عبودية الماضي وتجلّياتها المعاصرة


بعد عقود من المراجعات السياسية والإيديولوجية بخصوص ظاهرة “العبودية” ما يزال العنوان حاضرا في السياقات السياسية والسجالات الفكرية. فكيف يحدث ذلك؟ ألم  يتم تجريم العبودية في العالم منذ عقود؟
ألم ينته ذلك العهد الأسود من التاريخ البشري الذي صنّف البشر إلى فئتين: أحرار وعبيد؟ في الأسبوع الماضي تم التصويت في الجمعية العمومية للأمم المتحدة على مشروع قرار قدّمته جمهورية غانا نيابة عن القارة الأفريقية والبشر المنحدرين من أصول أفريقية. القرار يقضي باعتبار تجارة الرقيق التي حصلت في أفريقيا عبر التاريخ تشكّل “أفظع جريمة ارتُكبت ضد الإنسانية.” كما يدعو لدفع تعويضات لضحاياها. وقد رحّبت المنظمات الدولية بهذا القرار ومن بينها منظمة العفو الدولية والمنظمة الدولية لمناهضة العبودية ومنظمة العمل الدولية. ولكن المفاجأة كانت في نمط التصويت الذي حدث على قرار حول قضية يُفترض أن آثارها انقرضت وأن التطور البشري تجاوزها، يُفترض أن “العالم الحر” قد أعلن توبته منها.  فقد تصدّرت الولايات المتحدة الدول التي صوّتت ضد القرار ومعها “إسرائيل” والأرجنتين. وكان مفاجئا كذلك امتناع كل الدول الأوروبية واليابان عن التصويت. وهناك استغراب واسع لقيام عدد غير قليل من الدول بالتحفظ على تجريم العبودية. البعض يعزو ذلك التحفّظ لأسباب اقتصادية بحتة، إذ رفض بعض الدول تجريم العبودية تاريخياً لأسباب اقتصادية جوهرية، حيث اعتمدت اقتصاداتها، وخاصة الزراعة والصناعة، بشكل كلي على العمالة المجانية (العبيد). كما لعبت النزاعات السياسية حول حقوق الولايات (كما حدث في أمريكا)، والمقاومة الثقافية والاجتماعية لإحداث تغيير جذري في البنية الاجتماعية، دوراً في تأخير إصدار قوانين حظر العبودية. فقد يكون ذلك مفهوما في الماضي، ولكن ماذا  عن الحاضر؟ ما الدافع لرفض القرار المذكور؟
مع ذلك حظي القرار بدعم 123 دولة مع امتناع 52 أخرى عن التصويت، بينما صوّتت أمريكا و”إسرائيل” والأرجنتين ضده. وبرّرت أمريكا رفضها القرار أنها لا تعترف بحق قانوني بالتعويضات عن أخطاء تاريخية لم تكن محرّمة في القانون الدولي آنذاك. وجاء في نص القرار: أن الاتجار بالأفارقة المستعبدين وكذلك تعريض الأفارقة للعبودية المملوكة كان أسوأ جريمة ضد الإنسانية، مضيفا “ان المطالبة بالتعويضات تمثل خطوة متينة للتكفيرعن الأخطاء التاريخية ضد الأفارقة أو المنحدرين من أصول أفريقية”. فما الذي يجري في الدهاليز التي تناولت قضية العبودية حتى وصلت إلى قرار يعرض للتصويت في الأمم المتحدة؟ وهل يمكن اعتبار القضية أيديولوجية بشكل مطلق أم أن الموقف إزاءها تشارك في تحديده اعتبارات أخرى من بينها ما قد يطرح من تعويضات لضحايا العبودية (أو أحفادهم).
ما قصة العبودية في هذا العالم؟ وماذا يعني السجال بشأنها في القرن الحادي والعشرين؟ الواضح أن العالم لم يتجاوز القضية أو على الأقل تداعياتها الثقافية والمادّيّة. وقد جاءت الأديان بشكل عام بمبادئ وقيم ضد الاستعباد. واهتم الإسلام بذلك بشكل عملي يهدف للقضاء على الظاهرة عندما كانت في ذروتها. فأكد القرآن الكريم ذلك المنحى الذي جاء في الآية الكريمة: “فكّ رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة”. كما جاء في الأحكام الشرعية بنود تدفع لتحرير العبيد بشكل واضح. فكفّارة الإفطار العمد في شهر رمضان المبارك تتضمن تحرير إنسان مستعبد. ودأب بعض الصحابة الكرام على شراء العبيد من أسواق النخاسة بهدف تحريرهم، وذلك تقرّبا إلى الله.
بلغ حجم الاتجار بالعبيد عبر المحيط الأطلسي 12 مليون إنسان تم نقلهم من أفريقيا على مدى 400 عام. ويقدّر عدد الذين فقدوا حياتهم في عمليات الشحن أكثر من مليونين ونصف. بالإضافة لملايين آخرين ماتوا بعد وصولهم، وذلك نتيجة سوء المعاملة والمداهمات والاستغلال. بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية التي تفاقمت خلالها ظاهرة العبودية بدأت صحوة ضميرية محدودة تدبّ في قلوب بعض المثقفين المتنوّرين الذين وجدوا أنفسهم مطالبين بإعادة قراءة تاريخ أجدادهم الذين شاركوا في جرائم الاستعباد ومارس بعضهم تجارة العبيد. وفي السبعينيات من القرن الماضي كتب الأمريكي من أصول أفريقية، أليكس هيلي رواية تاريخية باللغة الانكليزية حول الموضوع بعنوان: “جذور: ملحمة عائلة أمريكية.” وتم إنتاج مسلسل تلفزيوني باسم “جذور” عام 1976 على 12 ساعة لاقى رواجا كبيرا. ثم انتج جزء آخر بطول 14 ساعة باسم “جذور: الجيل التالي”. حاول هيلي تتبع تاريخ عائلته منذ أحد أجداده ويدعى كونتا كونتي الذي استُعبد عام 1761 واستُحضر ليعمل كرقيق إلى الولايات المتحدة. وتناقلت الأجيال اللاحقة قصة كونتا وكيف أنه كان شخصا حرّا في غامبيا. إلى أن حصل أحد أحفاد كونتا على الحرية وهو جدُّ هايلي من جهة والدته. وبحث هايلي العادات الأفريقية وعادات الأفريقيين الأمريكيين ليدمجها في قصة رائعة تتحدث عن تاريخ عائلة منذ منتصف القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن العشرين.

ما لم يتوقف اضطهاد الشعوب واحتلال أرضها ونهب خيراتها، فستظل ظاهرة العبوديّة ماثلة في أذهان البشر

يدور السجال الثقافي حول العبودية بين إدانة إرثها التاريخي كجريمة ضد الإنسانية، وبين تحليل أشكالها المعاصرة كالعبودية في القرن الحادي والعشرين والاتجار بالبشر وسط مطالبات بالاعتراف بمسؤولية الأسلاف وتغيير الصور النمطية، حيث لا تزال تشكل تهديداً معاصراً يتطلب جهوداً دولية للمكافحة. “لقد تم استعبادنا في البداية وبعدها جرى تسميمنا” هذا ما يقوله العديد من أبناء جزيرة المارتينيك الفرنسية في منطقة البحر الكاريبي عن تاريخ فرنسا في الجزيرة التي لا تعني للسياح سوى الشمس ومشروب الروم والشواطئ المليئة بأشجار النخيل. مزارع قصب السكر في منطقة البحر الكاريبي كانت تُدار بوحشية، حيث يُجبر العبيد على العمل لساعات طويلة في ظروفٍ قاسية، مُعرّضين للأمراض والضرب والقتل. ومع أن العبودية ألغيت في عام 1848 لكن سكان الجزيرة اليوم ضحايا مبيد آفات سام يسمى الكلورديكون الذي سمّم التربة والمياه وارتبط بارتفاع معدلات الإصابة بسرطان البروستاتا.
المستعمرون قاموا بزراعة مساحات كبيرة من المحاصيل التي يمكن شحنها لمسافات طويلة وبيعها بربح في أوروبا. ولتعظيم إنتاجية وربحية هذه المزارع، تم إحضار “العبيد” أو العمال المستأجرين. كان قصب السكر أول المحاصيل التي زرعت ضمن نظام المزارع، ثم تبعه العديد من الأنواع الأخرى بما في ذلك القهوة والقطن والكاكاو والتبغ والشاي والمطاط، وأخيرا زيت النخيل. وقد أدى السكر إلى تغذية تجارة العبيد العالمية بوحشية شديدة، لدرجة أن مؤيد إلغاء عقوبة الإعدام البريطاني ويليام فوكس، كتب في عام 1787، أن كل كوب شاي مُحلى “ملطخ ببقع الدم البشري”.
في القرن الثامن عشر، كان السكر رمزًا للثراء والرفاهية في إنكلترا. لكن قلّة من الناس أدركت أن حلاوة هذا السكر تأتي من مرارة العبودية. في عام 1791، ثار ضميرُ بعض الإنجليز ضد هذه الممارسات اللاإنسانية. فبعد أن رفض البرلمان إلغاء العبودية، قرروا مقاطعة السكر الذي ينتجه العبيد. ونجم عن ذلك زعزعة اقتصاد مزارع القصب في الكاريبي. في المقابل، ارتفعت مبيعات السكر الهندي، غير الملوّث بالعبودية، عشرة أضعاف خلال عامين. وظهرت متاجر تبيع السكر الحر، مُؤكدةً للمستهلكين أنه لم يُنتج بيد العبيد.
كانت مقاطعة السكر مثالًا مبكرًا على التجارة العادلة، وهي حركة تدعو إلى شراء المنتجات التي تُنتج بطرق أخلاقية وعادلة. لم تكن مقاطعة السكر مجرد حركة تجارية، بل كانت حركة إنسانية تحدّت الظلم وألهمت التغيير. ففي عام 1807، بعد 16 عامًا من بدء المقاطعة، أصدر البرلمان البريطاني قانونًا يلغي تجارة الرقيق. وأصدر أبراهام لينكولن في 22 سبتمبر 1862، تحذيرًا أوّليًّا يأمر فيه بتحرير جميع العبيد في أيّة ولاية أمريكية لم ينته تمردها على الاتحاد بحلول 1 يناير 1863. لم تقم أيٌّ من الولايات الكونفدرالية بذلك، ووُقع على قرار لينكولن ودخل حيز التنفيذ في 1 يناير 1863. أغضب إعلان تحرير العبيد الجنوبيين البيض والمؤيدين لهم، الذين رأوا أنها بداية حرب عرقية، شبيهة بالتي دارت في هايتي.
في ضوء هذه الحقائق يتضح حجم ما ارتكب بحق قطاع من البشر خصوصا في أفريقيا من فظاعات على أيدي المستعمرين. لقد كانت جريمة تاريخية لا يمحوها تظاهر الغرب اليوم بذرف دموع التماسيح. فما يجري في فلسطين من اضطهاد لأهلها ليس بموافقة الغربيين فحسب، بل بدعمهم المباشر، يؤكد استمرار نمط الاستضعاف والاستغلال واستعباد البشر. فما لم يتوقف اضطهاد الشعوب واحتلال أرضها ونهب خيراتها، فستظل ظاهرة العبوديّة ماثلة في أذهان البشر.

٭ كاتب بحريني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *