عالم من الصمت والتأمل حيث تتجلى الروح عبر اللون والمادة


تونس ـ «القدس العربي»: يجتمع إثنا عشر فنانا تشكيليا تونسيا في تجربة فنية لافتة تحت عنوان «رُسل فن قرطاج الإثنا عشر لقرطاج». ويتعلق الأمر بمعرض تشكيلي تحتضنه هذه الأيام قاعة صلاح الدين بسيدي بوسعيد بضواحي العاصمة تونس.
منذ الوهلة الأولى يلفت العنوان الانتباه بما يحمله من دلالات رمزية وثقافية، إذ يستحضر موروثا مسيحيا روحياً عريقاً يتمثل في صورة الرسل الإثني عشر، أولئك الذين حملوا رسالة وبشّروا بها. غير أن الرسل هنا ليسوا دعاة عقيدة أو خطباء منابر، بل هم فنانون جعلوا من اللون والشكل والمادة والضوء أدوات لرسالة جمالية وإنسانية مختلفة.

خطاب بصري

ويبدو هذا العنوان للوهلة الأولى جريئاً ومجازياً، لكنة يفتح في الحقيقة باباً واسعاً للتأمل في العلاقة بين الفن والروحانية، وبين الإبداع والتجربة الإنسانية العميقة. فالفنان، في كثير من الأحيان، يشبه الرسول في مهمته الرمزية، فهو يحمل رؤية ويترجمها إلى لغة يفهمها الآخرون، حتى وإن كانت هذه اللغة غير لفظية. وهكذا يتحول العمل الفني إلى خطاب بصري يتجاوز الكلمات، ويصبح اللون بديلاً عن العبارة، والخط بديلاً عن الجملة، والضوء بديلاً عن المعنى المباشر.
في تقديمه للمعرض، يشير جمال شوقي المهداوي إلى أن هؤلاء الفنانين «لا يعظون بالكلمة، بل باللون والشكل والمادة والضوء». وهي عبارة تختصر فلسفة هذا اللقاء الفني الذي يجمع بين تجارب مختلفة، لكنها تتقاطع جميعاً في البحث عن جوهر الجمال في محاولة لملامسة أعماق النفس الإنسانية. فالفن هنا لا يهدف إلى الزخرفة أو المتعة البصرية فحسب، بل يسعى أيضاً إلى فتح نوافذ للتأمل وإثارة الأسئلة حول الإنسان والعالم.
ولعل أول ما يميز هذا المعرض هو الجو العام الذي يلفه. فبمجرد دخول قاعة العرض يشعر الزائر بأنه ينتقل من صخب العالم الخارجي إلى فضاء آخر أكثر هدوءاً وتأملاً. موسيقى هادئة تنساب في الخلفية، واللوحات والمنحوتات موزعة بعناية في الفضاء، وكأن كل عمل منها يشغل موقعه في حوار صامت مع بقية الأعمال. هذا الترتيب لا يخلق فقط تجربة بصرية، بل يخلق أيضاً تجربة حسية وروحية تجعل الزائر يتوقف أمام الأعمال ويتأملها ببطء.
في هذا السياق، يستحضر المهداوي مقولة الرسام السويسري الألماني بول كلي: «الفن لا يعيد إنتاج المرئي، بل يجعل المرئي مرئياً». وهي مقولة تعبر بدقة عن جوهر التجربة الفنية التي يقدمها هذا المعرض. فالفنان لا يكتفي بنقل الواقع كما هو، بل يعيد اكتشافه ويكشف أبعاده الخفية. إنه يضيء ما لا نراه عادة في تفاصيل الحياة اليومية، ويجعلنا نعيد النظر في الأشياء التي نظن أننا نعرفها.

مواضيع متنوعة

من بين الفنانين المشاركين في هذا المعرض تبرز تجربة الفنانة ريم الحجّام التي تعتمد تقنية المزج على القماش لتقديم أعمال تتميز بالنعومة والرهافة. ففي لوحتها «نَفَس السوسن» تبرز الزهور وكأنها تنبض بالحياة، وتتحول الألوان إلى حركة لطيفة توحي بالرقة والشفافية. وتبدو هذه الأعمال أقرب إلى تأمل شعري في الطبيعة، حيث تتداخل الألوان والخطوط لتخلق إحساساً بالانسجام والهدوء. كما تقدم الفنانة بورتريهات مرسومة بالأكريليك على القماش بدقة لافتة، تعكس قدرة كبيرة على التقاط تعابير الوجوه وإيحاءاتها العاطفية.
أما الفنانة هدى بن حمودة فتقدم تجربة مختلفة تحتفي بالمرأة في أبعادها الجمالية والإنسانية، ففي أعمالها تظهر المرأة كرمز للقوة والحرية والجمال في آن واحد. ولا تقدم الفنانة صورة نمطية للأنوثة، بل تسعى إلى إبراز شخصية المرأة وحضورها المستقل، من خلال تركيبات لونية جريئة وخطوط تعبيرية تمنح اللوحات طاقة خاصة.
ومن جانب آخر نجد الفنانة إيناس لزرق، وهي فنانة عصامية تشق طريقها في عالم الفن التشكيلي برؤية شخصية واضحة. أعمالها تبدو وكأنها محاولة لإعادة قراءة الواقع من زاوية مختلفة، حيث تتقاطع فيها الذاكرة مع الجسد في علاقة معقدة بين الماضي والحاضر. فاللوحات لا تكتفي بتصوير أشكال أو شخصيات، بل تطرح أسئلة حول الهوية والذاكرة والوجود.
أما درّة بن غفار فتأخذ الزائر إلى عالم آخر هو عالم الزهور، لكنها لا تقدم الزهور بوصفها عناصر زخرفية فحسب، بل كعناصر حية مليئة بالحركة والإيقاع. ويتم ذلك باستخدام تقنية الزيت على القماش، وتعمل الفنانة على إبراز أدق تفاصيل الزهرة، من انحناءات الأوراق إلى تدرجات الألوان الدقيقة. والنتيجة هي ما يمكن وصفه فعلاً بـ«سيمفونية زهرية»، حيث تتحول اللوحة إلى فضاء موسيقي بصري تتناغم فيه الألوان كما تتناغم النغمات.
وتأتي تجربة الفنانة إيمان علولو لتضيف بعداً آخر إلى المعرض من خلال الجمع بين الرسم والنحت. فهي تستخدم تقنيات مختلطة على القماش، إلى جانب النحت في خشب الزيتون والحديد، لتعيد قراءة التراث التونسي بطريقة معاصرة. ويلمس الزائر في أعمالها حضور الماضي، لكن هذا الماضي لا يظهر في شكل حنين جامد، بل يتحول إلى مادة حية يعاد تشكيلها في ضوء الحاضر.
وفي أعمال نرجس مراد الدالي ينفتح أمام الزائر عالم رمزي غني بالدلالات. وتعتمد الفنانة تقديم لوحات تتمحور حول الكون الأنثوي، حيث تتداخل الرموز والأشكال لتخلق فضاء بصرياً مليئاً بالإيحاءات. والمرأة هنا ليست مجرد موضوع للرسم، بل هي محور الكون الفني الذي تبنيه الفنانة.

تقنيات ومواد مختلفة

أما دنيا بوعتور، ضيفة الشرف في هذا المعرض، فتقدم أعمالاً تتميز بحساسية لونية عالية. وباستخدام الأكريليك على القماش والخشب، تخلق الفنانة عالماً زهريا ساحراً يفيض بالحياة. ومن أبرز أعمالها عمل ثلاثي كبير يتوسطه حضور دعسوقة وزهور التوليب الصفراء، حيث يلفت اللون الأصفر القوي انتباه المتلقي منذ النظرة الأولى. وبالتالي فإن هذه اللوحات لا تكتفي بإبراز جمال الطبيعة، بل تنقل أيضاً إحساساً بالبهجة والدفء.
أما الفنانة سنية لخوة فتقدم بدورها تجربة تنتمي إلى ما يعرف بالفن الخام أو الفن الفطري. وهي أيضاً فنانة عصامية تعتمد على عفويتها في التعبير. لوحتها «مخططات الروح» تبدو وكأنها رحلة داخلية في أعماق النفس، حيث تتحول الخطوط والألوان إلى إشارات رمزية تدعو المشاهد إلى التأمل.
أما الفنانة نادية الدالي فتقدم أعمالاً تجمع بين الذاكرة والتراث، فتعود إلى مشاهد من الحياة البدوية وهمسات المدينة العتيقة باستخدام الزيت على الخشب والقماش. وتتميز لوحاتها بقدرة خاصة على استحضار أجواء الماضي، لكن بطريقة لا تنفصل عن الحاضر. فالوجوه والملابس والفضاءات التي تصورها تحمل في طياتها روح التراث التونسي وخصوصياته الثقافية.
ومن جهة أخرى تقدم الفنانة نايلة الزيادي تجربة تقع في منطقة وسطى بين التجريدية والتعبيرية. ففي لوحاتها التي تنفذها بالأكريليك على القماش يظهر تأثير البحر الأبيض المتوسط واضحاً. فالألوان الزرقاء وتدرجاتها المختلفة تخلق إحساساً بالحركة والاتساع، وكأن اللوحات تحاول التقاط روح البحر وتحويلها إلى لغة بصرية.
ولا يقتصر المعرض على الرسم فقط، بل يفتح المجال أيضاً لفن النحت والخزف من خلال مشاركة الفنانين نصر الدين الفرحاتي وبلال القرايري. فالأول يستكشف من خلال أعماله الخزفية عالم الإنسان داخل المجتمع بنظرة واقعية تميل أحياناً إلى السخرية. أما الثاني فيقدم منحوتات برونزية تعكس بحثاً عميقاً في الحالة الإنسانية. أعماله مثل «أناقة» و«المتجول في الضوء» و«هدوء داخلي» تقدم تأملاً في الإنسان المعاصر الذي يعيش بين إغراءات الحداثة وضغوطها.
إن هذا المعرض لا يقدم مجرد مجموعة من الأعمال الفنية، بل يخلق تجربة متكاملة تجمع بين الجمال والتأمل. إنه دعوة إلى التوقف قليلاً في عالم يتسارع باستمرار، وإلى إعادة النظر في علاقتنا بالأشياء من حولنا. فالفن، في جوهره، ليس ترفاً ثقافياً، بل هو طريقة لفهم العالم وإعادة اكتشافه. ومن هذا المنطلق، يبدو معرض «رسل الفن الإثنا عشر لقرطاج» تجربة تستحق الزيارة بالفعل، لأنه يفتح أمام الزائر نافذة جديدة لرؤية العالم، ليس كما يبدو في ظاهره فقط، بل كما يمكن أن يُرى عندما يمر عبر عين الفنان وروحه.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *