باريس- “القدس العربي”:
تحت عنوان: عودة أمريكية حذرة إلى الساحل عبر باماكو، قالت مجلة “لوبوان” الفرنسية إن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى، بشكل تدريجي وهادئ، إلى استعادة موطئ قدم لها في منطقة الساحل الإفريقي، عبر بوابة مالي، رغم المناخ السياسي الإقليمي الذي بات يميل بشكل واضح نحو روسيا، واستمرار التحديات الأمنية المرتبطة بتوسع الجماعات الجهادية في المنطقة.
وأضافت المجلة أن مؤشرات هذا التحول بدأت تتضح من خلال تحركات دبلوماسية وعسكرية متزايدة، مشيرة إلى كشف وكالة “رويترز”، نقلا عن مسؤولين في الجيش الأمريكي، أن واشنطن تقترب من توقيع اتفاق تعاون استخباراتي مع باماكو، قد يسمح للطائرات الأمريكية بالتحليق فوق الأراضي المالية لأغراض المراقبة وجمع المعلومات.
يأتي هذا التطور بعد نحو عام ونصف من الانسحاب القسري للقوات الأمريكية من النيجر، التي تعد حليفا لكل من مالي وبوركينا فاسو ضمن إطار “كونفدرالية دول الساحل”.
“الولايات المتحدة الأمريكية تسعى، بشكل تدريجي وهادئ، إلى استعادة موطئ قدم لها في منطقة الساحل الإفريقي، عبر بوابة مالي”
كما أن هذا التقارب الجديد بين واشنطن وباماكو يأتي رغم سلسلة من التوترات التي شابت العلاقات بين البلدين خلال الفترة الماضية، خاصة في ظل تبني مالي، منذ انقلاب عام 2020، نهجا سياديا معاديا نسبيا للنفوذ الغربي. ومع ذلك، لم تنقطع قنوات التواصل بالكامل، حيث أعاد المبعوث الأمريكي الخاص إلى منطقة الساحل، في يوليو عام 2025، التأكيد من باماكو على التزام بلاده بدعم جهود مكافحة الإرهاب، تشير “لوبوان”.
شهدت العلاقات الثنائية انتكاسة في أكتوبر عام 2025، عندما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية فرض نظام تأمين مالي على طلبات التأشيرة لمواطني بعض الدول، من بينها مالي، بقيمة تتراوح بين 5 آلاف و15 ألف دولار، قبل أن تتراجع واشنطن لاحقا عن هذا القرار بعد تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل من الجانب المالي.
تزامن ذلك مع دعوات للموظفين الأمريكيين لمغادرة الأراضي المالية مؤقتا، بسبب تدهور الوضع الأمني في العاصمة باماكو، في ظل تصاعد هجمات الجماعات المسلحة، وعلى رأسها “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، وما رافق ذلك من مخاوف من احتمال حصار العاصمة.
في خطوة تعكس رغبة متبادلة في تخفيف حدة التوتر، رفعت الولايات المتحدة الأمريكية، في شهر فبراير عام 2026، العقوبات المفروضة على ثلاثة مسؤولين ماليين، كانوا متهمين بدعم انتشار مجموعة “فاغنر” الروسية داخل البلاد، وهو ما اعتبر مؤشرا على انفتاح أمريكي جديد تجاه السلطات المالية، تذكر “لوبوان”.
“واشنطن تقترب من توقيع اتفاق تعاون استخباراتي مع باماكو، قد يسمح للطائرات الأمريكية بالتحليق فوق الأراضي المالية لأغراض المراقبة وجمع المعلومات”
في سياق أوسع، تتابع المجلة الفرنسية، لا يمكن فصل التحرك الأمريكي في مالي عن استراتيجية أمنية أشمل في غرب إفريقيا، حيث ترتبط واشنطن بالفعل باتفاقيات تعاون عسكري مع عدد من الدول الساحلية مثل بنين والكوت ديفوار وغانا ونيجيريا. غير أن مالي تمثل موقعا استراتيجيا أكثر قربا من بؤر التهديد الجهادي، ما يجعلها قاعدة محتملة متقدمة لعمليات المراقبة والاستطلاع، توضح “لوبوان”.
نقلت المجلة عن خبراء قولهم إن السياسة الأمريكية، خاصة في ظل عودة دونالد ترامب إلى الحكم، تميل إلى مقاربة براغماتية تركز على حماية المصالح الاقتصادية قبل أي اعتبارات أخرى، وهو ما قد يحد من احتمالات الانخراط العسكري المباشر، ويجعل التعاون يقتصر، في المرحلة الحالية، على تبادل المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي.
كما أوضحت “لوبوان” أن دول الساحل، رغم خطابها السياسي الذي يرفض التدخلات الغربية، باتت أكثر واقعية في التعامل مع التحديات، لا سيما في ظل تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية، وضعف السيطرة الحكومية على أجزاء واسعة من أراضيها، إلى جانب أزمات الطاقة ونقص الخدمات الأساسية في العواصم.
في هذا الإطار، أوضحت المجلة الفرنسية أيضا أن هذه الدول لم تعد تجد حرجا في تنويع شراكاتها الدولية، بما في ذلك الانفتاح مجددا على الولايات المتحدة، بالتوازي مع الحفاظ على علاقاتها مع قوى أخرى مثل روسيا وبعض دول الشرق الأوسط.
وقد كثفت واشنطن تحركاتها الدبلوماسية مؤخرا في منطقة الساحل، تؤكد “لوبوان”، مشيرة إلى أن مسؤولين أمريكيين زاروا بوركينا فاسو، ومن المرتقب أن تمتد هذه الجولة إلى النيجر، في محاولة لإعادة بناء شبكة من الشراكات الأمنية.
تقول الولايات المتحدة الأمريكية إن هذا الانخراط الجديد يقوم على مبدأ “احترام السيادة الوطنية” للدول المعنية، مع السعي لتحقيق توازن بين متطلبات الأمن والمصالح الاقتصادية المشتركة، تشير “لوبوان”.