غزة بين الكارثة الإنسانية والسيادة الصحية


الدوحة- “القدس العربي”: يُسلط تقرير إعلامي حديث بعنوان ” الطريقة الصحيحة لإعادة بناء النظام الصحي في غزة” للكاتبين تورنوايت مايكل، باحث ما بعد الدكتوراه في علم السكان وصحة السكان في كلية العلوم الإنسانية بجامعة جوهانسبرغ، وإيرين ماكاندلس، أستاذة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية ومديرة مركز قطر-جنوب أفريقيا للسلام والحوار بين الثقافات في كلية العلوم الإنسانية بجامعة جوهانسبرغ، الضوء على التحديات الإنسانية والصحية التي تواجه سكان القطاع، ويقدّم خارطة طريق لإعادة بناء نظام الصحة في غزة بطريقة مستدامة، قائمة على السيادة الفلسطينية والقدرة المحلية على التعافي.

وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار، يؤكد الكاتبان في “غولف تايمز” القطرية أن الواقع على الأرض لا يعكس أي انفراج حقيقي. “الشروط الأخرى في خطة السلام ذات النقاط العشرين للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تُنفّذ”، يقول التقرير، مضيفًا أن الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين مستمرة، وأن المساعدات الإنسانية المطلوبة، نحو 600 شاحنة يوميًا، لم تصل بسبب الحصار المستمر. ويشير التقرير إلى أن هذه التحديات أفرزت كارثة إنسانية حقيقية في غزة، مع استمرار تفاقم الجوع ونقص الخدمات الأساسية.

ويشير الكاتبان إلى أن إسرائيل لم تلتزم بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 22 أكتوبر/ تشرين الأول، والذي يلزم بتوفير المساعدات الإنسانية دون عوائق من قبل الأمم المتحدة وكياناتها للمدنيين في قطاع غزة. ويضيف التقرير: “المجاعة التي أكدت منظمة الصحة العالمية وجودها في شمال غزة في أغسطس/ آب تتسع؛ إذ يواجه أكثر من نصف مليون شخص خطر الجوع”، محذرًا من أن “عدد الوفيات – الذي تجاوز بالفعل 69,000، بما في ذلك ما لا يقل عن 20,000 طفل – من المتوقع أن يرتفع”.

وقف إطلاق النار لا يكفي

يشدد التقرير على أن وقف إطلاق النار وحده لا يجلب السلام، ويقول الكاتبان: “مثل وقف إطلاق النار هذا لا يجلب السلام، بل يطيل فترة المعاناة”. ويشيران إلى أن خطة ترامب ذات النقاط العشرين تعزز “الحكم التكنولوجي” من قبل جهات خارجية، وهو عامل إضافي يعيق التعافي، خصوصًا فيما يتعلق بإعادة بناء البنية التحتية الصحية.

ويستشهد التقرير بتجارب سابقة في العراق والبوسنة ورواندا، مؤكدًا أن “إعادة بناء نظم الصحة تتطلب إشراك المؤسسات المحلية وتعزيزها، بدلًا من الاعتماد على خبراء خارجيين”. ويشير الكاتبان إلى أن حجم الدمار المؤسسي في غزة أكبر بكثير من مناطق النزاع الأخرى، موضحين أن معدل وفيات الأطفال في العراق تضاعف أكثر من مرتين بين 1984-1989 و1994-1999 بعد الضرر الذي لحق بالبنية التحتية خلال حرب الخليج 1990-1991، والتي كانت أقل تأثيرًا مقارنة بما تعانيه غزة اليوم.

ويستشهد التقرير بتصريح للمدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، الذي حذّر من أن “غزة تواجه كارثة صحية ستستمر لأجيال قادمة”. ويؤكد التقرير أن “الانخراط الدولي في غزة يجب أن يكون مدفوعًا بالتضامن، لا بالصدقة”، مستندًا إلى “إعلان الصحة في غزة”، الذي وقّعه أكثر من 40 من أبرز الأخصائيين الصحيين الفلسطينيين، والذين أكدوا فيه أن “التاريخ الطويل للتقاعس والتواطؤ والتعاون من قبل العديد من الجهات الدولية الإنسانية والتنموية والمانحين” قد أعاق جهود إعادة الإعمار، داعين إلى أن تكون “السيادة والوكالة الفلسطينية في صميم جهود إعادة الإعمار”.

القيادة الفلسطينية أساس التعافي

يركز التقرير على محور أساسي هو القيادة الفلسطينية في إدارة التعافي الصحي، ويقول الكاتبان: “عمليًا، يعني ذلك وضع الفلسطينيين في مناصب قيادية لتوجيه تعافي البنية التحتية الصحية في غزة في جميع المراحل، من التصميم والتخطيط إلى التنسيق والمتابعة، وضمان أن تكون المؤسسات الفلسطينية هي المسؤولة الرئيسية عن برامج الصحة، والامتناع عن إنشاء أنظمة موازية تقوض الأنظمة الوطنية”.

ويشير التقرير إلى أن التمويل الدولي يجب أن يكون طويل الأمد ومرنًا، قائلًا: “سيكون من المهم للمجتمع الدولي توفير رأس مال مرن وطويل الأجل، بدلًا من التمويل القائم على المشاريع الذي يسلب المؤسسات الفلسطينية وكالتها”. ويضيف الكاتبان أن “السيادة الصحية تعتمد على السيادة السياسية، والتي ستتطلب إنهاء الحصار والاحتلال الإسرائيلي”.

صمود النظام الصحي الفلسطيني

على الرغم من حجم الهجمات الموجهة للقطاع الطبي، يوضح التقرير أن الفلسطينيين أظهروا قدرة كبيرة على الصمود وإدارة الأزمة. فقد تعرّضت المنشآت الطبية والكوادر الصحية لأكثر من 800 هجوم منذ بداية الحرب، ما أدى إلى تضرر أو تدمير 94% من المستشفيات. ومع ذلك، تواصل جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية تقديم خدماتها من عيادات متنقلة ومراكز تغذية ورعاية مجتمعية، بينما تنسق وزارة الصحة في غزة تقديم الخدمات، وإدارة اللوجستيات الطبية، وتخطيط القوى العاملة. ويشير التقرير إلى أن مستشفيي الشفاء والأهلي في مدينة غزة يعملان بطاقة تقارب 300% من الطاقة الاستيعابية، مع تدفق مستمر لإصابات الصدمات المعقدة.

ويؤكد الكاتبان أن هذا الصمود يثبت أن الفلسطينيين قادرون على قيادة جهود التعافي، ويطرح التقرير السؤال المحوري: “هل سيدعم المجتمع الدولي القيادة الفلسطينية أم سيواصل تقويضها؟”. ويشير التقرير إلى أن خطة الاستجابة التشغيلية لمنظمة الصحة العالمية وخطة التعافي المبكر لغزة “توفر نقاط انطلاق مفيدة لمعالجة احتياجات السكان الصحية، لكن النجاح سيعتمد على ربط التدخلات العاجلة لإنقاذ الأرواح مع الجهود الطويلة الأجل لتعزيز المؤسسات والحكم المحلي”.

أخطار تجاهل التعافي المؤسسي

يحذّر التقرير من العواقب الوخيمة للفشل في ربط المساعدات الطارئة بالتعافي المؤسسي، مستشهدًا بتجربة البوسنة والعراق. ويقول الكاتبان: “في البوسنة، تعثرت جهود إعادة بناء النظام الصحي عندما تجنبت المشاريع الممولة من المانحين الملكية المحلية. وفي العراق، لم تصاحب إعادة بناء البنية التحتية الصحية إجراءات لاستعادة المساءلة، ما أدى إلى مؤسسات هشة غير قادرة على استمرار تقديم الخدمات”.

ولذلك، يشدد التقرير على أن “المساعدات الطارئة في غزة، بما في ذلك استعادة الوصول إلى الوقود والمياه والإمدادات الطبية، يجب أن تُصمم بطريقة تعزز مصداقية واستقرار المؤسسات”، مع التأكيد على أن ذلك يفتح المجال أمام استراتيجيات أوسع تشمل “إعادة بناء العيادات وأنظمة الصرف الصحي، وتوسيع تغطية اللقاحات، ودمج الرعاية النفسية والاجتماعية ورعاية العنف القائم على النوع الاجتماعي في الصحة المجتمعية”.

الصحة كشرط للسلام

يربط التقرير بين تقديم خدمات صحية محكومة محليًا واستعادة الثقة بالمؤسسات الوطنية وخلق ظروف السلام. ويشير الكاتبان إلى تجربة رواندا بعد إبادة 1994، حيث ارتبطت البرامج الصحية المبكرة بالأنظمة الوطنية، قائلين: “مع مرور الوقت، ستعزز خدمات الصحة المتوقعة والمحكومة محليًا ثقة الجمهور بالمؤسسات، وتدعم شرعية النظام الصحي الوطني، وتساعد على خلق ظروف السلام”.

ويؤكد التقرير على أن التعامل مع الخدمات الاجتماعية كإضافة لتسوية سياسية يمثل خطأ جسيمًا، قائلًا: “على عكس الاستجابة الصحية الوطنية التي قادتها رواندا بعد إبادة 1994، تعامل خطة ترامب ذات النقاط العشرين لغزة الخدمات الاجتماعية كإضافة لتسوية سياسية”. ويضيف الكاتبان أن الشرعية السياسية تتآكل عندما تفشل الخدمات في الظهور، موضحين أن “خطوط الخبز وطوابير العيادات هي فضاءات سياسية يقرر فيها الناس ما إذا كانت الحكومة تخدمهم أم تخضعهم”.

المقياس الحقيقي لتعافي غزة

يصل التقرير إلى استنتاج رئيسي: “المقياس الحقيقي لتعافي غزة هو مدى فعالية المساعدات قصيرة الأجل في بناء مؤسسات وطنية دائمة تمكّن الفلسطينيين من استعادة كرامتهم والابتعاد عن الميليشيات”. ويؤكد الكاتبان أن استمرار الجوع والإذلال تحت أنظمة مفروضة من الخارج يؤدي حتمًا إلى العنف، وأن “ضمان قدرة الأم على إطعام طفلها، وقدرة العيادة على العمل، وتدفق مياه الشرب الآمنة من الصنابير، يشكل أساسًا ليوم ما بعد الأزمة”. ويختتم التقرير قائلًا: “السلام يترسخ فقط عندما يتم تطوير القدرة على توفير الاحتياجات المادية الأساسية من الداخل”.

وأخيرا، يعكس التقرير فهمًا عميقًا للتحديات الإنسانية والسياسية التي تواجه غزة، ويبرز دور السيادة الفلسطينية والقدرة المحلية في إعادة بناء نظام صحي متين. كما يقدّم رسالة واضحة للمجتمع الدولي: أي تدخل يجب أن يكون قائمًا على التضامن والدعم المستدام، وليس على سياسات مؤقتة أو تمويل مشاريع يقلل من وكالة الفلسطينيين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *