عن الحرب والعبث!


 في حرب الـ 12 يوما، لم تستخدم إيران وكلاءها في العراق (ولبنان واليمن أيضا) ربما لأن الهجوم الإسرائيلي عليها كان محددا أهدافه، ولم يكن دخول هؤلاء الوكلاء ليغير شيئا في المعادلة. لكنها في الحرب الأخيرة، اتبعت استراتيجية مختلفة في الحرب الأخيرة. كان واضحا أن ثمة قرارا إيرانيا باستخدامهم في العراق ولبنان قد اتخذ (مع الإبقاء على جبهة الحوثيين صامتة ربما بانتظار التوقيت المناسب لإدخالها في المواجهة إذا ما قررت إيران استخدام باب المندب والبحر الأحمر كسلاح مماثل لمضيق هرمز).
صحيح أن القوات الأمريكية هي من بدأت بقصف مواقع ميليشيا كتائب حزب الله في جرف الصخر في اليوم الأول للحرب، وأن الكتائب ردت بالتهديد بمهاجمة القواعد الأمريكية، لكن الميليشيات العراقية، كما هو معروف، لا تمتلك قرارا ذاتيا، بل تتلقى أوامرها من الحرس الثوري الإيراني مباشرة، وبالتالي لا يمكن التعامل مع قصفها اللاحق للأهداف الأمريكية في بغداد وأربيل، بما فيه قصف السفارة الأمريكية في بغداد، والقنصلية الأمريكية في أربيل، إلا على أنه تنفيذ لأمر إيراني مباشر!
في الواقع ما حدث في العراق، لم يكن حربا بين طرفين، بل حربا عبثية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى؛ فإيران قصفت أهدافا في أربيل والسليمانية، والولايات المتحدة الأمريكية تقصف بشكل شبه يومي الميليشيات الوكيلة لإيران ومواقعها على مساحة شمال ووسط العراق، والميليشيات بدورها قصفت أهدافا تدعي أنها أمريكية في بغداد وأربيل، لكنها لم تكتف بذلك، بل قصفت أهدافا عراقية بحت، مثل قصفها مبنى جهاز المخابرات العراقي، كما عمدت الى استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ التي زودتها بها إيران، لاستهداف دول الخليج العربي، تحديدا السعودية والكويت، حتى أنها استهدفت قاعدة في ريف الحسكة في سوريا!
في سياق هذا المشهد العبثي، كان ثمة عبث سياسي أكبر في مواجهة كل ذلك؛ حيث الموقف العراقي الرسمي ممثلا في الحكومة العراقية التي ظلت ثلاثة أسابيع عاجزة حتى عن تسمية من يضرب أراضيها، وعاجزة عن اتخاذ موقف إزاء الميليشيات التي يفترض أنها تأتمر بأمر رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة. وجاوز الأمر مرحلة العبث إلى المهزلة عندما أصدرت وزارة الدفاع العراقية يوم 11 مارس 2026 بيانا «أدانت» فيه من يقصفها، ولم تتجرأ على تسميته! وكان أعلى سقف إدانة لدى وزارة الدفاع هو التهديد بملاحقة «هؤلاء» قضائيا!
وفي بيان آخر جاء في أعقاب قصف ناقلتي نفط في المياه الإقليمية العراقية، كان الفاعل مبنيا للمجهول أيضا، ولم تجرؤ خلية الإعلام الحربي في وزراة الدفاع على تسمية من قام بهذا القصف!

‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬العبثي،‭ ‬كان‭ ‬قطاع‭ ‬النفط‭ ‬العراقي‭ ‬الأكثر‭ ‬تضررا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬بسبب‭ ‬تقاعس‭ ‬الحكومات‭ ‬العراقية‭ ‬المتتالية‭ ‬عن‭ ‬تنويع‭ ‬منافذ‭ ‬التصدير

وأضاف رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، مشاهد أخرى لحالة العبث هذه، ليقول بكل ثقة في تصريح له: إن «اتهام الحشد الشعبي بأعمال خارج إطار الدولة ينم إما عن جهل، أو عن تضليل مقصود»، لأنها كما يقول «قوة تعمل تحت سقف الدستور والقانون، وتلتزم بالأوامر الصادرة عن الجهات الرسمية»، مع أن الجميع بلا استثناء يعرف ما تقوم به الميليشيات الوكيلة لإيران ويعرف دورها في هذه الحرب، رغم أنه يفترض أنها جزء من القوات العسكرية العراقية، وتموّل من المال العام!
على أعتاب نهاية الشهر الأول من الحرب، لم يعد توصيف العبث قادرا على وصف ما يحدث، خاصة بعد أن قررت الحكومة العراقية في بياناتها وتصريحاتها المتعلقة بقصف القوات الأمريكية لمواقع في العراق؛ فقد صدر يوم 24 آذار 2026 مثلا، بيان عن المجلس الوزاري للأمن الوطني، مفاده أن «الدولة بسلطاتها» هي من تملك قرار الحرب والسلم، وأنه لن يسمح لأي جهة أو فرد بمصادرة هذا الحق، في حالة إنكار غريبة لموقف الميليشيات التي اتخذت قرار الحرب بمفردها، بل إن الحكومة العراقية دافعت عن هذه الميليشيات ووصفتها أنها «تمثل أحد أركان منظومتنا الأمنية الوطنية»! لينتهي البيان بإعطاء هذه الميليشيات حق مواجهة الاعتداءات العسكرية التي تنفذها الطائرات الحربية والمسيّرات وفق مبدأ حق الرد والدفاع المشروع عن النفس!
والمضحك هنا أن البيان نفسه أعطى لباقي تشكيلات «قواتنا المسلحة» حق الرد نفسه على الاعتداءات التي تعرضت لها من الميليشات نفسها، دون أن يشرح لنا البيان هل يعني ذلك أن من حق «قواتنا المسلحة» الرد على هجمات الميليشيات على قواعدها؟
ورغم أن البيان أشار إلى القصف الإيراني لمقار حرس إقليم كردستان العراق (البيشمركة) في أربيل (دون غيرها من الأهداف التي قصفت) وطالب وزارة الخارجية استدعاء السفير الإيراني لتسليمه مذكرة احتجاج بشأن ذلك، إلا أن البيان «نسي» أيضا الإشارة إلى حق الرد هنا!
البيان اتهم لأول مرة القوات الأمريكية بشكل صريح أنها خلف الهجمات على الميليشيات/ الحشد الشعبي، وطالب من وزراة الخارجية اعتماد الترتيبات الخاصة بتقديم شكوى إلى مجلس الأمن عن أي حالة عدوان وما ينتج عنها، والدعوة لإيقافها وإدانتها (المفارقة هنا أن البيان لم يدن لا الولايات المتحدة ولا إيران!) واستدعاء القائم بالأعمال الأمريكي لتسليمه مذكرة احتجاج رسمية عن الاعتداءات التي استهدفت مقار الحشد الشعبي في محافظة الأنبار وباقي المناطق، وبالفعل استدعت وزارة الخارجية العراقية يوم 25 آذار 2026 القائم بالأعمال الأمريكي في العراق لتسليمه مذكرة احتجاج، لاسيما بعد التطور اللافت الذي حصل في اليوم نفسه بعد استهداف طائرة أمريكية لقاعدة الحبانية، والتي تسببت بمقتل وجرح منتسبين في الجيش العراقي!
في سياق كل هذا المشهد العبثي، كان قطاع النفط العراقي الأكثر تضررا من هذه الحرب، بسبب تقاعس الحكومات العراقية المتتالية عن تنويع منافذ التصدير، والاعتماد شبه الكلي على الموانئ المطلة على الخليج العربي، وبشكل ثانوي على خط جيهان محدود القدرة (طاقته الفعلية بين 250 و 400 ألف برميل يوميا). فالعراق كان يصدر ما يزيد عن 101 مليون برميل عبر مضيق هرمز (وفقا لأرقام شهر كانون الثاني 2026) أي ما نسبته 93.8٪ من صادراته. وهذا يعني عمليا خسارة العراق لعائدات تزيد عن 6 مليارات دولار شهريا. وبالفعل أعلنت وزارة النفط العراقية يوم 20 آذار حالة القوة القاهرة، مع وقف الإنتاج في جميع حقول النفط التي تعمل بها الشركات الأجنبية، لينخفض إنتاج شركة نفط البصرة من 3.3 مليون برميل يوميا، الى 800 ألف برميل يوميا فقط. وإذا ما عرفنا أن عملية إعادة الانتاج تتطلب ما بين 3 و4 أشهر، على أقل تقديرمن أجل العودة إلى مستويات ما قبل وقف الانتاج، فهذا يعني أن خسائر العراق ستكون بين 30 و40 مليار دولار من لحظة وقف الحرب (بافتراض أن سعر برميل النفط سيكون 100 دولار) يأتي هذا كله في سياق أزمة مالية، هي الأسوأ منذ عقدين!
جميع الأطراف في الحرب القائمة، سواءٌ الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل أو إيران، لهم أهدافهم المحددة والمفهومة، ما عدا العراق الذي لا أحد يعرف ما هي أهدافه منها! وكل دور العراق هنا هو انتظار ما تفرضه عليه نتائح الحرب، وما تقرره بعد ذك الولايات المتحدة وإيران بشأنه!

 كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *