رام الله- “القدس العربي”: برأي الدكتور ثائر أبو راس، الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية والمختص في الشأن الأمريكي، فإن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لن تنتهي قريبًا، ويرجع ذلك إلى أن الإدارة الأمريكية بحاجة إلى إنجاز ما، في وقت لا يبدو فيه أن الإيرانيين سيقدمون هذا الإنجاز للإدارة الأمريكية.
ويشدد أبو راس، الذي يعمل باحثًا في “منتدى التفكير الإقليمي”، في حديث مع “القدس العربي”، على أن هناك ثلاثة عوامل داخلية أمريكية قد تدفع نحو إنهاء الحرب، يضاف إليها عامل رابع خارجي.
ويرى، في تحليله للمشهد الأمريكي الداخلي، أن هذه الحرب هي الأقل شعبية منذ الحرب العالمية الثانية، فيما يقول إن خروج تظاهرات ضخمة ضد ترامب يضر به بشكل كبير، وقد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي، في ظل أن الولايات المتحدة تمر بحالة من الاستقطاب السياسي الحاد.
ويخلص إلى أن السؤال الكبير في هذه المرحلة يتمثل في: “كيف ستؤثر هذه الحرب وكل سياسات ترامب في مستقبل العلاقات الأمريكية الأوروبية؟”. أما الملف الأكثر ترقبًا فهو مستقبل العلاقة الأمريكية مع إسرائيل، التي “تواجه أكبر تحد في تاريخ هذه العلاقة”. وفي ما يلي نص الحوار:
كيف تقرأ ما وصلت إليه الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران؟ ما خلاصة الأيام الماضية التي تجاوزت الشهر؟ وكيف تقرأ المجريات بشكل عام؟
ميدانيًا، أعتقد أنه بعد شهر من الحرب لا يوجد اختراق من أي طرف من أطرافها، وهذه هي النقطة الأهم، لأن الاستراتيجية الأمريكية كانت مبنية على أن الولايات المتحدة ستنجح في الوصول إلى أهدافها خلال أيام، وذلك بعد مقتل خامنئي والصف الأول من القيادة في اليوم الأول. هذه الفكرة كانت سائدة، أي أن الهدف الأمريكي سيتم بلوغه سريعًا نسبيًا. لكن ما نلحظه بعد توالي الأيام الأولى من الحرب هو أن الولايات المتحدة في حالة تراجع. إيران، حتى هذه اللحظة، صامدة وتفرض شروطها عمليًا عبر حرب الاستنزاف التي تقودها. ولذلك لا يبدو أن الحرب ستنتهي قريبًا، لأن الإدارة الأمريكية بحاجة إلى إنجاز ما من أجل وقف هذه الحرب. فهي لا تستطيع، بعد كل ما استثمرته، أن توقفها من دون أن تحصل على مقابل. ولا يبدو أن الإيرانيين سيقدمون أي مقابل للإدارة الأمريكية حاليًا. وبعد شهر، لا يوجد اختراق، وعلى ما يبدو فإن الحرب ستستمر.
أنت مختص في الشأن الأمريكي، وبالتالي ما هي العوامل التي تدفع باتجاه الحل أو المفاوضات؟ هل هناك صراع بين الديمقراطيين والجمهوريين؟ وهل يمكن للرأي العام الأمريكي أن يؤثر في مجريات الحرب؟
هناك ثلاثة عوامل رئيسية مترابطة. أولًا، وقبل كل شيء، العامل الاقتصادي. فكلما استنزفت الولايات المتحدة اقتصاديًا، وبدأ المواطن والمستهلك الأمريكي يشعران بثمن هذه الحرب، زادت الضغوط الداخلية على الرئيس الأمريكي. وعمليًا، نحن نعلم أن أسعار النفط عامل رئيسي، فالكل ينظر إلى هذا العامل، وهو بالطبع الأهم، لأنه يؤثر في أكثر من جانب.
ومن يعرف الولايات المتحدة يعرف أنها دولة يرتبط فيها المواطن بسيارته، فالبنية التحتية للمواصلات العامة فيها ضعيفة جدًا، لذلك يتأثر المستهلك الأمريكي، وهو أيضًا الناخب، كثيرًا بأسعار البنزين. والولايات المتحدة تعاني أصلًا من تحدي غلاء المعيشة منذ فترة كورونا وحرب روسيا وأوكرانيا، ثم جاءت هذه الحرب لتضيف عاملًا جديدًا إلى تحدي الغلاء المعيشي الموجود أصلًا في الولايات المتحدة.
العامل الثاني، وهو مرتبط بالعامل الاقتصادي، يتمثل في أننا في سنة الانتخابات في الولايات المتحدة. ففي شهر تشرين الثاني/نوفمبر هناك انتخابات نصفية، والرئيس ترامب، إذا أراد الاستمرار في أجندته السياسية، وخاصة الأجندة الداخلية، فهو بحاجة إلى ألا يخسر هذه الانتخابات.
ليس بالضرورة أن يكسبها، لكن عليه ألا يخسرها، أي ألا يخسر مجلس النواب أو مجلس الشيوخ. وحسب استطلاعات الرأي، يبدو أنه سيخسر مجلس النواب، لكن مجلس الشيوخ، الذي كان متوقعًا أن يحافظ فيه على أغلبيته، بدأنا للمرة الأولى نرى استطلاعات رأي تؤكد وجود إمكانية حقيقية لأن يفقده أيضًا. وإذا فقد ترامب مجلس الشيوخ، فسيصبح كالبطة العرجاء. سيكون رئيسًا، لكن من دون صلاحيات تنفيذية قوية، وستتقلص قدرته عمليًا على إحداث تغيير في الداخل الأمريكي بشكل كبير جدًا.
وإذا شعر أن هذه الحرب ستضر بفرص الحفاظ على قوته البرلمانية في الداخل الأمريكي، فإن ذلك يمكن أن يكون عاملًا مؤثرًا جدًا.
العامل الثالث هو عامل الرأي العام. فهذه الحرب، منذ اللحظة الأولى، كانت حربًا غير شرعية، وهي من أقل الحروب الأمريكية شعبية منذ الحرب العالمية الثانية.
وشركات استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة تجري استطلاعات منذ أربعينيات القرن الماضي، أي منذ الحرب العالمية الثانية، وهذه الحرب أقل شعبية من الحرب العالمية الثانية، ومن حرب فيتنام، ومن الحرب الكورية، ومن حربَي العراق، أي من جميع الحروب الكبيرة التي خاضتها الولايات المتحدة في القرن الأخير.
هذه الحرب هي الأقل شعبية. وكلما مر الوقت، تراجعت شعبيتها أكثر، حتى بين الجمهوريين الذين ما زالوا يدعمون ترامب. لقد بدأنا نشاهد تراجعًا كبيرًا، وهذا يؤثر في مكانة “الحزب الجمهوري” الذي دعم ترامب في هذه الحرب.
وأعتقد أن هذه العوامل الثلاثة هي التي تحدد طبيعة الضغوط الداخلية على الولايات المتحدة. وإذا أردنا أن نضيف عاملًا رابعًا من خارج الولايات المتحدة، فإنه يتمثل في ضغط الحلفاء على أمريكا. فأوروبا تحديدًا تتأثر كثيرًا بهذه الحرب، وليس اقتصاديًا فقط، بل جيوسياسيًا أيضًا. والأوروبيون بدأوا الحديث، مثلًا، عن التقارب مع روسيا، رغم أن روسيا ما زالت تخوض حربها مع أوكرانيا، وهو ما يضعف أوروبا استراتيجيًا أكثر. وبالتالي يمكن للأوروبيين أن يزيدوا ضغطهم على الإدارة الأمريكية.
نراقب خلال الأيام الماضية حراك المسيرات الجماهيرية ضد سياسة ترامب. وقد يكون السبب ملفات داخلية، لكن هل تعتقد أنها تحمل مؤشرات تسهم في الضغط على قرار استمرار الحرب أو تدفع نحو وقفها؟
صحيح، هذه المظاهرات حُددت قبل بدء الحرب على إيران، وهي ترتبط أكثر بعوامل داخلية وبالحركة المناهضة لترامب بشكل عام، بسبب سياساته وشخصيته الاستثنائية. لكن يمكن أن تتحول إلى رافعة لحركة احتجاج أكبر. عمليًا، كان عدد المشاركين في هذه المظاهرات في المدن الأمريكية الرئيسية كبيرًا جدًا. وفي نهاية المطاف، نحن، بخلاف دول أخرى، غير معتادين على مظاهرات كبرى في الولايات المتحدة، لأن أمريكا بلد كبير ونظامها فيدرالي، ولكل ولاية حالتها الخاصة. كما أن الأمريكيين يخرجون كل سنتين إلى صناديق الاقتراع وينتخبون، سواء للرئاسة أو لـ “الكونغرس”، ولذلك اعتاد الشعب الأمريكي التعبير عن آرائه السياسية عبر صناديق الاقتراع، لا عبر الحشد في الشارع. ومن ثم فإن مجرد وجود هذه الظاهرة وتناميها يمكن أن يضر بالرئيس ترامب كثيرًا، وقد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي، لأن المظاهرات تبدأ من معارضي ترامب، وقد تكون إحدى ردود الفعل خروج داعمي ترامب إلى الشوارع أيضًا، في ظل حالة الاستقطاب السياسي الحادة في الولايات المتحدة. وإذا بسطنا المشهد، يمكن القول إن الديمقراطيين لا يطيقون الجمهوريين، كما أن الجمهوريين لا يطيقون الديمقراطيين. وهذه ظاهرة اجتماعية جديدة نسبيًا في الولايات المتحدة، ويمكن أن تثير قلاقل اجتماعية وسياسية، لأنها تعكس مشهدًا جديدًا لم يعتد عليه الشعب الأمريكي من قبل.
تحاول أمريكا جر حلفائها ليكونوا جزءًا من الحرب، وتحديدًا في أزمة المضائق، ويظهر ذلك أحيانًا في تعبيرات غضب سياسي واستياء. هل ما تزال أمريكا تسعى إلى ذلك؟
الأمريكيون سيستمرون في محاولة تجنيد حلفائهم في الغرب لهذه المعركة، لأن الموقف الأمريكي صعب، وموقف الرئيس صعب، وهو بحاجة إلى شرعية دولية أكبر، وبحاجة أيضًا إلى دعم عسكري يفرض على إيران التنازل أو رفع الراية البيضاء. لكن الدول الغربية غير مستعدة للمشاركة في هذه الحرب، لأنها أولًا لا تجد فيها فائدة، وثانيًا لأن ترامب عكر الأجواء داخل التحالف الغربي، بين دول الغرب ودول “الناتو”، وكذلك في العلاقة بين “الاتحاد الأوروبي” وأمريكا، بدءًا من حرب الرسوم التجارية في العام الماضي، ثم من خلال تصريحاته، وخصوصًا تصريحاته بشأن ضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة. هذه المواقف استفزت الرأي العام في الدول الأوروبية إلى حد كبير.
يضاف إلى ذلك أن الدول الأوروبية تعارض هذه الحرب في المجمل، وحتى إذا خرج بعض الزعماء وأعلنوا دعمهم أو موافقتهم على اغتيال خامنئي، فإن الرأي العام الأوروبي، في نهاية المطاف، يعادي هذه الحرب، ولا يرى أن دخوله فيها سيخدم مصالحه.
والأمريكيون لا يتوقعون من الأوروبيين الدخول في هذه الحرب. لكن السؤال الكبير في هذا الملف يتمثل في: كيف ستؤثر هذه الحرب وكل سياسات ترامب في السنة الأخيرة في مستقبل العلاقات الأمريكية الأوروبية؟
عمليًا، كانت العلاقة الأمريكية الأوروبية الركيزة الأساسية للاستقرار الدولي منذ الحرب العالمية الثانية. وفي نهاية المطاف، نحن نعيش في عالم قائم أساسًا على تحالف بين الولايات المتحدة و”الاتحاد الأوروبي” مؤطر عبر “الناتو”. ونحن نعرف أن دونالد ترامب يحاول إضعاف “الناتو” أكثر فأكثر، وأن الثقة بين النخب الأوروبية والرئيس ترامب ضعيفة جدًا. فهل ستكون لذلك ارتدادات على مستقبل العلاقة الأمريكية الأوروبية؟ بمعنى: بعد ترامب، هل تعود المياه إلى مجاريها؟ أم أن السياسة التي يقودها ترامب اليوم ستؤدي، في نهاية المطاف، إلى طلاق بين المصالح الأوروبية والأمريكية؟ الأشهر والسنوات المقبلة ستجيب عن هذا السؤال. لكن رفض الأوروبيين الدخول في هذه الحرب على إيران يقول الكثير عن مستقبل هذه العلاقة.
في العلاقة مع إسرائيل، من الواضح أن هناك وجهتي نظر على الأقل بشأن المبرر الذي دفع أميركا إلى الذهاب نحو الحرب. إحداهما تقول إن أمريكا انجرت وراء إسرائيل. إلى أي مدى يمكن لهذا الأمر أن يضعف هذه العلاقة الوثيقة والوظيفية تاريخيًا؟
بشكل عام، تواجه العلاقة الأمريكية الإسرائيلية أكبر تحد في تاريخها. لن أقول إنها وصلت إلى مفترق طرق، لكنها تواجه أكبر تحد في تاريخ هذه العلاقة. فالرأي العام في الولايات المتحدة، منذ بدء حرب الإبادة وحتى قبلها، يشهد تحولًا في نظرته إلى عمق التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي استطلاع لـ “غالوب” في الأول من آذار / مارس ظهر، للمرة الأولى منذ بدء هذه الاستطلاعات في أربعينيات القرن الماضي، أن عدد الداعمين للقضية الفلسطينية داخل الولايات المتحدة بات أكبر من عدد الداعمين لإسرائيل: 41% مع الفلسطينيين، مقابل 38% مع إسرائيل. هناك تحولات في الرأي العام الأمريكي.
وأنا شخصيًا أعتقد أنه إذا انتهت هذه الحرب بفشل أمريكي، فسيصبح من الأسهل تحميل إسرائيل مسؤولية ما جرى، كما أن السردية التي تقول إن نتنياهو جر ترامب إلى هذه الحرب ستزداد قوة.
علينا الانتباه إلى أنه في حرب العراق السابقة بدأ يرتفع صوت يقول: لماذا نستثمر إلى هذه الدرجة في إسرائيل؟ والآن، في ظل حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل، ومع احتمال فشل أمريكي في إيران، يصبح من السهل عمليًا طرح سردية مختلفة بشأن مستقبل العلاقة، تقوم على أن الاستثمار في هذه العلاقة لم يعد مجديًا، خاصة أن الولايات المتحدة لديها أولوياتها الاستراتيجية في السنوات المقبلة في الشرق الأقصى، من أجل مواجهة الصين، بينما أصبح الشرق الأوسط منطقة عبء إضافي على الولايات المتحدة، وتلعب إسرائيل دورًا كبيرًا في زيادة هذا العبء.
وأقول إنه إذا انتهت هذه الحرب بإنجازات أقل بكثير من المتوقع، فقد ينعكس ذلك سلبًا على إسرائيل وعلى السردية الداعمة لها. لكن هذا الأمر يحتاج إلى سنوات كي ينضج. وإذا ظن أحد أن الولايات المتحدة ستتخلى عن إسرائيل خلال سنتين إلى خمس سنوات مقبلة، فقد يكون متفائلًا أكثر من اللازم. لكن من الواضح جدًا، وخاصة لدى الجيل الشاب، أي الجيل الذي سيدخل إلى العالم السياسي في السنوات المقبلة، أن نظرته إلى إسرائيل وإلى علاقة الولايات المتحدة بها تختلف كثيرًا عن نظرة الجيل الحاكم حاليًا.