المُتابع لمُسلسلات رمضان هذا العام يُمكنه استنتاج أثر التكنولوجيا الرقمية الحديثة على الشكل الإبداعي والفني في العديد من الأعمال، ووجودها كعامل أساسي وجوهري في البناء الدرامي، ليس باستخدامها كعنصر مطور وداعم للصناعة، وإنما كجزء أصيل من الأفكار القائم عليها الحدث ذاته. ويُمكن القطع بأن جميع الأعمال الجديدة المعروضة بالموسم الرمضاني لا يخلو أحدها من بُعد تقني وتكنولوجي، فالموضوعات المطروحة والقضايا المُثارة تتصل اتصالاً مُباشراً بالاستخدامات الحديثة لكاميرات المُراقبة والموبايلات، فالتصوير والتسجيل والدخول على المواقع والتعامل مع الذكاء الاصطناعي والشات جي بي تي، كلها تقنيات أصبحت وثيقة الصلة بحياة المواطن اليومية.
ومن ثم صارت مكونا لا غنى عنه من مكونات الدراما، حيث مُحاكاة الواقع بأدواته العصرية المتطورة والمُخيفة.
في مسلسل «عين سحرية» يتضح التأثير بشكل جلي وصريح لتقنيات الموبايل اللا محدودة، فعن طريقه تُدار عمليات التجسس والمُراقبة والاطلاع على أدق الأسرار، سواء على مستوى العلاقات التجارية والحروب الاقتصادية والمُنافسات الضارية بين التجار، أو على مستوى التدبير والتآمر وإحكام الخدع والحيل للإيقاع بالخصوم.
الجميع في دائرة الخطر، الهادف والمُستهدف، الكل يتعامل بذات الأسلوب ويسخر إمكانيات المارد الجديد القابع داخل الأجهزة الخلوية بلا رادع أو خوف أو وازع من ضمير، فالحرب تُشكل كافة التهديدات والفرص على المستويين السلبي والإيجابي وتسمح بكل الاستخدامات المشروعة وغير المشروعة، فساحة القتال مفتوحة والأفق مُمتد بلا حدود.
هكذا تتلخص الرسالة الضمنية للعمل الإبداعي الفارق، للمؤلف هشام هلال والمخرج السدير مسعود، فمع الأداء الاحترافي للأبطال، باسم سمرة وعصام عمر وعمرو عبد الجليل وسما إبراهيم، تتحدد المفاهيم وتنجلي الرؤية وتزداد حدة المُنافسة على براعة التمثيل والأداء التلقائي الطبيعي، الذي يتسم به الأبطال مُجتمعين، مع إضافة ملموسة من جانب باسم سمرة، الضالع في الأداء المُركب والإقناع بطبيعة الشخصية الدرامية القوية الشرسة ونقيضها، حيث الضعف والخوف والتردد والاهتزاز، نتيجة صدمة نفسية أو مشكلة عائلية مؤلمة لم يستطع البطل تجاوزها برغم عنفوانه وقوته.
هذا الازدواج هو ما أعطى فرصة أكبر لباسم كي يكشف عن قُدراته المُختزنة كمُمثل يمتلك الموهبة والخبرة، ولديه إحساس صادق ومُرهف بأبعاد الدور والشخصية.
فبدون هذا الإدراك لا يستطيع إقناع الجمهور بملكاته الخاصة والتي يأتي في مقدمتها الوعي التام بالمحتوى والتكوين الدراميين.
مع الإحاطة بالتفاصيل الفرعية الدقيقة، ليس على مستوى الدور فحسب وإنما على مستوى السيناريو كله، من البداية للنهاية، فالمُمثل المحترف لا يكتفي فقط بدراسة دورة وإتقانه لإثارة الإعجاب، لكن الأهم من الإعجاب بالدور هو الأثر المتروك له في ذهن ووجدان المُشاهد الأريب الناقد، والذي يكون رأيه في النجم والمُمثل بتراكم الأدوار وطبيعتها وتنوعها.
وهذا ما نجح فيه باسم سمرة على مدى سنوات طويلة فخلق جسراً من الثقة بينه وبين جمهوره.
وربما تكون هذه الميزة متوافرة لدى عمرو عبد الجليل أيضاً، فهو من المُمثلين القلائل الذين يتقنون أدائهم بشكل مُبهر، ويتماهون تماماً في الشخصية الدرامية إلى حد الذوبان، ما يجعل عنصر الصدق حاضراً وناطقاً بقوة، حتى في الأداء الكوميدي ينفرد عبد الجليل بلزمات خاصة وقُدرة فائقة على المُعايشة وتبسيط الحوار فيبدو تلقائياً للغاية.
عصام عمر أيضاً يُمثل طاقة إبداعية مُتدفقة في أدائه، فهو يمتلك حضوراً يُجبر المُتلقي على الانتباه بمجرد النظرة أو الحركة أو الإيماءة.
وتلك هي مُعطيات التميز والنبوغ وبداية النجومية الحقيقية المبنية على القُدرة والموهبة وليس على الدعاية، كحالات كثيرة موجودة فعلياً ومفروضة بقوة البروبغندا والإلحاح، وربما تستمر لفترة طويلة لكنها أبداً لن تدوم.
«عين سحرية» عمل فني تتعدد مستوياته الدرامية، فهو يُشير بكل تركيز إلى كوارث التقنيات الرقمية، وما يسفُر عنها وفي السياق نفسه يُحذر من التهاون في استخدامها المُفرط. فهي أداة تدمير كما هي أداة تطوير، حيث العبرة بالوعي وحُسن الاستخدام أو سوئه، أي أنها سلاح ذو حدين، فيه التهديد وفيه التجديد والمُعاصرة.
المُسلسل يُشكل في مُجمله تطوراً ملحوظاً في شكل الدراما المصرية ومضمونها، وارتباطها بالمُستحدثات التكنولوجية وتأثيرها الاجتماعي والإنساني.. وهذا سر تميزه.