريحات لا تعطي صورة واضحة عن وجود هدف موحد، فأهداف تل أبيب ليست هي أهداف واشنطن، وهناك اضطراب كبير في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فمرة يساير السردية الإسرائيلية، ومرة يأخذ المسافة عنها، وقد لاحظ المشرعون الأمريكيون على الإحاطة التي قدمها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بالكونغرس الأمريكي أن واشنطن تفتقد لوضوح الهدف في الحرب، وأن الذريعة التي تم تعليل الحرب بها، أي التهديد الإيراني، لم يثبت، ولم ترد مؤشرات استخبارية بشأنه.
واشنطن ناقضت نفسها في أقل من تسعة أشهر، فقد زعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الهجمة الإسرائيلية الأمريكية على إيران في 25 يونيو من السنة الماضية أنهت البرنامج النووي ودمرته بالكامل، ثم جاء وزير خارجيته في الكونغرس يبني على التهديد النووي والصاروخي الحجة لشن حرب جديدة على طهران، وهو ما سمح للمشرعين الأمريكيين للقول بأن الحرب على إيران هي حرب إسرائيلية، وأن وجود الولايات المتحدة فيها، هو وجود الضرورة غير المفسرة، ما دام التهديد الإيراني لأمريكا وللمنطقة يفتقد المؤشرات الاستخباراتية.
الإسرائيليون مقارنة بالأمريكيين لهم وضوح نسبي على مستوى الهدف، فقد سبق لوزير الدفاع يائيل زامير أن كتب تقريرا استراتيجيا عن التهديد الإيراني نشر بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، يخلص فيه بشكل واضح إلى أن التهديد الوجودي الأكبر لإسرائيل في المنطقة هو إيران، وأن إزالته تقتضي التخلي عن استراتيجية الانشغال بالمحاور دون رأس الأفعى، وأنه ينبغي البدء بتفكيك الحرس الثوري، والقضاء على بنية النظام السياسي في إيران. ولذلك منذ أول الحرب، أعلنت تل أبيب هذا الهدف، وأضفت عليه طابعا دينيا، وترجمته الاستراتيجية العسكرية باغتيال قيادات النظام ورأسه، بتقدير أن ذلك سيفكك القدرة على سيطرة القيادة الإيرانية على مكونات النظام الأمنية والعسكرية والسياسية، وأن ذلك سيعطي هامشا أكبر للمناورة لتفكيكه من الداخل عبر خلق تحالفات مع أجزاء منه لتغيير عقيدة النظام.

 في موضوع الفشل في توفير بدائل لليوم التالي في إيران، الأمر لا يتوقف فقط على واشنطن، فدول الخليج نفسها تطرح السؤال نفسه

من الواضح، أن هذه الاستراتيجية، التي أخذت واشنطن منذ البداية مسافة عنها (الحديث عن أنها تضرب البنيات العسكرية، بينما تضرب تل أبيب القيادات السياسية ورموز النظام) لم تثمر أهدافها، فقد جدد النظام السياسي والعسكري والأمني الإيراني قياداته، أو ربما رتب لذلك سابقا – حسب تصريحات لمسؤوليه- ولا يزال إلى حدود الساعة يمسك بزمام المبادرة، ويفرض رؤيته في توجيه المعركة.
تصريحات ترامب في اليوم الثاني للحرب، مايزت بين ما يمكن أن تقوم به واشنطن، وما ينبغي على الشعب الإيراني فعله للتخلص من النظام، وهو ما يعني الإقرار الضمني بأن الحرب وحدها غير كافية لإسقاط النظام وأن استكمال المهمة متروكة للشعب.
تصريحات أخرى له، تزيد التأكيد بأن الحرب لن تحقق هدف إسقاط النظام، وهو الحديث عن اتصالات لقيادات إيرانية بواشنطن لاستنئاف المفاوضات، واستعداده لذلك، وهو ما يفيد بأن واشنطن لم تعد تراهن على إسقاط النظام، وإنما تراهن على قيادة “جديدة” بتوجه معتدل تخرج من عباءة النظام الحالي، وهو ما نفاه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، ووزير الخارجية عباس عراقجي، وأكد الحرس الثوري عكسه تماما، وأن إيران فرضَت عليها الحرب الدفاع عن النفس، وأنها لم تعد إلى المفاوضات مع واشنطن، لأن سلوكها التفاوضي اتسم بالغدر مرتين، حتى إن عراقجي خرج بلغة متحدية لرئيس الوفد الأمريكي المفاوض، ستيف ويتكوف، يدعوه للحديث علانية عن التقدم الذي تم إحرازه في اليوم الأخير قبل شن الحرب، وكشف الحقيقة للشعب الأمريكي.
مؤشر ثالث ظهر في اليومين الأخيرين، يعزز فرضية تدحرج الأهداف بخصوص إسقاط النظام، وتغيير الخيارات بالبحث عن البدائل، وهو تحريك الورقة الكردية، والرهان عليها لإدخال حلفاء من خارج الحدود للعب دور في إسقاط النظام، وهو الخيار، الذي صرحت إيران بمواجهته وإفشاله، والاستهداف القبلي لإمكاناته وقدراته.
المحصلة، فشلت لحد الآن الخيارات الثلاثة، إسقاط النظام بتوجيه ضربة قوية لرأسه ورموز قيادته العسكرية والأمنية، والرهان على تجديد القيادة من الداخل بالاتصال بقيادة معتدلة لها القدرة على تنفيذ أجندة واشنطن وتل أبيب في التخلص من البرنامجين النووي والصاروخي، والرهان على الأكراد، ولم تؤد إلى أي نتيجة.
البعض، يخوض في تفاصيل الحرب ويطرح سؤال من يكسب الحرب، ومن له القدرة على الصبر الاستراتيجي، حتى يرهق الآخر، ويستطيع غير قادر على الاستمرار في الحرب، لكن، ثمة نقطة مهمة مؤثرة في العقل الأمريكي، وهي اختبار البدائل، التي تسعى الحرب إلى تجريبها، فقد تبين في الحرب الإسرائيلية على غزة أن واشنطن مارست ضغطا قويا على تل أبيب، لما تيقنت من أن البدائل المختلفة لليوم التالي غير واقعية وغير مقبولة في المنطقة، ولذلك، توقفت الحرب، حتى بدون أن يظهر في الأفق أي خيار قادر على الصمود، بما في ذلك مجلس السلام، الذي تحوم حوله علامات استفهام كثيرة على إمكان نجاحه وتنفيذ مقتضياته..
في موضوع الفشل في توفير بدائل لليوم التالي في إيران، الأمر لا يتوقف فقط على واشنطن، فدول الخليج نفسها تطرح السؤال نفسه، وهي بالمناسبة، تقاوم خيار الدخول للحرب، رغم استهدافها من قبل إيران، لأنها ترى في ذلك خدمة لسيناريو خطير ينتهي بتغول إسرائيل في المنطقة، وفتح لشهيتها للتوسع في منطقة الشرق الأوسط على حساب أراضي مصر، والأردن، لبنان وسوريا، والعراق، وربما حتى السعودية.
العقل الخليجي، يرى أن وجود إيران بنظامها الحالي ضعيفة يحصنها من تهديد أمنها واستقرارها، خير من بروز قيادة إيرانية حليفة لإسرائيل، تفقد المنطقة توازنها الإقليمي، وتعرض الأمن العربي كلية للتهديد، ولذلك، تمارس اليوم ضغطا مزدوجا على واشنطن من أجل إنهاء الحرب، سياسيا، بمساءلة ازدواجية واشنطن في تأمين تل أبيب وتعرية سماء عواصم دول الخليج، واقتصاديا، من خلال تداعيات أزمة الطاقة، فقطر التي أوقفت إنتاج الغاز المسال، وأشهرت “القوة القاهرة” في وجه أصحاب العقود التي توردهم، تبين إلى أي مدى يلعب الخليج دورا مهما في البحث عن خيارات لإنهاء الحرب، والاكتفاء بما تحقق من أهدافها، أي إضعاف جزء من قدرات إيران، بما يشغلها سنوات بداخلها، وبالبحث عن إصلاح علاقتها بجوارها.
في المحصلة، ما لم يتم الحسم في الهدف من الحرب، واختيار البدائل المطروحة، فإن أي تحليل لنتائج الحرب، حتى باعتماد العوامل العسكرية والاقتصادية واللوجستية، يبقى ناقصا ومفتقدا للفعالية.

كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *