غرائب حرب التكنولوجيا على الأيديولوجيا


سيسجل التاريخ الحديث الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران على رأس قائمة أكثر الحروب تعقيدا وإثارة للاستغراب والتناقضات.
هناك الكثير ما يلفت في هذه الحرب. من أبرز ذلك أنها، من زاوية أمريكية، بلا هدف وبلا استراتيجية وبلا أفق. بالنسبة لإسرائيل الأمر مختلف قليلا لكنه ليس أفضل، فإسرائيل التي رفعت السقف في الأيام الأولى من الحرب منتشية بنجاحها في قتل المرشد الأعلى وعدد من القادة العسكريين والأمنيين الإيرانيين، تراجعت وشطبت تغيير النظام من قائمة أهدافها، ولم تعد تسعى إليه.
إلى جانب هذا، هي حرب التكنولوجيا على الأيديولوجيا. طرف مغرور يتباهى بأن ما لديه من تكنولوجيا وتفوُّق عسكري يكفيه لقهر جيوش العالم مجتمعة، وآخر مركّب مطمئن إلى أن أيديولوجيته صمام أمان يحميه من كل الأعداء والمكائد. هي إذاً:
حرب تخوضها القوة الأعظم في العالم وكالةً عن دولة مارقة لها طموحات توراتية وعنصرية تعود جذورها آلاف السنين إلى الوراء.
حرب جُرَّ إليها قائد هذه القوة الأعظم جرا بعد أن توهم أنها نزهة تلبي فصلا من جنون عظمته ونرجسيته المفرطة.
حرب تجري الكثير من معاركها في مسرح ثالث لم يردها، دول الخليج العربية.
حرب وجدت 12 دولة نفسها مرغمة على التعرض لها رغم أن دولة واحدة فقط، مارقة، أرادتها وخططت لها.
حرب أشعلها رجلان مهووسان، ثم صاح أحدهما مستنجدا بحلفاء بلاده لمساعدته في فتح مضيق هرمز، مهددا بعواقب وخيمة إذا لم يستجيبوا. (لأول مرة، ربما لأن السكين بلغت العظم، يتواضع ترامب ويعترف بأن أوروبا متقدمة على أمريكا في تقنيات تعطيل الألغام البحرية. وفي مقابل الصراخ الأمريكي تلتزم إسرائيل صمتا مريبا في موضوع هرمز كأنه لا يعنيها، أو ربما تنتظر إعادة فتحه للبدء في جني ثمار ذلك).
حرب يتضرر منها العالم، وتحديدا دول غير معنية بها ولم تُردها وتوسلت لعدم إشعالها.
حرب تستفيد منها دول غير معنية بها ونصحت بتفاديها، روسيا والصين.
خارج جغرافيا إيران وإسرائيل تدفع دول الجوار الإيراني ثمنا باهظا. وستدفع طويلا بعد أن تنتهي الحرب. تتشابه دول الخليج العربية في نصيبها من العبء الحربي، لكن نصيب العراق والبحرين ولبنان أعمق وستمتد آثاره بعيدا في المستقبل.

 ستبقى هذه الحرب لعنة على البشرية جمعاء أسوأ من لعنة الحربين العالميتين. من الآن هي مؤشر على الشكل الخطير الذي ستأخذه الصراعات المقبلة

العراق في وضع جدير بالتأمل وقد يدخل التاريخ باعتباره يتلقى الضرب من إيران وأمريكا وإسرائيل في آن واحد، دون أن تكون له مصلحة فورية أو مسؤولية مباشرة في القتال. العراق حليف لإيران لكن إيران تستهدفه لأنه يستضيف على أراضيه قواعد عسكرية أمريكية وتنظيمات مسلحة كردية إيرانية مناهضة للنظام في طهران وتحلم بتصفية حسابات قديمة معه. العراق حليف لأمريكا، لكن أمريكا (وإسرائيل طبعا) تستهدفه بسبب جماعات مسلحة شيعية موالية بالضرورة لإيران وقررت استهداف المصالح الأمريكية داخل العراق وفي المنطقة. نيران الصواريخ تضيء سماء بغداد كأنها طهران. الخسائر الفادحة في هذه الحرب تكبدها الأمريكيون في العراق وليس إيران. السفارة الأمريكية في بغداد، مع ملاحقها، تعرضت لـ292 هجوما منذ بدء الحرب، وفق مذكرة سرية للخارجية الأمريكية اطلعت عليها صحيفة الواشنطن بوست.
لبنان حالة مشابهة للعراق لكنها أكثر هشاشة. لبنان يدفع ثمن ضعف الدولة وجغرافيته المتاخمة لإسرائيل. وعلى عكس العراق حيث تشكل الفصائل المسلحة جزءا من النسيج الأمني والاجتماعي، وتحاول الحكومة التعامل معه ببراغماتية، يعاني لبنان من معضلة حزب الله الذي تدهورت علاقته مع السلطات الرسمية بشكل ينذر باقتتال داخلي.
ما يعيشه لبنان والعراق اليوم هو الحصاد الطبيعي لعقود من العمل الإيراني في العمق. إيران زرعت أذرعها واليوم تجني الثمار المباشرة: قوى مسلحة قوية تذود عنها، حتى على حساب أمن الوطن الأم واستقراره. بعض التقارير تتحدث عن وجود ما لا يقل عن 80 جماعة مسلحة موالية لإيران في العراق.
أما البحرين، ورغم أنها نجت من آفة الفصائل المسلحة القوية الموالية للخارج، فمُعرَّضة لخطر من نوع آخر إذا ما طال أمد الحرب: الانهيار الاقتصادي.
مجلة الإيكونومست نشرت الأسبوع الماضي تقريرا وصف البحرين بـ”رجل الخليج المريض”، وحذّر من أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران قد تطيح بالبحرين.
يحذّر التقرير من خطورة الحرب الحالية على اقتصاد البحرين، لكنه يشدد على أن الأزمة الاقتصادية بدأت قبل الحرب، إذ كانت المملكة تتجه إلى عجز في الميزانية يتجاوز 10في المئة من الناتج المحلي، ودين عام يناهز 146 في المئة من الناتج، وذهاب ثلث الإيرادات تقريباً لخدمة الدين.
تضيف المجلة أن احتياطيات الغاز تآكلت، وأن القطاع المصرفي الذي كان مزدهراً تضرر بعد انتقال الشركات المالية إلى السعودية والإمارات. كما تضرر اقتصاد البحرين من إغلاق مضيق هرمز وتعطل تصدير النفط والألمنيوم اللذين يوفّران معظم الإيرادات. وهناك مخاوف من ضرر أكبر محتمل بسبب إغلاق المطار واعتماد البلاد على جسر واحد مع السعودية قد تستهدفه إيران في أي لحظة ما سيضع البحرين في عزلة تامة.
ويخلص التقرير إلى أن البحرين في هذه الحرب أكثر هشاشة من إيران.
طال أمد الحرب أم قصر، ستنتهي يوما وسيدَّعي كل طرف أنه المنتصر، إلا الدول العربية.
لكن حتى لو توقفت اليوم، ستبقى هذه الحرب لعنة على البشرية جمعاء أسوأ من لعنة الحربين العالميتين. من الآن هي مؤشر على الشكل الخطير الذي ستأخذه الصراعات المقبلة. والأهم أنها مؤشر مخيف على اختفاء الأمان من هذا العالم.. ربما إلى الأبد.

٭ كاتب صحافي جزائري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *